الفصل 9 / 25

الحب الأول 151

همساتٌ في أروقة الذاكرة

بقلم فاطمة النجار

استيقظت ليلى على صوت أذان الفجر، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة باهتة. لم تكن سعادة، بل أشبه بضوء خافت يتسلل عبر غيوم الحزن. تذكرت الليلة الماضية، تلك الأحاديث الطويلة مع والدتها، والدموع التي انسابت بصمت على خديها. كانت الأفكار تتدافع في رأسها كأمواج عاتية، تحمل معها عبق الأيام الخوالي، ومرارة ما أصابها.

"يا ابنتي، ما زلتِ شابة، والحياة أمامكِ," قالت الأم بصوتٍ يحمل بحةً من الحزن والأمل. "لا تجعلي الماضي يثقل كاهلكِ. تذكري من أنتِ، ومن أي بيتٍ أنتِ."

كانت كلمات والدتها كبلسمٍ شافٍ، لكن الجرح كان عميقًا. شعرت ليلى بتيارٍ من الطاقة يتجدد فيها. نعم، هي ليلي، ابنة آل شهاب، الفتاة التي لطالما اعتزت بأصولها وتقاليدها. لم تكن ضعيفة، ولم تكن لتستسلم للظروف.

وبينما كانت تعدّ وجبة الإفطار البسيطة، وقع بصرها على إطار صورةٍ قديمٍ ملقىً على الرف. التقطته بيدٍ مرتعشة. كانت صورةً لها وهي طفلة، تحتضن دميةً قديمة، وبالقرب منها يقف والدها، يبتسم ابتسامةً دافئة. تذكرت رائحة عطره، وصوته العميق الذي كان يقرأ لها القصص قبل النوم. كتمت شهقةً. كان الحب الأول، حقيقةً، يبدأ في كنف العائلة، ثم يتسع ليحتضن الأرواح الأخرى.

في الخارج، كانت شمس الصباح ترسل خيوطها الذهبية على بساتين الزيتون الممتدة، مانحةً المكان دفئًا خاصًا. فتحت النافذة، واستنشقت هواءً نقيًا تفوح منه رائحة الأرض الندّية. شعرت بأنها قادرة على مواجهة العالم.

بعد الإفطار، جلست على مكتبها، وفتحت دفترها الذي لم تمسه منذ فترة. أمسكت بقلمها، وبدأت تكتب. لم تكن كتاباتٍ عادية، بل كانت محاولةً لترتيب أفكارها، وللتعبير عن ما تعتمل به نفسها. كتبت عن ذكريات الطفولة، عن أحلامها البسيطة، وعن الأمل الذي ظلّ ينمو في أعماقها رغم كل شيء.

في تلك الأثناء، وصل السيد خالد، جارهم وابن عمها، لزيارتهم. كان خالد شابًا طيب القلب، هادئ الطباع، ويحظى بتقديرٍ كبيرٍ في العائلة. كان دائمًا يظهر احترامًا وولاءً لآل شهاب، وكان بمثابة الابن البار.

"صباح الخير يا عمة، صباح الخير يا ليلى," قال خالد بصوتٍ هادئٍ ومرح.

"صباح النور يا خالد," أجابت والدة ليلى بابتسامة. "تفضل، اجلس. هل تحتاج شيئًا؟"

"جئت لأطمئن عليكم، ولأسلم عليكم," أجاب خالد وهو يجلس. "لقد سمعتُ عن الأخبار التي وصلت، وأردتُ أن أرى إن كان بإمكاني المساعدة بأي شكل."

نظر خالد إلى ليلى، ورأى شيئًا جديدًا في عينيها. لم تعد تلك الفتاة الحزينة المتوارية. كانت هناك قوةٌ تتسلل إلى نظراتها.

"شكرًا لك يا خالد," قالت ليلى بهدوء. "لطفكُ وكرمكمُ هو أكبر مساعدة."

"هذا واجبنا يا ليلى. أنتِ جزءٌ منا، ولن نسمح لأي شيءٍ بأن يمسكم بسوء."

كان وجود خالد مصدر راحةٍ لليلى. كانت تعرف معدنه الأصيل. لقد نشأت معه، وشهدت مواقفه النبيلة مع عائلتها. كان دائمًا يضع مصلحة العائلة فوق كل شيء.

"علمتُ أن الحاج صالح البنا، وهو رجلٌ معروفٌ بأمانته وسمعته الطيبة، يريد أن يعرض عليكم بعض الأمور المتعلقة بالأرض," قال خالد. "هو صديقٌ للعائلة منذ سنوات، ويثق فيه الجميع."

ارتسمت علامات الاهتمام على وجه والدة ليلى. "هل حقًا؟ هذا خبرٌ جيد. لم نتوقع ذلك."

"نعم، لقد تحدث معي صباح اليوم. وقال إنه سيمر عليكم قريبًا."

ابتسمت ليلى. كانت تشعر بأن الأمور بدأت تتحرك في مسارٍ أفضل. كانت تتطلع لرؤية الحاج صالح، وللاستماع إلى ما لديه. ربما يكون هذا هو الخيط الذي سيساعدها على لملمة شتات العائلة.

"هل أنتِ بخير يا ليلى؟" سأل خالد، ملاحظًا صمتها. "تبدين مختلفةً اليوم."

"أنا بخير يا خالد،" أجابت ليلى بصدق. "لقد بدأتُ أرى نورًا في نهاية النفق. أشكرك على لطفك."

"لا شكر على واجب. لقد مررتُ بالأمس بالديوان، وتحدثتُ مع بعض الأعيان. الكل يتحدث عن الوضع، والكل مستاءٌ مما حدث. هم يقدرون والدك، ويعرفون مكانته."

"هذا ما كان يطمئن قلب أبي دائمًا. تقدير الناس."

"وهو تقديرٌ مستحق. لكن… هناك أمرٌ آخر أردتُ أن أتحدث معكِ فيه، يا ليلى." تردد خالد قليلًا. "لقد علمتُ أن هناك من يحاول استغلال الوضع. هناك بعض الأشخاص الذين… لديهم نوايا غير طيبة."

شعرت ليلى بقشعريرة. "من تقصد؟"

"لا يمكنني ذكر أسماء الآن، لكن… هناك من يتحدث عن زواجٍ مصلحةٍ لتجاوز هذه الأزمة. زواجٍ لا يقوم على المودة والرحمة، بل على الصفقات."

اتسعت عينا ليلى. هل يمكن أن يحدث هذا؟ هل يمكن أن تتحول حياتها إلى مجرد صفقة؟

"لكن… هذا ليس من شيمنا," قالت بصوتٍ مرتجف. "نحن لا نبيع بناتنا."

"بالتأكيد. ولن نسمح بحدوث ذلك. لكن يجب أن نكون مستعدين. وأن تكوني مستعدةً أنتِ."

نظرت ليلى إلى خالد، ورأت في عينيه صدقًا وحرصًا. كان يحميها، ويحمي عائلتها.

"ما الذي تقترحه؟" سألت.

"يجب أن نتصرف بحكمة. وأن نستخدم كل السبل المتاحة لحل هذه المشكلة. لقد فكرتُ كثيرًا في وضعكم. و… بما أنني ابن عمك، ولديّ بعض العلاقات الطيبة… قد أكون قادرًا على المساعدة في إيجاد حلٍّ يرضي الجميع، ويحفظ ماء وجهكم."

لم تفهم ليلى تمامًا ما كان يقصده خالد. لكنها أحست بأنه يقدم لها يد المساعدة. يدٌ لم تكن مجرد مساعدةٍ عادية، بل يدٌ تحمل في طياتها احترامًا وتقديرًا، وربما… شيئًا أعمق.

"ما هو هذا الحلّ؟" سألت بفضولٍ ممزوجٍ بالحذر.

"لا أستطيع أن أفصح عنه الآن. لكن… عندما يأتي الحاج صالح، قد يتضح الأمر أكثر. فقط أردتُ أن أقول لكِ، يا ليلى، إنكِ لستِ وحدكِ. وإننا معكِ."

ابتسمت ليلى بامتنان. "شكرًا لك يا خالد. كلماتك هذه تعني لي الكثير."

"اطمئنّي. ستكون الأمور على ما يرام بإذن الله."

انتهت الزيارة، وبقيت ليلى مع والدتها. كانت الأفكار تتطاير في ذهنها. زواج مصلحة؟ هل هذا حقًا ما سيحدث؟ ومن هو هذا الشخص الذي يحاول استغلال الوضع؟ وشيءٌ آخر، ذلك التردد في كلام خالد، وذلك التلميح لحلٍّ قد يكون هو…

لم تستطع ليلى أن تقرر. لكنها كانت متأكدةً من شيءٍ واحد: لم تعد الفتاة الضعيفة التي كانت عليه. لقد اكتشفت في نفسها قوةً لم تكن تعرف بوجودها. قوةٌ تستمدها من حب عائلتها، ومن إصرارها على التمسك بمبادئها.

عندما غربت الشمس، وأسدلت الظلال الطويلة على القرية، جلست ليلى في شرفتها، تنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم. كانت تشعر ببعض القلق، ولكنها أيضًا كانت تشعر بالأمل. الأمل في أن تتكشف الأمور على خير، وأن تجد طريقها نحو مستقبلٍ مشرق، مستقبلٍ لا يلوثه استغلالٌ ولا يفسده طمع.

كانت تعلم أن القادم يحمل المزيد من التحديات، والمزيد من الأسئلة. لكنها كانت مستعدةً. مستعدةً لمواجهة أي شيء، طالما أنها تسير على الطريق الصحيح، وعلى هدى القيم التي نشأت عليها.

وانتظرت، مع إيقاع دقات قلبها المتسارعة، ما سيخبئه الغد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%