حب الأوطان 153
مرارةُ الفراقِ وبصيصُ الأملِ
بقلم سارة العمري
كانَ اللقاءُ بينَ سالمٍ ونورَ بعدَ مواجهتِهِ للحاجِّ عبدِ الرحمنِ مليئًا بالترقُّبِ. جلسا في حديقةِ المكتبةِ، المكانُ الذي بدأتْ فيهِ قصتُهما، ولكنَّ الأجواءَ كانتْ مختلفةً. لمْ يعدْ الارتياحُ يملأُ المكانَ، بلْ حلَّتْ محلَّهُ علاماتُ القلقِ والترقُّبِ.
"سالم،" بدأتْ نورُ بصوتٍ خافتٍ، "هلْ تحدثتَ معَ والدي؟"
نظرَ إليها سالمُ، وشعرَ بمرارةٍ تملأُ قلبَهُ. لمْ يكنْ لديهِ أخبارٌ سارةٌ. "نعم يا نورُ، تحدثتُ معَ والدِكِ. وتحدثتُ معَ والدي أيضًا."
توردَ وجهُ نورَ، وكأنَّها كانتْ تتوقعُ الأسوأَ. "وماذا كانتْ النتيجةُ؟"
"يا نورُ،" قالَ سالمٌ، وهوَ يحاولُ أنْ يمسكَ صوتَهُ المتأثِّرَ، "لقدْ اكتشفتُ أنَّ هناكَ خلافًا قديمًا وعميقًا بينَ والدي ووالدِكِ. والدي ظلمَ في الماضي، ووالدُكِ لمْ يعتذرْ عنْ خطئِهِ. والآنَ… والدُكِ لا يزالُ متمسكًا بكبريائِهِ، ويرفضُ أنْ يتخلى عنْ موقفِهِ."
نزلتْ دمعتانِ منْ عينَيْ نورَ، وسقطتا على خديها. "ولكنْ… ماذا يعني هذا يا سالم؟"
"يعني… يا نورُ،" قالَ سالمٌ، وشعرَ بأنَّ قلبَهُ يتمزقُ، "أنَّني لا أستطيعُ أنْ أكونَ معَكِ. لا أستطيعُ أنْ أجلبَ المشاكلَ إلى حياتِكِ، ولا أستطيعُ أنْ أجعلَ والدي يشعرُ بالظلمِ مرةً أخرى."
"ولكنْ… حبُّنا يا سالم؟" قالتْ نورُ بصوتٍ مختنقٍ، "ألمْ يكنْ حبُّنا حلالًا؟"
"كانَ حبُّنا حلالًا يا نورُ، ولكنْ… الظروفُ أقوى منَّا. والدُكِ يرفضُ، ووالدي يشعرُ بالألمِ. لا أستطيعُ أنْ أجبرَ أحدَهما."
كانتْ هذهِ الكلماتُ كالصاعقةِ على نورَ. لقدْ كانتْ تظنُّ أنَّ حبهما سينمو في رحابِ الحلالِ، ولكنهُ الآنَ، يتوقفُ عندَ حدودِ خلافاتِ الماضي. شعرتْ بأنَّ كلَّ شيءٍ قدْ انهارَ.
"إذاً… هلْ هذا هوَ الفراقُ يا سالم؟" سألتْ نورُ بصوتٍ يكادُ لا يُسمعُ.
نظرَ إليها سالمُ، ولمْ يستطعْ أنْ يجيبَ. لقدْ كانتْ عيناهُ تتحدثانِ بلغةِ الألمِ والخسارةِ.
"أتمنى لكِ كلَّ الخيرِ يا نورُ،" قالَ سالمٌ أخيرًا، وهوَ يقفُ، "وأتمنى أنْ تجديَ السعادةَ في حياتِكِ."
وقفتْ نورُ، والدموعُ تنهمرُ منْ عينَيْها. نظرتْ إلى سالمٍ، وشعرتْ بأنَّها تفقدُ جزءًا منْ روحِها. "وأنا أيضًا أتمنى لكَ كلَّ الخيرِ يا سالم."
وانصرفَ سالمٌ، تاركًا نورَ وحدَها في حديقةِ المكتبةِ، تحتَ ظلالِ الأشجارِ التي كانتْ شاهدةً على بدايةِ حبِهما. شعرتْ بأنَّ العالمَ قدْ أصبحَ مظلمًا، وبأنَّ كلَّ أحلامِها قدْ تبخرتْ.
عادتْ نورُ إلى منزلِها، وقلبُها ينزفُ. أخبرتْ والدتَها بما حدثَ، وكانتْ السيدةُ فاطمةُ تشعرُ بالحزنِ والألمِ لابنتِها.
"يا ابنتي،" قالتْ السيدةُ فاطمةُ، وهيَ تعانقُ ابنتَها، "هذا قضاءُ اللهِ وقدرُهُ. قدْ يكونُ هذا الأمرُ خيرًا لكِ في المستقبلِ. لا تعلمينَ ما يخبئهُ اللهُ لكِ."
قضتْ نورُ أيامًا في حزنٍ عميقٍ. كانتْ تشعرُ بفراغٍ كبيرٍ في حياتِها، وبوحدةٍ قاتلةٍ. كانتْ تتجنبُ الخروجَ منْ منزلِها، وتغرقُ في ذكرياتِها معَ سالمٍ.
في هذهِ الأثناءِ، كانَ سالمُ يعيشُ شعورًا مشابهًا. كانَ يشعرُ بالفراغِ، وبأنَّ حياتَهُ فقدتْ بعضَ معناها. لقدْ كانَ يحبُّ نورَ حبًا صادقًا، ولمْ يكنْ يتخلى عنها إلا اضطرارًا.
ولكنْ، في خضمِّ هذا الحزنِ، بدأَ بصيصٌ صغيرٌ منَ الأملِ يتسللُ إلى قلبِهِ. لقدْ كانَ يعلمُ أنَّهُ قدْ فعلَ ما يجبُ عليهِ فعلُهُ لحمايةِ عائلتِهِ، وللحفاظِ على مبادئِهِ.
مرَّتْ أسابيعٌ، وبدأتْ نورُ تشعرُ بأنَّ الألمَ بدأَ يخفُّ قليلًا. لمْ تنسَ سالمًا، ولمْ تنسَ حبَّهُ، ولكنَّها بدأتْ تفكرُ في مستقبلِها. لقدْ قررتْ أنْ تستمرَّ في حياتِها، وأنْ تب