حب الأوطان 153
وساطة الأهل وتقلبات القدر
بقلم سارة العمري
اتخذت المكالمة الهاتفية مع السيدة فاطمة طابعاً رسمياً فوراً، حينما أعلنت عن نيتها التدخل. كانت السيدة فاطمة، بشخصيتها القوية وخبرتها الواسعة في عالم الأعمال، تمتلك شبكة واسعة من العلاقات، وكانت كلمتها لها وزنها في الأوساط الاجتماعية والاقتصادية. استقبل السيد أحمد، والد نور، اتصالها بتردد ممزوج بالفضول. كانت السيدة فاطمة، وإن كانت صديقة قديمة للعائلة، إلا أن حديثها عادة ما كان يتم في إطار الزيارات الرسمية، ولم يتوقع منها أن تتصل به لمناقشة أمور شخصية بهذا القدر.
"السلام عليكم يا أبا الفضل،" بدأت السيدة فاطمة بصوتها الواثق، "آمل أن تكون بخير. لدي أمر جلل أردت أن أتحدث معك فيه مباشرة، أمر يتعلق ببنتك نور، وبابن السيد إبراهيم، فهد."
أدرك السيد أحمد أن الحديث لن يكون سهلاً. "وعليكم السلام ورحمة الله، أيتها السيدة الفاضلة. تفضلي، أنا في الاستماع. هل هناك ما يقلق نور؟"
"نور بخير، والحمد لله. ولكن، كما تعلم، فهد وعائلته يمرون ببعض الصعوبات المالية. وقد علمت أن السيد إبراهيم، وهو رجل عزيز علينا، قد اقترح زواج فهد من نور كحل لهذه الأزمة. وأنا أخشى يا أبا الفضل، أن تبدأ هذه العلاقة المباركة، التي أتمناها لكم، ببداية ليست على ما يرام."
تنهد السيد أحمد. "نعم، لقد تحدثت معي نور في هذا الأمر. وأنا رأيي من رأيكِ. لا يمكن أن نترك ابنتنا تتزوج من أجل المال."
"أتفهم موقفك تماماً،" قالت السيدة فاطمة، "ولكن، السيد إبراهيم رجل كريم، وفهد شاب ملتزم. وأنا أعتقد أنه يمكننا إيجاد حل آخر. لقد تحدثت مع بعض رجال الأعمال الذين أثق بهم، وهم مستعدون لتقديم مساعدة مالية لعائلة السيد إبراهيم، ولكن بشروط مختلفة."
"ما هي هذه الشروط؟" سأل السيد أحمد، بفضول حذر.
"سيكون الأمر على شكل قرض استثماري، أو شراكة استراتيجية في الشركة. بحيث لا يكون هناك أي ارتباط مباشر بالزواج. وفي المقابل، سيحصلون على حصة في الأرباح، أو سيسهمون في إعادة هيكلة الشركة. الأمر كله يتعلق بإعادة بناء الثقة في قدرة الشركة على الاستمرار."
"هذا يبدو حلاً منطقياً،" قال السيد أحمد، وقد بدأت علامات الارتياح تظهر على وجهه. "ولكن، هل سيكون السيد إبراهيم وعائلته مستعدين لقبول هذا الحل؟"
"سأتحدث مع السيد إبراهيم مباشرة، وسأوضح له الفرصة المتاحة. وأعتقد أنه، كونه رجلاً حكيماً، سيدرك أن هذا الحل هو الأفضل له ولعائلته، ولعلاقة ابنته بنور."
"إذاً، أنتِ ستتولين الأمر؟" سأل السيد أحمد، وقد شعر بأن العبء قد خف عنه قليلاً.
"بالتأكيد. وسأحرص على أن يكون كل شيء شفافاً وواضحاً. لن نسمح لأي شيء بأن يعكر صفو هذه العلاقة الطيبة."
بعد أن أنهت السيدة فاطمة مكالمتها مع السيد أحمد، اتصلت بالسيد إبراهيم. شرحت له الوضع، وأخبرته بعرض رجال الأعمال، مشددة على أن هذه الفرصة لا تتعلق بالزواج، بل هي فرصة حقيقية لإنقاذ الشركة.
كان السيد إبراهيم مستمعاً جيداً، وقد ظهر على وجهه ارتياح كبير. "أيتها السيدة فاطمة، أنتِ بالفعل كريمة، وعلاقتكِ الطيبة بعائلتنا محل تقدير كبير. أنا ممتن جداً لهذه المساعدة. وبالنسبة لزواج فهد من نور، فقد وضعتُ الأمور في نصابها الصحيح. لن نجعل من سعادة أبنائي ثمناً لأي شيء."
عادت نور إلى منزلها، وقد حملت معها أخباراً مطمئنة. أخبرت والدتها بكل ما جرى، وشعرت براحة كبيرة. بدا أن الأمور بدأت تأخذ منحى أفضل.
في المساء، وبينما كانت نور تجلس مع أسرتها، تلقت اتصالاً هاتفياً من فهد. كانت نبرة صوته مختلفة هذه المرة، تحمل مزيجاً من الفرح والقلق.
"نور،" قال، "لقد تحدث والدي مع السيدة فاطمة. وهي بالفعل عرضت حلاً لمشاكلنا المالية. ولكن... هناك أمر آخر أريد أن أخبركِ به."
"ما هو يا فهد؟" سألت نور، وقد شعرت ببعض القلق ينتابها مجدداً.
"والدي، وقد رأى بنفسه مدى التزامنا، ومدى حبكِ لي، وبعد أن تراجع عن فكرة الربط المباشر بين الزواج والمال، قرر أن يبدأ مرحلة جديدة من العمل. ولكنه، بسبب ظروفه الصحية، لن يستطيع أن يقود الشركة بنفسه. لذا، سيقوم بتعيين مدير عام جديد، و... يريد أن أكون أنا هذا المدير."
اتسعت عينا نور. "أنت؟ ولكن، هذا يعني مسؤولية كبيرة جداً."
"أعلم. ولكن، هذه هي الفرصة التي انتظرها. فرصة لإثبات قدرتي، ولإعادة بناء سمعة الشركة. ولكن، هذا يعني أيضاً أنني سأكون مشغولاً جداً في الفترة القادمة. وقد أحتاج إلى الكثير من الدعم منكِ."
"بالطبع يا فهد. سأكون بجانبك دائماً. وأنا واثقة بك، وبقدرتك."
"شكراً لكِ يا نور. أنا أحبكِ."
"وأنا أحبكِ أكثر."
مرت الأيام، وبدأت الأمور تأخذ مسارها الصحيح. بدأت السيدة فاطمة بتنفيذ خطتها، بالتشاور مع والد نور، ومع السيد إبراهيم. تم توقيع الاتفاقيات، وبدأت الشركة في استعادة نشاطها.
ولكن، في خضم هذه التطورات الإيجابية، كان هناك شيء ما يثير قلق نور. كانت تشعر بأن هناك بعض الأمور لم تُكشف بعد. كانت تتذكر بعض الكلمات التي قالها فهد عن والده، وكيف أنه كان دائماً يبحث عن "الاستثمار الأمثل" في كل شيء. هل كان قرار تعيين فهد مديراً عاماً مجرد خطوة لتنفيذ خطة أكبر؟
وفي أحد الأيام، وبينما كانت نور تتصفح بعض الأوراق القديمة التي وجدتها في غرفة والدتها، لفت نظرها دفتر ملاحظات قديم. فتحته، لتجد فيه بعض الرسائل المتبادلة بين والدتها، وبين سيدة تدعى "أم علي". كانت الرسائل تتحدث عن "صفقة كبيرة"، وعن "تسهيل أمر الزواج"، وعن "الاستفادة من الظروف".
شعرت نور بالدوار. هل كانت والدتها، السيدة عائشة، متورطة في هذه الصفقة؟ هل كانت هي من دفع باتجاه هذا الاقتراح؟
قررت نور أن تواجه والدتها. جلست معها في هدوء، وعرضت عليها الدفتر.
"أمي،" قالت نور، بصوت متوتر، "ما معنى هذه الرسائل