لقاء القدر 152
خيط العنكبوت
بقلم سارة العمري
استيقظت ليلى على وهج الشمس المتسلل عبر الستائر المخملية، ورائحة الياسمين التي تعبق بها حجرتها. يوم جديد، ووعد جديد بلقاءٍ لم تتجرأ على وصفه إلا في أعماق خيالها. جلست على طرف الفراش، وأخذت تنظر إلى صينية الفطور التي أعدتها والدتها بعناية، تذكرها بابتسامتها الحانية وصوتها الذي يتردد في أرجاء المنزل: "ليلى حبيبتي، تناولي فطوركِ جيدًا، فاليوم يومٌ مميز".
مميز؟ وهل هناك ما هو أكثر تميزًا من لقاء المهندس أحمد؟ الفكرة وحدها كانت كافية لترسم البسمة على شفتيها. أحمد، الرجل الذي دخل حياتها كإعصارٍ لطيف، لم يترك فيها إلا أثرًا عميقًا من الإعجاب والاحترام، بل أكثر من ذلك، شغفًا يكبر مع كل لقاء.
لكن شغفها هذا كان سلاحًا ذا حدين. ففي عيني والدتها، كان شغفًا محفوفًا بالمخاطر، كان قلقًا على مستقبل ابنتها. والدتها، السيدة فاطمة، امرأةٌ كريمةٌ ذات أصولٍ عريقة، تدرك قيمة العائلة والنسب، وتخشى على ليلى من أي انزلاقٍ قد يفسد سمعة العائلة أو يضر بمستقبل ابنتها.
"يا ليلى، هل أنتِ مستيقظة؟" صوت والدتها اخترق صمت الغرفة.
"نعم يا أمي، استيقظت. صباح الخير."
"صباح النور يا حبيبتي. ألا تريدين النزول لتناول الفطور؟"
"قادمةٌ حالاً يا أمي."
نزلت ليلى إلى غرفة المعيشة، حيث كانت والدتها تحتسي قهوتها، وعلى وجهها علامات القلق المعتادة. جلست بجانبها، وبدأت تتناول طعامها بصمت.
"ليلى، هل تحدثتِ مع والدكِ حول طلب المهندس أحمد؟" سألت السيدة فاطمة بصوتٍ خفيض، كأنها تخشى أن يصل صوتها إلى مسامع أحد.
ترددت ليلى قليلاً. والدها، السيد يوسف، رجلٌ طيبٌ ولكنه شديد التقليدية. يرى أن الزواج هو رباطٌ مقدسٌ يجب أن يُبنى على أسسٍ متينةٍ من التوافق المسبق والعادات والتقاليد. وقد أبدى بعض التحفظ على فكرة زواج ليلى من رجلٍ لم تعرفه العائلة طويلاً.
"لم أتحدث معه بعد يا أمي. كنت أنتظر الوقت المناسب." أجابت ليلى، وهي تشعر بثقلٍ في صدرها.
"الوقت المناسب؟ يا ليلى، عمرنا لا ينتظر. وأحمد شابٌ واعد، نعم، ولكننا لا نعرفه حق المعرفة. أين أهله؟ ما هي أصوله؟ هل هو ملتزمٌ بدينه؟ هذه أمورٌ يجب أن نعرفها قبل أن نعطي أي موافقة."
نظرت ليلى إلى والدتها، وهي تشعر بخيبة أمل. هل كانت تخشى مجرد خوفٍ تقليدي، أم أن هناك شيئًا أعمق؟ تذكرت نظرة أحمد الحانية، حديثه العذب، احترامه الشديد لها ولعائلتها. كانت واثقةً من معدنه الأصيل، ومن أخلاقه الرفيعة.
"أمي، أحمد رجلٌ ذو خلقٍ ودين. والدته امرأةٌ صالحةٌ جدًا، وقد تحدثتُ معها. وأعتقد أن عائلة أحمد عريقةٌ ومعروفة." قالت ليلى بلهجةٍ تحمل بعض الإلحاح.
تنهدت السيدة فاطمة وقالت: "يا بنيتي، أنا لا أشك في صدق كلامك، ولكن القلوب تتغير، والأمور قد لا تبدو على حقيقتها. أنا فقط أريد لكِ الأمان والاستقرار. لستُ أدرى ما الذي يجعل أحمد متعجلاً في هذا الأمر. ألم يكن من الأفضل أن يطلب يدكِ بعد أن يتعرف عليكِ الجميع بشكلٍ أعمق؟"
هنا، شعرت ليلى أن خيط العنكبوت الذي يربطها بأحمد بدأ يتشابك. كانت تعرف أن أحمد لديه دوافعه، وأن هناك ظروفًا قد تضغط عليه، لكنها لم تفصح عن ذلك لوالدتها. كانت تخشى أن يبدو ذلك وكأنها تدافع عنه بشكلٍ مبالغ فيه، مما قد يزيد من شكوك والدتها.
"لا أدري يا أمي. ربما لديه أسبابٌ خاصة." قالت ليلى بإحباط.
بعد الفطور، انصرفت ليلى إلى غرفتها، وأخذت تفكر بعمق. كانت تشعر بالضغط يتزايد عليها. من جهة، كان هناك شوقها الجامح لأحمد، ورغبتها في بناء مستقبلٍ معه. ومن جهة أخرى، كان هناك واجبها تجاه عائلتها، وخوفها من إغضاب والدتها أو والدها.
جلست أمام نافذتها، تتأمل السماء الزرقاء الصافية. هل كانت تبالغ في مشاعرها؟ هل كانت ترى أحمد بعيونٍ ورديةٍ لا ترى العيوب؟ هذه الأسئلة كانت تقض مضجعها. لقد وقعت في حب أحمد، نعم، ولكن هل كان حبًا حقيقيًا أم مجرد افتتانٍ سطحي؟
تذكرت كيف بدأ كل شيء. لقاءٌ عابرٌ في معرضٍ للكتاب، حديثٌ قصيرٌ تحول إلى محادثةٍ طويلة، تبادل أرقام الهواتف، ثم لقاءاتٌ متتاليةٌ تحت غطاء العمل، سرعان ما تحولت إلى همساتٍ تحمل مشاعر لم تعد تخفى على أحد. أحمد كان جذابًا، ذكيًا، ومثقفًا، وكان يمتلك قدرةً خارقةً على جعلها تشعر بأنها الوحيدة في العالم.
لكن القلق كان يساورها. لماذا هذا العجل؟ لماذا لا ينتظر؟ كان هناك شيءٌ في تعجل أحمد يزعجها، شيءٌ يثير الشكوك. هل كان يخفي شيئًا؟ هل كان يتهرب من أمرٍ ما؟
طرقت باب غرفتها. "ليلى؟ هل أنتِ بخير؟" صوت أختها الصغرى، سارة، جاء مختلطًا بالقلق.
فتحت ليلى الباب، ورأت سارة تقف أمامها، وعيناها تسألان. سارة، الشقيقة الصغرى التي تفهمها دون أن تتكلم، والتي تثق بها ثقةً عمياء.
"نعم يا سارة، بخير. فقط بعض الأفكار." قالت ليلى وهي تبتسم ابتسامةً باهتة.
"أمي قلقةٌ بشأن المهندس أحمد. هل هناك مشكلة؟" سألت سارة بصراحة، وهي تدخل الغرفة.
جلست ليلى على سريرها، وأشارت لسارة بالجلوس بجانبها. "أمي قلقةٌ من تعجل أحمد في طلب يدكِ. تشعر أننا لا نعرفه حق المعرفة."
"ولكنه يبدو لطيفًا جدًا يا ليلى. وأنتِ تحبينه." قالت سارة ببراءة.
"أنا أحبه يا سارة. ولكني لا أعرف لماذا هذا العجل. هو نفسه لا يخبرني بالكثير عن سبب استعجاله. فقط يقول إن الظروف تفرض ذلك."
نظرت سارة إلى ليلى، وبدت عليها علامات التأمل. "ربما يا ليلى، ربما هو يريد أن يتأكد منكِ أنكِ موافقةٌ على الزواج منه قبل أن يتخذ خطواتٍ أخرى. ربما هو يخشى الرفض، أو يخشى أن تخذليه."
"ولكنني أظهرت له أنني موافقةٌ. لقد تحدثنا كثيرًا. وهو يعرف أنني أرغب في الارتباط به." قالت ليلى، وشعرت بالحيرة تزداد.
"ولكنه ربما لا يصدق ذلك تمامًا. ربما يريد عقدًا رسميًا، خطبةً، ليتأكد أنكِ له."
"ولكن أمي تخشى أن يكون ذلك استغلالًا. أو تهربًا من مسؤولياتٍ أخرى."
"أمي دائمًا ما تخشى. هي تحبكِ وتريد لكِ الأفضل. ولكن ربما يجب أن تعطيه فرصةً ليشرح لكِ. ربما هناك شيءٌ مهمٌ جدًا بالنسبة له."
جلست ليلى وسارة جنبًا إلى جنب، تتشاطران القلق والأمل. كانت ليلى تشعر بأنها تقف على مفترق طرق. مستقبلها مع أحمد يعتمد على قدرتها على تجاوز هذه العقبات، وعلى قدرتها على فهم دوافعه. كانت تعلم أن خيط العنكبوت الذي نسجه حبها لأحمد، بدأ يتشابك مع خيوطٍ أخرى، خيوطٍ قد تكون قويةً أو هشةً، حسب كيفية معالجتها. كان عليها أن تجد طريقةً لفك هذه العقد، قبل أن تخنقها.