لقاء القدر 152
ظلالٌ على دروب الأمان
بقلم سارة العمري
كان هدير المحرك يقترب، يتصاعد ويتكاثف مع مرور الثواني، أشبه بنذير شؤمٍ يحلق في سماء الصحراء الصافية. وقفت "نور" بثباتٍ، وعيناها الثاقبتان تترقبان بحذرٍ شديدٍ مصدر الصوت. لم تعد تشعر بالهدوء الذي استقر فيها قبل قليل، بل عادت موجةٌ من التوتر والقلق لتعصف بها. لم يكن لديها شكٌ في أن هذا المحرك لم يأتِ من فراغ.
خرجت سيارةٌ دفع رباعيٍ قوية، سوداء اللون، تفتقر إلى أي علاماتٍ مميزة، وتكاد تندمج مع هيبة الليل المتبقي. توقفت على بعد أمتارٍ قليلةٍ منها، وأطفأت محركها بصوتٍ مفاجئٍ كسرت به صمت الصحراء. انفتح بابها ببطء، وخرج منه رجلان، يرتديان ملابس داكنة، ويبدو عليهما الشراسة. لم يكن لديهما أي تعبيرٍ على وجهيهما، لكن نظراتهما كانت تحمل تهديداً صريحاً.
"من أنتِ؟ وماذا تفعلين هنا؟" صاح أحدهما بصوتٍ أجش، كسرت به الصمت.
لم ترد "نور" فوراً. كانت تقيّم الموقف، وتحسب خطواتها. كان لديها خياران: إما المواجهة، أو محاولة الهرب. المواجهة ستكون صعبةً، فهما رجلان، وربما يكونان مسلحين. الهرب قد يكون أفضل، لكنها لم تكن متأكدةً من قدرتها على الفرار في هذه المساحة المفتوحة.
"أسألكِ، من أنتِ؟" كرر الرجل، وبدأ يقترب بخطواتٍ متأنية.
في هذه اللحظة، قررت "نور". لم تكن لتستسلم بسهولة. رفعت رأسها، وقالت بصوتٍ واضحٍ وثابت: "أنا مجرد مسافرةٍ أبحث عن طريقها."
ضحك الرجلان بصوتٍ منخفض، كأنما وجدوا ما يسخرون منه. "مسافرة؟ في هذه الصحراء المقفرة؟ هل تظنين أننا أغبياء؟"
"لا أظن، ولكنني أقول الحقيقة."
اقترب الرجل الثاني، واقترب منهما "شهاب الدين"، الذي خرج للتو من الظل، كأنه شبحٌ قد أطل. كان يرتدي عباءةً فاخرةً، ويتضعم على وجهه ابتسامةٌ ساخرة.
"أظن أنكِ 'نور'، أليس كذلك؟" قال "شهاب الدين" بنبرةٍ تحمل معرفةً لا يستطيع إنكارها.
تجمدت "نور" في مكانها. كيف عرف اسمها؟ هل كانوا يراقبونها؟ هل كان خروجها من ذلك الكهف قد كشف أمرها؟
"لا أعرف من تتحدث عنه." قالت، محاولةً إخفاء دهشتها.
"لا تكتبي دور الغافلة، يا 'نور'. لقد رأينا وجهكِ بوضوحٍ في تلك اللحظة المباغتة. كنتِ قريبةً جداً من 'مفاجأة' لنا." أضاف "شهاب الدين"، وكانت كلمة "مفاجأة" تحمل معنىً غامضاً ومهدداً.
"ربما تخلط بيني وبين شخصٍ آخر." حاولت "نور" التملص.
"كلا، لستُ أخلط. بصري حادٌ، وذاكرتي لا تخونني." قال "شهاب الدين"، وبدأت نبرته تتغير، لتصبح أكثر حدةً. "ماذا كنتِ تفعلين بالقرب من موقع اجتماعنا؟ وماذا أخذتِ؟"
ارتسمت على وجه "نور" علاماتُ القلق، لكنها حافظت على رباطة جأشها. "لم أفعل شيئاً، ولم آخذ شيئاً."
"كاذبة!" صاح أحد الرجلين، وبدأ يتقدم نحوها.
في تلك اللحظة، تحركت "نور" بسرعةٍ مذهلة. لم تسمح له بالاقتراب. ألقت حقيبتها الصغيرة التي تحتوي على جهاز الاتصال، وسحبت سكينها، وتأهبت. لم يكن لديها خيارٌ آخر سوى القتال.
كان الرجلان قويين، لكن "نور" كانت أسرع وأكثر رشاقةً. بدأت في تبادل الضربات، تستخدم كل ما تعلمته في تدريبها. كانت كل حركةٍ محسوبة، كل رد فعلٍ مدروس. لم تكن تقاتل من أجل نفسها فحسب، بل كانت تقاتل من أجل الحق، من أجل مهمتها.
تمكنت من تفادي لكمةٍ قويةٍ من أحد الرجلين، ثم استغلت فرصةً سانحةً وطعنت ذراعه بخفة، مما جعله يصرخ من الألم. لكن الرجل الثاني كان أكثر قوةً. بدأ يلاحقها، محاولاً الإمساك بها.
"توقفي فوراً!" صاح "شهاب الدين" من بعيد.
في هذه الأثناء، وبينما كانت "نور" تتفادى هجمات الرجل الثاني، لاحظت شيئاً على الأرض، بالقرب من المكان الذي كانت تجلس فيه قبل قليل. كانت قطعةٌ صغيرةٌ من المعدن، تلمع تحت ضوء الفجر. لم تكن شيئاً عادياً، بل كانت قطعةً من جهازٍ إلكترونيٍ متطور، يشبه ما تستخدمه في أبحاثها.
"هذا ليس من عندي." همست لنفسها. هل كان هؤلاء الرجال يراقبونها قبل وصولها؟ هل تركوا هذا الجهاز عن عمد؟
بينما كانت "نور" تتصارع مع الرجل الثاني، بدا "شهاب الدين" يتحدث إلى شخصٍ ما عبر جهاز اتصالاتٍ صغير. كانت كلماته سريعةً، ومتحمسةً.
"نعم، إنها هي. لقد حصلت على الورقة. يجب علينا التحرك بسرعة. لن نسمح لها بالوصول إلى العاصمة."
شعرت "نور" بأن الوضع يزداد خطورةً. لم يكن الأمر يتعلق فقط بالكشف عن صفقتهم، بل كان هناك خطرٌ أكبر يحدق بها. لقد أصبحوا يعلمون أنها تمتلك دليلاً، وأنها في طريقها إلى العاصمة.
نجحت "نور" في المراوغة، وابتعدت عن الرجل الثاني. استغلت هذه اللحظة، واستعادت حقيبتها الصغيرة، وأطلقت رسالةً سريعةً ومشفرةً للحاج "أبو منصور".
"يتم مطاردتي. 'شهاب الدين' يعرفني. لديه علمٌ بالورقة. يحتاجون إلى إيقافي قبل وصولي للعاصمة. أرجو المساعدة."
بينما كانت ترسل الرسالة، كان الرجل الثاني قد استعاد قوته، واندفع نحوها مرةً أخرى. لم يكن أمام "نور" خيارٌ سوى الهرب. بدأت تركض بسرعةٍ في اتجاه الصحراء، تتبع مساراتٍ تعرفها جيداً، مساراتٍ تقل فيها فرصة تعقبها.
"لا تدعوها تفلت!" صاح "شهاب الدين" بغضب.
انطلق الرجلان خلفها. شعرت "نور" بأن أنفاسهم تلاحقها، وأنهم يقتربون. كانت الصحراء قد أصبحت مسرحاً لمطاردةٍ شرسة. لم يكن لديها الكثير من الطاقة، لكنها كانت مدفوعةً بروحٍ قويةٍ وإصرارٍ على تحقيق هدفها.
فجأة، سمعت صوتاً آخر، مختلفاً. صوت سيارةٍ أخرى، تقترب بسرعةٍ من خلفها. كانت سيارةً ذات طرازٍ قديم، ولكنها تتحرك بسرعةٍ فائقة. توقفت السيارة بالقرب منها، وانفتح بابها.
"أسرعي، يا نور! اركبي!" صاح صوتٌ مألوف.
كان الحاج "أبو منصور". لقد جاء لمساعدتها، كما وعد. دون تردد، ركبت "نور" السيارة، واغلقت الباب خلفها.
"انطلقي، يا حاج!" قالت، وهي تلتقط أنفاسها.
انطلق الحاج "أبو منصور" بالسيارة، تاركاً وراءه "شهاب الدين" ورجليه في حالةٍ من الغضب والإحباط.
"لن نتركها تفلت!" صرخ "شهاب الدين"، وهو يشاهد السيارة تبتعد.
نظرت "نور" إلى الحاج "أبو منصور"، وقالت: "لقد عرفوني. عرفوا اسمي، وعرفوا أنني أمتلك الورقة. الوضع أصبح خطيراً جداً."
"أعلم يا ابنتي. لقد تركتِ لي رسالتكِ في الوقت المناسب. لحسن الحظ، كانت لدي بعض المعلومات عن أنشطة 'شهاب الدين' المشبوهة، وبدأت في اتخاذ بعض الإجراءات الاحترازية. ولكن الآن، لم يعد الأمر يتعلق بمعلوماتٍ فقط، بل أصبح سباقاً مع الزمن. يجب علينا حماية هذه الورقة، وإيصالها إلى الأيدي الصحيحة."
"ولكن كيف؟ إنهم يعرفونني. وسيبحثون عني في كل مكان."
"هناك خطةٌ بديلة. لقد جهزتُ لكِ مكاناً آمناً في العاصمة، حتى نتجاوز هذه المرحلة الخطرة. ولكن قبل ذلك، يجب علينا التأكد من أن هذه الورقة لن تقع في أيديهم أبداً."
جلست "نور" في مقعد السيارة، تشعر بالراحة، ولكنها لم تنسَ الخطر الذي كانت فيه. كانت قد نجت من مواجهةٍ خطيرة، لكن الحرب لم تنتهِ بعد. كان "لقاء القدر 152" قد فتح أبواباً جديدةً لم تكن تتخيلها، أبواباً مليئةً بالظلال، وبالأسرار، وبالقوى الخفية التي تسعى للسيطرة.