حب الأوطان 153
همس الريح في أزقة القاهرة القديمة
بقلم سارة العمري
تنفست السيدة ناهد بعمق، مستنشقةً عبير البخور والياسمين الذي يفوح من نوافذ البيوت المتراصة في حارة الصقالبة. كانت شمس الأصيل قد ألقت بظلالها الذهبية على الجدران الطينية العتيقة، مرسمةً لوحاتٍ من الضوء والظل على وجوه المارة. كان صخب الحارة، الذي لا يخلو من ودٍّ ودفء، يملأ المكان، ضحكات أطفالٍ تتلاحق، وأصوات بائعين ينادون على بضاعتهم، ونقاشاتٍ هادئة بين الجارات. لكن قلب ناهد كان يرتعش بنبضٍ مختلف، نبضٌ اعتادته الأمهات حين يقفزن على أعتاب مستقبل أبنائهن.
وقفت أمام باب بيت جدتها العتيق، بابٌ خشبيٌ عريضٌ تزينه نقوشٌ إسلاميةٌ بارزة، يكاد يروي قصص أجيالٍ مرت من هنا. رفعت يدها بخفةٍ لتدق، لكنها ترددت. داخله، كانت تجلس جدتها، الحاجة عائشة، ملكة هذه الحارة، سيدةٌ وقورةٌ، صاحبة كلمةٍ نافذةٍ وحكمةٍ عتيقة. وفي قلبها، كانت تدور رحى التوقعات، وآمالٌ معقودةٌ على هذه الليلة.
فتحت الباب دون أن تدق، كما اعتادت. كانت الرائحة الأولى التي استقبلتها هي رائحة الشاي بالنعناع، ممزوجةً بعبق الكمون والكزبرة، روائحٌ ترتبط في ذهنها بذكريات الطفولة الدافئة. ثم لمحته.
جلس عمها، الأستاذ إبراهيم، في صدر المجلس، وعلى وجهه تبدو علامات الجدية والتأمل. كان يرتدي جلباباً أبيض أنيقاً، ويعتمر طاقيةً مطرزة. أمامه، كان يجلس رجلٌ لا تعرفه. شابٌ في مقتبل العمر، بدا عليه الهدوء واتزان الشخصية. كانت ملامحه تنم عن أصالةٍ وشهامة، وعيناه، وإن كانت لا تلتقي بعينيها مباشرة، فقد لمحت فيهما بريقاً من الوداعة والوقار.
"تفضلي يا ابنتي،" قالت الحاجة عائشة بصوتها الهادئ الذي يحمل ثقل السنين، دون أن ترفع بصرها عن وعاءٍ كانت تفرز فيه حبوب العدس. "كنتُ بانتظارك."
جلست ناهد على طرف المجلس، قاب قوسين من جدتها. لاحظت كيف انحنى الرجل الشاب قليلاً، ثم عاد ليستقيم، حركةٌ بسيطةٌ لكنها دلت على حسن الأدب.
"لم أكن أعلم أن عمي الأستاذ إبراهيم سيكون هنا،" قالت ناهد، متوجهةً بحديثها لجدتها، لكن بابتسامةٍ خفيفةٍ أرسلتها في اتجاه عمها.
"بل هو من أصر على الحضور،" رد الأستاذ إبراهيم بصوتٍ جهوريٍ يحمل دفء العائلة. "وليس هذا فحسب، بل جاء ليحمل إلينا خبرًا سعيدًا."
التفتت ناهد نحو الرجل الشاب. هل الخبر السعيد يتعلق به؟ شعرت بقلبها يخفق قليلاً. كانت في الحادية والعشرين من عمرها، وقد بدأت عائلتها تبحث لها عن زوجٍ مناسب، زوجٌ يكون كفؤًا، مسلمًا، ذا خلقٍ ودين. كانت تتمنى أن يكون الزوج من أبناء بلدها، من أولئك الذين يحملون هموم الوطن في قلوبهم، ويحترمون عاداته وتقاليده.
"يبدو أنني قاطعتُ حديثًا مهمًا،" قالت ناهد، محاولةً استعادة رباطة جأشها.
"بل أنتِ الجزء الأهم من هذا الحديث،" قالت الحاجة عائشة، ورفعت بصرها لتتأمل حفيدتها. "جلستنا هذه، يا ناهد، لم تأتِ من فراغ. الحاج أحمد، ابن عمك، جاء لطلب يدكِ."
اتسعت عينا ناهد بدهشةٍ ممزوجةٍ بارتياح. الحاج أحمد! ابن عمها، الشاب الذي لم ترَهُ إلا مراتٍ قليلة في المناسبات العائلية، لكنها كانت تسمع عنه الكثير. شابٌ يعمل مهندسًا في إحدى الشركات الوطنية، معروفٌ بتدينه والتزامه، ويحظى بتقديرٍ كبيرٍ في عائلتهم.
"أحمد؟" همست ناهد، ناظرةً إلى الشاب الذي تقدم للجلوس بجانب عمها.
"نعم يا ابنتي، أحمد،" أجابت الحاجة عائشة بابتسامةٍ راضية. "لقد أنهى دراسته، وبدأ مشروعه الخاص، وأصبح الآن جاهزًا لتكوين أسرة. ولما رأى عائلتنا، رأى فيكِ البنت الصالحة التي يرغب بها."
كان أحمد ينظر إلى ناهد الآن. في عينيه، لمحت ناهد الكثير. لم يكن مجرد إعجابٍ عابر، بل كان فيه تقديرٌ واحترام.
"أهلًا وسهلًا بك يا ابنة العم،" قال أحمد بصوتٍ هادئٍ، فيه نبرةٌ من الوداعة. "لقد انتظرتُ هذه اللحظة طويلًا."
شعرت ناهد بخجلٍ لطيفٍ يعتريها. لطالما سمعت قصص الحب الرومانسية في الأفلام والروايات، لكنها لم تتخيل يومًا أن تكون بطلةً لهذه القصة، قصة حبٍ خالصةٍ، تبدأ بطلب يدٍ في بيت العائلة، على مائدةٍ عامرةٍ بالبركة.
"والدي، الحاج محمود، كان يسأل عنكِ دائمًا،" تابع أحمد. "وعندما رأى التزامكِ، وحسن خلقكِ، لم يتردد في إرسالي إليكم."
"الحاج محمود رجلٌ مبارك،" قالت الحاجة عائشة، تبارك كلامه. "علاقتنا بكم هي علاقةٌ متجذرةٌ في التاريخ. وأنا أرى في هذا الزواج خيرًا وبركةً لعائلتنا."
كانت الكلمات تتدفق بسلاسةٍ، كلماتٌ تحمل في طياتها آمالًا عريضة، وخططًا لمستقبلٍ مشترك. شعرت ناهد أن هذه ليست مجرد خطبةٍ تقليدية، بل بدايةُ حكايةٍ ستُنسج خيوطها من الوفاء، والإخلاص، والحب الحلال.
"ما رأيكِ يا ابنتي؟" سألت الحاجة عائشة، ناظرةً إلى ناهد. "هل تقبلين التقدم لخطبتكِ؟"
تنهدت ناهد بعمق، ونظرت إلى عيني جدتها، ثم إلى وجه عمها، وأخيرًا إلى وجه أحمد. كان هناك شيءٌ في عينيه جعلها تشعر بالأمان والطمأنينة. لم يكن مجرد شابٍ يطلب الزواج، بل كان رجلًا يحمل في قلبه قيمًا، ورغبةً في بناء حياةٍ صالحة.
"أقبل، يا جدتي،" قالت ناهد بصوتٍ مسموعٍ، فيه ارتياحٌ واضح. "أقبل أن يتقدم الحاج أحمد لخطبتي."
علت وجه الحاجة عائشة ابتسامةٌ مشرقة، وكذلك وجه الأستاذ إبراهيم. أما أحمد، فقد بدا عليه السرور، وتجلى ذلك في بريقٍ زاد لمعانًا في عينيه.
"بارك الله فيكما،" قالت الحاجة عائشة. "اللهم اجعل هذا الزواج مباركًا، واجعله بدايةً لحياةٍ سعيدةٍ، مليئةٍ بالحب والرحمة."
انتهت الجلسة، لكن بدايتها كانت قد بدأت بالفعل. خرجت ناهد من بيت جدتها، وقلبها يغني. لم تكن تعلم ما يخبئه لها المستقبل، لكنها كانت تشعر بأنها تسير على الطريق الصحيح. طريقٌ مرسومٌ بالشرع، ومعجونٌ بالمشاعر النقية، ومزينٌ بآمالٍ لا تعرف الحدود. كانت تشعر بأن القاهرة، بأزقتها القديمة، وبيوتها العتيقة، وشعبها الطيب، تحتضنها في هذه اللحظة، وتهمس لها بأن كل شيءٍ سيكون على ما يرام.