حب الأوطان 153
بوادرُ الارتياحِ ووخزُ الشكوكِ
بقلم سارة العمري
بعدَ اعترافِ نورَ لسالمٍ بمشاعرِها المتبادلةِ، شعرتْ وكأنَّ جبلًا عظيمًا قدْ انزاحَ عنْ صدرِها. كانتْ السعادةُ تغمرُها، مزيجًا منَ الارتياحِ لما صارَ واضحًا، ومنَ الأملِ في مستقبلٍ مشرقٍ. لمْ تعدْ تفكرُ كثيرًا في اعتراضاتٍ محتملةٍ، أوْ في قلقِ والديها. لقدْ صارَ القلبُ مطمئنًا، والعينُ ترى ما أرادَ اللهُ لها أنْ تراهُ.
حرصَ سالمُ على أنْ تكونَ الخطواتُ التاليةُ منظمةً ومرتبةً، تتوافقُ معَ تعاليمِ الدينِ وقيمِ المجتمعِ. تحدثَ معَ والدي نورَ، وحكى لهمْ عنْ مشاعِرِهِ الصادقةِ، وعنْ رغبتِهِ الجادةِ في التقدمِ لخطبتِها. كانَ اللقاءُ الأولُ معَ والدِ نورَ، الحاجَّ عبدَ الرحمنِ، متوترًا بعضَ الشيءِ. فقدْ كانَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ رجلًا ذا هيبةٍ، يفرضُ احترامَهُ على الجميعِ، وهوَ الذي ربتْ ابنتَهُ على القيمِ الفاضلةِ.
"يا ولدي سالم،" قالَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ بصوتٍ فيهِ مزيجٌ منَ الجديةِ والحكمةِ، "نورُ غاليةٌ عندي. هيَ فلذةُ كبدي، وتربيةُ يدي. لا أسمحُ لأحدٍ أنْ يعبثَ بقلبِها أوْ أنْ يؤذيها."
ابتسمَ سالمُ ابتسامةً هادئةً، وأجابَ بثقةٍ، "يا عمي، أنتَ تعرفُ أنَّي أحترمُكَ وأحترمُ ابنتَكَ. ولنْ أفعلَ شيئًا يغضبُ اللهَ أوْ يضرُّ نورَ. لقدْ رأيتُ فيها ما لمْ أرهُ في غيرِها، وأنا أؤمنُ بأنَّها الزوجةُ الصالحةُ التي رزقني اللهُ بها."
بدا على الحاجِّ عبدِ الرحمنِ بعضُ الارتياحِ، ولكنهُ ظلَّ حذرًا. "وماذا في جعبتِكَ يا سالم؟ هلْ لديكَ ما يكفيكَ لإعفافِ ابنتي؟ هلْ لديكَ بيتٌ وأمانٌ لها؟"
شرحَ سالمُ خططَهُ المستقبليةَ، وأوضحَ وضعهُ الماليَّ، ومدى جديتِهِ في بناءِ مستقبلٍ مستقرٍّ. تحدثَ عنْ عملِهِ، وعنْ طموحاتِهِ، وعنْ رغبتِهِ في أنْ تكونَ نورُ شريكةَ حياتِهِ في كلِّ خطوةٍ.
في المقابلِ، كانتْ والدةُ نورَ، السيدةُ فاطمةُ، تتابعُ الأمرَ بتفائلٍ ممزوجٍ بالقلقِ. كانتْ تحبُّ سالمًا، وتراهُ شابًا ذا خلقٍ ودينٍ، لكنها كانتْ تعرفُ طبيعةَ عائلتِهِ. لمْ تكنْ علاقتُهمْ طيبةً جدًا بالأسرةِ الكبرى، وكانَ هناكَ بعضُ الخلافاتِ القديمةِ التي لمْ تُحلَّ بعدُ.
"يا نورُ،" قالتْ السيدةُ فاطمةُ ذاتَ مساءٍ، "هلْ أنتِ متأكدةٌ منْ مشاعِرِكِ؟ سالمٌ شابٌّ طيبٌ، ولكنْ عائلتُهُ… هلْ فكرتِ في هذا؟"
تنهدتْ نورُ. "يا أمي، أنا أحبُّ سالمًا، وقلبي مطمئنٌّ معَهُ. أما بالنسبةُ لعائلتِهِ، فاللهُ هوَ الموفقُ، وسنتعاملُ معَ الأمورِ بالصبرِ والحكمةِ."
لمْ تكُنْ عائلةُ سالمٍ على علمٍ كاملٍ بنواياهُ. كانَ قدْ أخبرَ والدتَهُ فقطْ، وهيَ بدورِها تحدثتْ معَ والدِهِ. لمْ يكنْ لديهِ أخوةٌ ذكورٌ، لكنْ كانَ لديهِ شقيقاتٌ متزوجاتٌ، ورجلٌ عمٌّ لهُ. لمْ يكنْ العمُّ، أبوَ فؤادٍ، صديقًا حميمًا لوالدِ سالمٍ، وكانتْ بينهما بعضُ المنافساتِ التجاريةِ.
وفي أحدِ الأيامِ، وبينما كانَ سالمُ يتحدثُ معَ والدهِ عنْ رغبتِهِ في التقدمِ لخطبةِ نورَ، شعرَ بشيءٍ منَ الترددِ في صوتِ أبيهِ. "يا سالم، هلْ أنتَ متأكدٌ منْ هذا؟ نورُ فتاةٌ جيدةٌ، ولكنْ… هلْ تعرفُ كلَّ شيءٍ عنْ عائلتِها؟"
"ماذا تقصدُ يا أبي؟" سألَ سالمُ بتعجبٍ.
"والدُها، الحاجُّ عبدُ الرحمنِ، كانَ شريكًا قديمًا لأبي فؤادٍ في بعضِ المشاريعِ. حدثتْ بعضُ الخلافاتِ، ولمْ تكنْ نهايتُها سعيدةً."
شعرَ سالمُ ببرودةٍ تسري في عروقِهِ. لمْ يكنْ يعرفُ شيئًا عنْ هذهِ الشراكةِ القديمةِ. "ولكنْ… هذا أمرٌ قديمٌ يا أبي. وأنا واثقٌ منْ الحاجِّ عبدِ الرحمنِ."
"الأمورُ القديمةُ قدْ تعودُ لتطفوَ على السطحِ يا بني. فقطْ كنْ حذرًا."
تأثرَ سالمُ بهذهِ المعلوماتِ. لمْ يكنْ يتوقعُ أنْ يكونَ هناكَ أيُّ تداخلٍ بينَ عائلتِهِ وعائلةِ نورَ. لقدْ كانَ ينظرُ إلى الأمرِ منْ منظورٍ روحيٍّ بحتٍ، بمنظورِ الحلالِ والمودةِ. الآنَ، بدأتْ تتسللُ إليهِ وخزاتُ الشكوكِ، وإنْ كانتْ لا تزالُ ضعيفةً.
في هذهِ الأثناءِ، كانتْ نورُ تعيشُ فترةً منَ السعادةِ الهادئةِ. كانتْ تشعرُ بأنَّ حياتَها تتجهُ نحوَ الاستقرارِ، وأنَّها وجدتْ الرجلَ الذي تستطيعُ أنْ تبنيَ معهً بيتَها. بدأتْ تحدثُ أمَّها عنْ تفاصيلِ زفافٍ محتملٍ، وعنْ نوعِ الفستانِ الذي ترغبُ فيهِ.
لكنْ، بدأتْ تلاحظُ تغيُّرًا طفيفًا في سلوكِ والدتِها. كانتْ كثيرًا ما تسألها عنْ سالمٍ، وعنْ أحاديثِهِ، وعنْ أيِّ شيءٍ قدْ يدلُّ على وجودِ مشاكلَ. "هلْ تحدثَ سالمٌ عنْ عائلتِهِ؟ عنْ أيِّ خلافاتٍ قدْ تكونُ لديهمْ؟"
"لا يا أمي، كلُّ أحاديثِهِ معي كانتْ عنْ حبِّنا، وعنْ مستقبلِنا، وعنْ بيتِنا الذي سنبنيَهُ. لمْ يذكرْ أيَّ خلافاتٍ."
شعرتْ السيدةُ فاطمةُ ببعضِ القلقِ، وقررتْ أنْ تتحدثَ معَ صديقةٍ لها، كانتْ تعرفُ تاريخَ العائلتينِ. وبعدَ فترةٍ، جاءتْ لها الصديقةُ بأخبارٍ لمْ تكنْ سارةً.
"يا فاطمةُ،" قالتْ الصديقةُ بقلقٍ، "الحاجُّ عبدُ الرحمنِ وسالمُ الأبُ، كانتْ بينهما شراكةٌ قديمةٌ، وانتهتْ بخلافٍ كبيرٍ. الحاجُّ عبدُ الرحمنِ كانَ يشعرُ بأنَّ سالمَ الأبُ غدرَ بهِ، ودائمًا ما كانَ يتحدثُ عنه بسوءٍ. ولا أعتقدُ أنَّ علاقتهما قدْ تحسنتْ أبدًا."
عادتْ السيدةُ فاطمةُ إلى المنزلِ وقلبُها يعتصرُ ألمًا. لمْ تردْ أنْ تفسدَ سعادةَ ابنتِها، ولكنها لمْ تستطعْ أنْ تخفيَ عنها الحقيقةَ. "يا نورُ،" قالتْ لابنتِها، وهيَ تحاولُ أنْ تبدوَ هادئةً، "تحدثتُ معَ صديقتي، واكتشفتُ أنَّ هناكَ بعضَ الأمورِ القديمةِ بينَ والدِ سالمٍ ووالدِكِ. كانتْ هناكَ شراكةٌ انتهتْ بخلافٍ."
شعرتْ نورُ بصدمةٍ. لمْ تكنْ تتوقعُ أنْ يكونَ هناكَ أيُّ ارتباطٍ بينَ هاتينِ العائلتينِ، وأنْ يكونَ هذا الارتباطُ سلبيًا. "ولكنْ… ما علاقةُ هذا بسالمٍ وبنا؟"
"لا أعلمُ يا ابنتي، ولكنْ يجبُ أنْ نكونَ حذرينَ. قدْ يؤثرُ هذا على علاقتِكما."
نظرتْ نورُ إلى والدتِها، ورأتْ القلقَ في عينيها. شعرتْ بأنَّ السعادةَ التي غمرتْها بدأتْ تتلاشى قليلًا، وأنَّ وخزاتِ الشكوكِ قدْ بدأتْ تتسللُ إلى قلبِها، وإنْ كانتْ لا تزالُ تحاولُ أنْ تتمسكَ بحبِّ سالمٍ، وتؤمنَ بأنَّ الحلالَ هوَ الحلُّ.