لقاء القدر 152
بوحٌ في حضرة الشك
بقلم سارة العمري
بعد صلاة الظهر، كان منزل نور يعمه هدوءٌ موقّت. كانت الأم، السيدة عائشة، قد أعدت ضيافةً تليق بضيفٍ عزيز، أطباقاً شهية ورائحة البخور تفوح في الأرجاء. حاولت نور أن تبدو هادئة، لكن قلبها كان يعزف لحناً متسارعاً. كانت تنتظر خالد، تتأمل الظلال التي بدأت ترتسم على وجه السماء وقت الظهيرة، ظلالٌ تشبه تلك التي كانت ترتسم على روحها.
وصل خالد قبل الموعد بقليل. طرق الباب بخفة، كأنه يخشى أن يزعج سكون المنزل. استقبلته نور بابتسامةٍ حاولت أن تكون طبيعية، ورغم أن عينيها كانتا تتحدثان بلغةٍ أخرى، لغة الاستفهام والترقب.
“أهلاً بك يا خالد. تفضل.” قالت وهي تتراجع قليلاً لتدخل. “شكراً لكِ يا نور. المكان كما هو دائماً، ينضح بالسكينة والطمأنينة.” قال وهو يدخل، وتلقى نظرةً خاطفة على صور العائلة المعلقة على الجدران، صورٌ تحمل معها دفء الأنساب وروعة الذكريات.
جلسا في غرفة المعيشة، حيث أعدت السيدة عائشة لهم القهوة العربية الأصيلة، وبعض الحلوى الشرقية. اختارت السيدة عائشة أن تترك لهما المجال، فانسحبت بهدوءٍ إلى المطبخ، لكنها بقيت قريبة، كأمٍ قلقة تراقب حياتها.
“كيف كانت أحوالك منذ الأمس، يا خالد؟” سألت نور، محاولةً كسر الحاجز الصمت المتزايد. “الحمد لله، الأمور تسير. ولكن… الحديث معكِ هو ما يشغل بالي أكثر.” قال وهو يمد يده ليأخذ كوب القهوة. بدا متوتراً، تتلمس يده دون وعي.
“ما الذي يقلقك، يا خالد؟ هل هناك شيءٌ ما؟” سألت نور، وقد شعرت بأن الثقل الذي تحدث عنه بالأمس يعود ليخيم على المكان. نظر إليها خالد طويلاً، ثم وضع كوب القهوة جانباً. “نور، أود أن أكون صريحاً معكِ تماماً. أخشى أن تكون هناك بعض الأمور التي يجب أن تعرفيها قبل أن نمضي قدماً.”
بدأت نور تتنفس بصعوبة. كانت تعلم أن هذه اللحظة قادمة، ولكنها لم تكن مستعدة للألم الذي قد تحمله. “تحدث يا خالد. أنا أستمع.”
“تعرفين أنني كنت أعاني من بعض الضغوطات مؤخراً، ضغوطات تتعلق بمستقبلي المهني، و… بمستقبلي العائلي أيضاً.” قال وهو يفرك يديه ببعضهما البعض.
“ماذا تقصد بالضغوطات العائلية؟” سألت بصوتٍ خافت، يشبه همسة في فراغ. “والدتي… هي سيدةٌ كريمة، ولكنها تتمسك ببعض العادات والتقاليد القديمة، وتود أن تراني متزوجاً من… من ابنة خالتي، سارة.” نطق الاسم الأخير بصعوبة.
اتسعت عينا نور. لم تتوقع أن يكون هذا هو السبب. كانت تتوقع مشكلةً مالية، أو خلافاً في وجهات النظر، ولكن هذا… هذا يضعها في موقفٍ لا تحسد عليه. “ابنة خالتك؟ سارة؟”
“نعم. والدتي تحلم بزواجي منها منذ زمن. وقد بدأت تضغط عليّ كثيراً مؤخراً، وتشعرني بمسؤوليتي تجاه رغبتها.” قال خالد، وبدا كمن يصارع كياناً أكبر منه.
“ولماذا لم تخبرني بهذا من قبل، يا خالد؟ هل كنت تخطط للزواج مني وأنت تحت ضغطٍ من والدتك للزواج من أخرى؟” سألت نور، وعيناها بدأت تمتلئ بدموعٍ حاولت جاهدةً كبتها.
“لا، لا يا نور. الأمر ليس كذلك أبداً. أنا أحبكِ أنتِ. لم تكن لوالدتي هذه الرغبة إلا مؤخراً، وبقوة. كنت أحاول أن أجد حلاً، حلاً يرضي الجميع، ولكن يبدو أن الأمور تتعقد.”
“حل؟ وما هو هذا الحل يا خالد؟ هل ستقول لي أن عليّ الانتظار بينما تختار والدتك زوجةً لك؟ أم أن هناك حلاً آخر؟” سألت بنبرةٍ يملؤها الألم والغضب المكبوت.
“أنا لا أريد أن أخسركِ يا نور. وجودكِ في حياتي منحني أماناً وسلاماً لم أجدهما من قبل. ولكنني أخشى… أخشى أن أواجه عائلتي وأخسرها. ووالدتي… لا أريد أن أكسر قلبها.” قال خالد، وصوته فيه نبرةٌ من الاستسلام.
“إذاً، أنت تضعني في موقفٍ صعب. أنت تطلب مني أن أشاركك حياتك، بينما لديكِ ارتباطاتٌ أخرى، أو على الأقل… رغباتٌ أخرى يجب أن تلبيها.” قالت نور، وصوتها أصبح متقطعاً.
“ليس ارتباطات، نور. مجرد رغبة أم. وأنا… أنا ضعيف أمام رغباتها.” اعترف خالد بصدقٍ مؤلم.
“ولكن ماذا عني، يا خالد؟ ماذا عن مشاعري؟ هل وضعتني في حسبانك؟ هل فكرت فيما قد تشعر به فتاةٌ تحبك، وتسمع منك أن هناك امرأةً أخرى يرغب بها والدتك لها؟”
“لقد فكرت، نور. وفكرت كثيراً. ولذلك جئت اليوم لأحدثك. أريد أن أجد حلاً. ربما… ربما يمكننا أن نتحدث مع والدتي معاً؟ قد تتفهم. قد ترى مدى جديتي معكِ.” اقترح خالد، وبدا في عينيه بارقة أمل.
“وهل تظن أنها ستتفهم؟ هل تظن أنها ستتقبلني؟ أم أنها ستنظر إليّ كعقبةٍ أمام تحقيق حلمها؟” سألت نور، وقد بدأت الدموع تنهمر على خديها.
“لا أعرف يا نور. ولكنني مستعدٌ لمواجهة ذلك. معكِ.” قال وهو يمد يده ليلامس يدها، ولكنها سحبت يدها بخفة.
“لا أعرف يا خالد. لا أعرف إن كنت أستطيع أن أقف في وجه عائلتك. ولا أعرف إن كنت أستطيع أن أعيش في خوفٍ دائم من رد فعل والدتك. هذا ليس الحب الذي كنت أتمناه. الحب يجب أن يكون فيه راحة، وليس قلقاً مستمراً.”
“ولكن يا نور… أنا أحبكِ.” قال خالد، وبدا صوته مليئاً بالأسى. “وأنا أيضاً يا خالد. ولكني لا أعرف إن كان حبكِ كافياً لمواجهة كل هذا. أخشى أن ينتهي بنا المطاف بخسارة كل شيء. خسارتك، وخسارة قلبي.”
نهضت نور واقفة، كمن لا تستطيع تحمل المزيد. “عذراً يا خالد. أعتقد أنني بحاجةٍ لبعض الوقت لأفكر.”
نظر إليها خالد، وقد بدا اليأس قد غطى وجهه. “إذاً… هل هذا يعني أن الأمور قد انتهت؟” “لا أعرف يا خالد. لا أعرف. ولكنني بحاجةٍ لبعض الوقت.” قالت بصوتٍ مختنق، وتوجهت نحو نافذة الغرفة، تتأمل الشارع المزدحم، وعالمها الذي بدأ يتصدع.
انسحب خالد بصمت، تاركاً خلفه نوراً غارقةً في بحرٍ من الدموع والشكوك. غادر المنزل، وقلبه مثقلٌ بالأسى. لقد بوح، ولكنه لم يجد الحل. بل ربما… فتح باباً لمشاكل أعمق.
كانت السيدة عائشة قد سمعت جزءاً من الحوار، وقد ألمها قلبها على ابنتها. أدركت أن الطريق أمام نور ليس مفروشاً بالورود، وأن خالد، رغم حبه، يحمل في داخله هموماً كبيرة.
جلست نور أمام النافذة، تتأمل العالم الخارجي. هل كان حب خالد كافياً؟ هل كان حبها له أقوى من مخاوفها؟ وهل كان هذا هو الاختبار الحقيقي الذي سيحدد مصير علاقتهما؟ أسئلةٌ كثيرة، وإجاباتٌ بعيدة المنال.