الفصل 20 / 25

لقاء القدر 152

خيوط متشابكة ووعد بالسفر

بقلم سارة العمري

بينما كانت أشعة الشمس تزداد توهجًا في سماء الرياض، كان قلب ليان لا يزال يخفق بعنف، كطائر أسير يحاول كسر قضبان قفصه. خطواتها على الرخام البارد للقصر بدت أثقل من ذي قبل، كل خطوة كانت تحمل ثقل اكتشافٍ جديد، وثقل مسؤولية لم تتوقعها. لم تعد تلك الفتاة التي استيقظت صباحًا، بل امرأة أخرى، تغيرت معالم رؤيتها للعالم، ومعالم فهمها لذاتها.

وصلت إلى حديقة القصر، حيث نسيم الصباح اللطيف يداعب أغصان النخيل، ويلقي بظلال راقصة على الأرض. جلست على مقعد حجري قديم، مغطى بأزهار الياسمين البيضاء، يفوح منها عبيرٌ يمزج بين الانتعاش والحنين. كانت تتنفس بعمق، محاولةً استيعاب كل ما جرى في مكتب والدها.

"والد حقيقي... إرث... خطر... أشخاص لا يحبون أن يزعجوا..." كانت هذه الكلمات تتردد في رأسها كصدى بعيد، لكنها كانت الحقيقة القاسية التي بدأت تتكشف. لم تكن والدتها مجرد سيدة طيبة، بل كانت امرأة تخفي سرًا عظيمًا، سرًا يتعلق بوالد ليان الحقيقي، وبمصائر متشابكة.

تذكرت كلمات الأستاذة ليلى، صوتها الهادئ الذي كان يطمئنها. "كل خيط في نسيج حياتنا له مكانه، يا ليان. وأحيانًا، نحتاج إلى التراجع لنرى الصورة كاملة." لقد كان هذا هو الوقت المناسب للتراجع.

نظرت إلى هاتفها، ثم اتصلت بالأستاذة ليلى. "أستاذة ليلى، لقد تحدثت مع أبي."

"وكيف كان رد فعله؟" سأل صوت الأستاذة ليلى، بدا وكأنها كانت تنتظر هذه المكالمة بفارغ الصبر.

"كان... كما توقعت. خائفًا، متوترًا. لكنه لم ينكر. لقد اعترف بالكثير."

"وما الذي اعترف به؟"

"اعترف بأن والدي الحقيقي كان رجلاً صالحًا، لكنه كان في خطر. وأن والدتي وأبي... حاولوا حمايتي بإخفاء هويتي. وبأن هناك... أشخاصًا يريدون إزعاجه. وأنه ترك لي إرثًا."

"إرثًا؟" كررت الأستاذة ليلى، وكان صوتها يحمل نبرة اهتمام شديد. "ما نوع هذا الإرث؟"

"لا أعرف تفاصيله بالضبط. لكن الأستاذة ليلى، الورقة التي معك... هل هي حقًا تخص والدي؟"

"بالتأكيد، يا ليان. إنها وصية رسمية، كتبها والدك قبل وفاته. وهي تثبت حقوقك. وحقوق عائلته."

"عائلته؟ هل يعني ذلك أن هناك آخرين؟"

"ربما. هذه الأسرار القديمة غالبًا ما تكون لها امتدادات. لكن الأهم الآن هو أنكِ على وشك كشف الحقيقة. وأنكِ تستحقين معرفة كل شيء."

"وماذا أفعل الآن؟" سألت ليان، وشعرت بشيء من الارتباك.

"الخطوة التالية ستكون السفر، يا ليان."

"السفر؟ إلى أين؟"

"إلى المكان الذي دفن فيه والدك. إلى المكان الذي قد تجدين فيه إجابات أكثر. إلى حيث توجد عائلته."

"لكن... هذا قد يكون خطيرًا. أبي قال إنه كان في خطر."

"الخطر موجود، نعم. لكننا لن نذهب وحدنا. سأكون معك. وسيكون هناك من يساعدنا. أشخاص موثوقون، يعرفون هذه الأمور جيدًا."

"ومن هم هؤلاء الأشخاص؟"

"سنعرفهم عندما نصل. لكن الأهم الآن هو أن تتأكدي من استعدادك. هل أنتِ مستعدة لمواجهة ما قد تجدينه؟"

نظرت ليان إلى يديها، ثم إلى السماء الزرقاء الصافية. "نعم، أستاذة ليلى. أنا مستعدة. لقد عشت في الظلام طويلاً. حان وقت أن أرى النور."

"جيد. إذاً، جهزي نفسك. سنغادر في غضون يومين. جهزي حقيبتك، وحاولي أن لا تلفتي الانتباه."

"حاضر."

أنهت ليان المكالمة، وشعرت بمزيج من القلق والإثارة. السفر. إلى المجهول. بحثًا عن أب لم تعرفه، وعن حقيقة طالما أخفيت عنها.

عادت إلى غرفتها، وبدأت تجمع أغراضها. لم تكن بحاجة إلى الكثير. ملابس بسيطة، وبعض الضروريات. لكن ما كانت تحتاجه حقًا، لم يكن شيئًا يمكن وضعه في حقيبة. كان شجاعة، وقوة إرادة، وقدرة على مواجهة المصير.

في هذه الأثناء، كان السيد حامد جالسًا في مكتبه، وكأنه يحمل على كتفيه عبء العالم. لقد رأى في عيني ليان شيئًا لم يستطع إيقافه. لقد كبرت، وأصبحت قوية. ولم يعد بإمكانه حمايتها من خلال الإخفاء.

لقد كانت تلك الورقة، وصية والد ليان، هي الشرارة التي أشعلت كل شيء. لقد كانت دليلًا على الماضي، وعلى ما يجب أن يحدث. والآن، كان على السيد حامد أن يواجه عواقب قراراته، وقرارات والدة ليان.

بعد فترة، دخلت والدة ليان إلى المكتب. رأت وجه زوجها الشاحب، وعينيه المليئتين بالأسى.

"لقد تحدثت معها، أليس كذلك؟" سألت، بصوت خفيض.

"نعم." أجاب السيد حامد، بجهد. "لقد عرفت. عرفت كل شيء."

"وماذا ستفعل؟"

"لا أعرف. لكنني أعرف أنها لن تتوقف. إنها قوية، مثل والدها."

"وهل هذا سيء؟"

"لا. لكنه قد يكون خطيرًا. هي لا تدرك مدى الخطر الذي قد تواجهه."

"حاولنا حمايتها، يا حامد. لقد فعلنا كل ما بوسعنا."

"وأنا أعرف. لكن الآن، أعتقد أن الوقت قد حان لكي تواجه هي مصيرها. لكي تجد طريقها الخاص."

"ولكن... ماذا عنك؟ وماذا عني؟"

"سنواجه ما سيأتي، يا سارة. معًا."

نظرت والدة ليان إلى زوجها، وشعرت بأن قلوبهم، رغم كل شيء، لا تزال تنبض كقلب واحد. لقد ارتكبوا أخطاء، لكنهم كانوا يحبون ابنتهم. وهذا الحب، وحده، قد يكون المفتاح.

في الخارج، كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغرب، تلقي بظلال طويلة عبر القصر. كانت ليان تقف على شرفة غرفتها، تنظر إلى الأفق. لم تكن تعرف ما الذي ينتظرها، لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا: أنها لن تعود أبدًا إلى الوراء. لقد كان هذا وعدًا قطعته على نفسها. وعد بالبحث عن الحقيقة، ووعد بالسفر نحو المجهول.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%