الفصل 19 / 25

لقاء القدر 152

همسات الماضي ونداء المستقبل

بقلم سارة العمري

وقفت ليان أمام المرآة، تعكس صورتها ذعرًا لم تعهده. خيوط ذهبية من نور الشمس تسرّبت عبر ستار النافذة، تلامس وجهها شاحبًا. اليوم هو اليوم الذي ستحكم فيه على مصيرها. لم يكن قرارًا سهلاً، بل كان قفزة في المجهول، مدفوعة بخيوط من الشكوك والآمال المتناقضة. ارتسم على شفتيها ابتسامة باهتة، ابتسامة امرأة على وشك خوض معركة لا تعرف نتيجتها.

تسللت إلى قلبها ذكرى ذلك اللقاء الأول مع الأستاذة ليلى، تلك السيدة المهيبة ذات النظرة الثاقبة والصوت الرخيم. كانت كالبحر الهادئ يخفي تحت سطحه أعماقًا لا تُدرك. تحدثت إليها ليان عن ماضيها، عن الظلال التي تركت بصماتها على روحها، عن الحاجة الملحة لمعرفة الحقيقة. والأستاذة ليلى، بلسانها الحكيم، وعدتها بأن كل شيء سيُكشف، وأن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، هي الطريق الوحيد للسلام.

"يجب أن أكون قوية"، همست ليان لنفسها، وعينها ترصد انعكاس عزمٍ يتشكّل ببطء. كانت ترى في المرآة وجه فتاة لم تعد تتذكر تفاصيله تمامًا، وجه كان يفيض براءة وحياة. لكن الزمن، بآثاره القاسية، قد غيّر الكثير.

أخذت نفساً عميقاً، ثم خرجت من غرفتها، متجهة نحو رواق المنزل الواسع. كان الهواء لا يزال باردًا، لكن دفء الشمس المتزايد كان يبشّر بيوم جديد. سمعت أصوات الخدم في الطابق السفلي، صخب الحياة اليومية الذي بدا بعيدًا عن صراعها الداخلي.

توقفت أمام باب مكتب والدها، شعرت برجفة تسري في جسدها. خلف هذا الباب، كانت هناك أسرار دفينة، أسرار قد تُعيد تشكيل كل ما تعرفه عن نفسها وعن عائلتها. لم تكن تتوقع أن تكون الحقيقة بهذه البساطة، لكن الأستاذة ليلى لم تترك لها مجالاً للشك. "الأمر يتعلق بوالدك، يا ليان. وبالماضي الذي لم تُخبرك به والدتك."

نظرت إلى يديها المرتعشتين، ثم مدّتها نحو مقبض الباب. كان أثقل مما توقعت، كأنه يحمل وزن كل السنين التي انقضت في صمت. أمسكت بالمقبض، وأدارته ببطء. انفتح الباب على مصراعيه، كاشفًا عن عالم من الأوراق المبعثرة، والكتب القديمة، ورائحة الورق والغبار التي تملأ المكان.

كان المكتب يبدو وكأنه لم يُمس منذ سنوات. أثاث خشبي داكن، يتلألأ تحت ضوء الشمس الخافت. وفي وسط كل هذا، كان والدها، السيد حامد، جالسًا خلف مكتبه الضخم، وجهه عابس، وعيناه تبدو مرهقة. بدا وكأن الزمن قد ترك بصماته عليه أكثر من أي شخص آخر.

"ليان؟" قال بصوت خافت، بدا مفاجئًا وغير متوقع. لم يكن يتوقع رؤيتها في هذا الوقت المبكر.

"صباح الخير يا أبي"، قالت ليان، محاولةً أن تبدو طبيعية. لكن صوتها خانها، فهو يحمل نبرة توتر واضحة.

"ما الذي أتى بك إلى هنا؟" سأل، وعيناه تثبتان عليها، تبحثان عن تفسير.

"أردت أن أتحدث معك، يا أبي"، قالت، واقتربت بخطوات مترددة. "حول بعض الأمور."

جلس والدها على كرسيه، يستند بظهره إلى الخشب الداكن. "ما هي هذه الأمور؟" سأل، وعلامات الاستغراب تعلو وجهه.

"الأمر يتعلق بعائلتنا، يا أبي. يتعلق بالماضي. وبالحقيقة."

ارتبك والدها. رأته ليان يرتعش قليلاً، ثم يعود إلى تماسكه. "ما الذي تتحدثين عنه؟" سأل، لكن نبرته كانت أقل ثقة الآن.

"الأستاذة ليلى أخبرتني ببعض الأشياء"، قالت ليان، وشعرت بأن قلبها يدق بعنف. "عن ورقة، وعن وصية، وعن... عن والدي الحقيقي."

صمت والدها. كان صمتًا ثقيلًا، ممتدًا، مليئًا بما لم تُنطق به الكلمات. رأته ليان يشيح بنظره عنها، يحدق في نقطة بعيدة في الفراغ. كانت عيناه تحملان شيئًا لم ترَه فيه من قبل: خوفًا عميقًا.

"ليان"، بدأ يقول، بصوت مختنق. "هذه الأمور... ليست للحديث عنها."

"لماذا يا أبي؟" سأل ليان، مدفوعة بجرأة مفاجئة. "لماذا كل هذا السر؟ لماذا لم تخبرني أمي بشيء؟ لماذا كل هذه الأكاذيب؟"

"لم تكن أكاذيب، يا ليان. كانت... حماية."

"حماية؟" كررت ليان، ومرارة تسري في صوتها. "هل كنتم تحمونني بإخفاء حقيقتي؟ هل كنتم تحمونني بإعطائي هوية ليست لي؟"

تنهد والدها بعمق. "الأمر أعقد مما تتصورين."

"أنا مستعدة لسماع الأمر المعقد، يا أبي. لقد عشت في ظل الحقيقة، وأريد الآن أن أرى وجهها. لقد رأيت صورة، يا أبي. صورة لوالدي. رجل طيب، يبدو أنه يحبني. من هو؟ ولماذا تركتني؟"

بدأ والدها ينفض غبار السنوات عن وجهه. "والدك... كان رجلاً صالحاً. أرجو أن تصدقي ذلك."

"ولماذا تتردد في ذكره؟"

"لأن حياته... انتهت بشكل مأساوي."

"مأساوي؟ كيف؟"

"حادث." قالها والدها بسرعة، ثم توقف، وكأنه يخشى أن يكون قد قال أكثر مما يجب.

"حادث؟" كررت ليان، تشعر بالبرد يتسلل إلى عظامها. "حادث من؟ ومتى؟"

"قبل أن تولدي بفترة قصيرة. لقد كان... أمرًا مؤلمًا للجميع."

"لكن... لماذا كل هذا الإخفاء؟ لماذا لم أكن أعرف؟"

"أردنا حمايتك، يا ليان. أردنا أن تعيشي حياة طبيعية، بعيدة عن هذه المأساة."

"لكنني لم أعيش حياة طبيعية، يا أبي. لقد عشت حياة مزيفة. لقد عشت وأنا أحمل ثقل سر لم أعرفه."

"هذا ليس صحيحًا. لقد أحببتك والدتك كثيرًا، وأنا أحببتك."

"الحب لا يقتضي إخفاء الحقيقة، يا أبي. الحب يقتضي المشاركة. يقتضي الصدق."

وقف والدها، يمشي ببطء نحو النافذة. ضوء الشمس كان يغطيه، يجعله يبدو كشبح. "والدك... لم يكن مجرد أب. لقد كان... له علاقة بأمر كبير. أمر خطير."

"خطير؟ ما هو هذا الأمر؟"

"لم يكن لي الحق في معرفة الكثير. لكن ما عرفته هو أنه كان يعمل على شيء... شيء قد يزعج أشخاصًا لا يحبون أن يُزعجوا."

"أشخاص؟ من هم هؤلاء الأشخاص؟"

"لا أعرف أسماءهم، ليان. فقط... كان هناك خطر. وخوف. وخوف من أن يطاردوك. لذلك، قررت والدتك... بالتشاور معي... أن نبعدك عن كل هذا. أن نعطيك حياة جديدة. حياة بعيدة عن الظلال."

"لكن الظلال لحقت بي، يا أبي. لقد لحقت بي في كل مكان. في أحلامي، وفي خوفي، وفي كل مرة شعرت أن هناك شيئًا ناقصًا."

"أنا آسف، يا ليان. حقًا آسف. لم نكن نريد لك كل هذا الألم."

"وماذا عن تلك الورقة؟ الورقة التي تحدثت عنها الأستاذة ليلى؟ وصية؟"

أحمر وجه والدها. "لا أعرف شيئًا عن وصية."

"لا تقل ذلك، يا أبي. الأستاذة ليلى لديها دليل. لديها ورقة رسمية. تتحدث عن حقك في... في كل شيء."

"حق؟ أي حق؟"

"حقك كابنته، يا أبي. حقك في الميراث."

ارتعش والدها بشكل واضح هذه المرة. "هذا... هذا جنون. والدك لم يترك لي شيئًا. هو... لم يعد على قيد الحياة."

"لكنه ترك لك شيئًا، يا أبي. ترك لك إرثًا. وإرثًا لمن بعده. وهو أنا."

كان وجه والدها شاحبًا، وعيناه تبدوان زائغتين. "لا أفهم. كيف...؟"

"أفهم الآن. كل شيء أفهمه الآن. لقد كانت هذه مجرد قصة. قصة حاكتها والدتي وأنت، لتُبعدني عن حقيقتي. عن والدي الحقيقي. وعن الإرث الذي هو لي."

"إرث؟ أي إرث؟" سأل والدها، وبدأ يتلعثم.

"إرث والدي. إرث والدك. إرث رجل قوي، ترك وراءه أسرارًا. وأنا، ابنته، سأكشفها."

"ليان! لا تجعلي الأمور تزداد سوءًا!" صاح والدها، وبدا عليه الغضب والخوف.

"الأمور ساءت بما فيه الكفاية، يا أبي. لقد عشت في الظلام طويلًا. والآن، حان وقت النور."

نظرت ليان إلى والدها، ولم ترَ فيه سوى ظل رجل خائف، محاط بأشباح الماضي. لم تكن هناك رحمة في عينيها. لقد انتهى وقت الشفقة. لقد حان وقت الحساب.

"لقد طلبت منك الحقيقة، يا أبي. وقد كشفتها. والآن، حان وقت أن أجد والدي. وأجد إرثي. وهذا لن يحدث إلا إذا بدأت من هنا."

ثم استدارت، وخرجت من المكتب، تاركة خلفها والدها في صمته المرعب. شعرت بأنها تحررت من قفص، وأنها الآن مستعدة للطيران. لكن كان عليها أن تتذكر جيدًا: في هذه الرحلة، لم تكن وحدها. كان هناك من ينتظرها. من يريد أن يعرف. ومن يريد أن يستعيد ما سُلب منه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%