الفصل 19 / 25

حب الأوطان 153

رياح التغيير العاتية

بقلم سارة العمري

كانت الأمسية قد انسدلت بسكون وهدوء يخمان أرجاء قصر الحاج رضوان، تتخللهما فقط همسات النسيم العليل المتسلل عبر النوافذ المفتوحة. جلست ليلى على شرفة غرفتها، تحدق في سماء تتزين بنجوم تكاد تلامس الأرض، وقلبها يرتجف كجناح طائر مذعور. لم يعد السكون يبعث في نفسها الطمأنينة، بل بات يجسد فراغاً عميقاً، صدى لغيابٍ ترك ندبة لا تمحى. منذ لقائهما الأخير، ومنذ كلماته التي ظلت ترن في أذنيها كأصداء لحنٍ حزين، شعرت أن ثمة جداراً سميكاً قد انحنى بينها وبين خالد. لم تكن تعرف سبباً واضحاً لهذا الجفاء، لكن شعوراً غامضاً بالضيق والترقب قد استقر في أعماقها، يهمس لها بأن الأمور ليست على ما يرام.

كان الحاج رضوان، والدها، قد خرج قبل غروب الشمس لحضور مجلسٍ مع كبار أهل البلدة، تاركاً ليلى تحت رعاية أمها التي كانت منشغلة في إعداد ضيافةٍ لسيدتين من الأقارب قد وصلتا في وقتٍ سابق. دخلت أمها الغرفة، وبدت على وجهها علامات القلق المعتاد. "ليلى حبيبتي، ألم تنتهي بعد من القراءة؟ لقد تأخر الوقت."

تنهدت ليلى، وأغلقت كتابها الورع. "كنت فقط أتأمل النجوم يا أمي. أشعر أن ثمة شيئاً سيحدث."

ابتسمت الأم ابتسامة باهتة، اقتربت منها وجلست بجانبها. "وما الذي يجعلك تشعرين بذلك يا ابنتي؟ هل هناك ما يقلقك؟"

كانت ليلى ترددت كثيراً قبل أن تبوح بما يدور في خلدها. لم تكن تريد أن تقلق والدتها، لكن الضغط الداخلي كان لا يحتمل. "خالد يا أمي. منذ أيام، وهو مختلف. لا يرد على رسائلي كما اعتاد، وحتى حين نتقابل، تبدو كلماته مختارة بعناية، تخلو من تلك الروح المرحة التي أحبها."

أمسكت الأم بيد ليلى، وضغطت عليها بلطف. "قلوب الرجال يا ابنتي ليست كقلوب النساء. ربما يمر بضغوطٍ في عمله، أو في حياته الخاصة. الرجل بطبيعته يحتفظ بما يقلقه لنفسه. لا تقلقي كثيراً. متى كان موعد لقائكما القادم؟"

"بعد غدٍ، إن شاء الله. في المقهى القديم." قالت ليلى، ثم سألت بحذر، "أمي، هل حدث شيءٌ أزعج خالداً؟ أو أزعج والدك؟"

نظرت الأم إلى ابنتها بعينين تحملان بعض الارتباك. "لا أذكر شيئاً كهذا. والدك كان في غاية السرور بعد زيارة خالد الأخيرة. قال إن الفتى يسير على الطريق الصحيح، وإنه أثبت جدارته. لماذا تسألين؟"

شعرت ليلى ببرودة تسري في عروقها. لقد أكد لها والدها قبل أسبوعين أن خالد قد اقترب من تحقيق كل ما وعد به، وأن زواجهما أصبح وشيكاً. كلمات أمها هذه، رغم أنها لا تنفي أي شيء، إلا أنها لم تكن مطمئنة. شعرت أن هناك ما يُحجب عنها، وأن هناك أحداثاً تتكشف خلف الكواليس.

في تلك اللحظة، سمعا صوت خطواتٍ متسارعة في الرواق، ثم اقتحمت عائشة، خادمة أمينة في القصر، الغرفة وهي تلهث. "يا سيدتي، يا سيدتي، الحاج رضوان في خطر!"

انتفضت الأم واقفة، وقلبها يكاد يتوقف. "ماذا تقولين؟ كيف؟"

"لقد سمعت بعض الرجال يتحدثون بصوتٍ عالٍ في الخارج. قالوا إن الحاج تعرض لكمين، وإنه أصيب!" كانت عائشة تتحدث بصوتٍ مرتعش، وعيناها زائغتان.

لم تنتظر الأم، فهرعت خارج الغرفة، وليلى خلفها. توجهتا مباشرة إلى مدخل القصر، حيث كان الخدم يتجمعون في حالةٍ من الفوضى. سمعت ليلى همهماتٍ متفرقة، وكلماتٍ تتطاير في الهواء: "سلاح... عصابات... ديون..."

لم تفهم ليلى شيئاً مما تسمعه. والدها، الحاج رضوان، الرجل المهيب، الكريم، المعروف بأمانته وسداد رأيه، في خطر؟ هل يمكن أن يكون له أعداء؟ ومن هم هؤلاء الرجال الذين يتحدثون عن الديون والأسلحة؟

وسط هذه الفوضى، رأوا سيارةً تقترب بسرعة، ثم تتوقف أمام المدخل. نزل منها رجلٌ يرتدي ملابس رسمية، برفقة رجلين آخرين. كان الرجل الرسمي يرتدي عمامةً سوداء، ووجهه يعكس جديةً وقسوة. توجه مباشرة نحو والدة ليلى.

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أنا الشرطي فهد. أتيت لأبلغكم أن الحاج رضوان قد تعرض لإصابةٍ بليغة، وهو الآن في المستشفى. تعرض لكمينٍ غادر أثناء عودته من مجلسه. يبدو أن هناك قضايا مالية معقدة وراء هذا الحادث."

شعرت ليلى بأن ساقيها لا تحملانها. والدموع قد بدأت تتجمع في عينيها. إصابة؟ قضايا مالية؟ هل هذا ما كانت تشعر به من قلق؟ هل كانت غريزتها تحذرها من عاصفةٍ وشيكة؟

"هل يمكنني رؤيته؟" سألت أمها بصوتٍ مخنوق.

"في الوقت الحالي، حالته حرجة، لكن يمكنكم زيارته غداً صباحاً. نرجو منكم التعاون معنا في التحقيق. هل كان للحاج أعداء؟ هل كان على خلافٍ مع أحد؟"

انحنت الأم، ووضعت يدها على صدرها. "لا أعلم شيئاً. زوجي لم يذكر لي شيئاً عن خلافاتٍ أو أعداء. كان دائماً رجلاً مسالماً."

نظر الشرطي فهد إليها بعينين فيهما بعض الشك. "حسناً. سنتواصل معكم. وأرجو أن تفكروا جيداً. هذه القضايا المالية قد تكون معقدة جداً."

بعد أن غادر الشرطي ورجاله، عادت ليلى إلى غرفتها، وقلبها يعتصر ألماً. جلس بجانبها، وجلس خالد، الذي جاء مسرعاً حين سمع الخبر. لم يكن وجهه يعكس المفاجأة كما كان متوقعاً. بل بدا هادئاً، بل هادئاً بشكلٍ غريب.

"ليلى، يجب أن نكون أقوياء. والدك رجلٌ قوي، وسيتجاوز هذه المحنة بإذن الله." قال خالد بصوتٍ بدا هادئاً، لكنه كان خالياً من التعاطف المعتاد.

نظرت ليلى إليه، وشعرت بأن هناك شيئاً غريباً في رد فعله. "خالد، هل أنت بخير؟ أنت تبدو..."

قاطعها خالد بنبرةٍ جادة. "أنا بخير. لكن علينا أن نكون مستعدين. هذه الأمور قد تتطور."

"ماذا تقصد؟" سألت ليلى، وشعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها.

"أقصد أن قضايا الحاج رضوان المالية قد تكون أكبر مما نتصور. وقد تكون لها تداعياتٌ علينا جميعاً."

تجاهلت ليلى كلامه للحظة، وركزت على تعابير وجهه. كان هناك شيءٌ ما في عينيه، بريقٌ غريب، وكأنما كان يعرف أكثر مما يقول. "خالد، هل أنت متأكد أنك لا تعرف شيئاً؟ هل والدك لم يذكر لك شيئاً؟"

تصلب وجه خالد للحظة. "والدي؟ ما علاقة والدي بهذا؟"

"مجرد سؤال. بما أنك كنت قريباً من الحاج رضوان، ظننت أن ربما تحدثتما."

"لم نتحدث عن أمور الحاج رضوان الخاصة." قال خالد ببرود، ثم أضاف، "ولكن، ليلى، هناك شيءٌ مهم يجب أن تعرفيه. أرسل إليّ الحاج رضوان رسالةً قبل أيام، قبل هذا الحادث. طلب مني فيها أن أكون مستعداً. قال إن هناك ما سيغير مجرى الأمور. لم أفهم تماماً حينها، ولكن الآن..."

"رسالة؟ ما هي هذه الرسالة؟" سألت ليلى بلهفة.

"لم يفصح عن تفاصيلها. لكنه قال لي أن أعتني بك، وأن أكون سندك. وذكر فيها اسم رجلٍ لم أسمع به من قبل، يدعى 'الباشا'."

"الباشا؟" تكررت ليلى الاسم. لم تسمع به من قبل.

"نعم. ثم قال لي أن ألتقي به في مكانٍ سري، وأعطيه شيئاً. لم يذكر ما هو هذا الشيء. ولكنني لم أتمكن من لقائه. ثم حدث هذا."

شعرت ليلى بأن العالم يدور بها. والدها في المستشفى، متهمٌ بقضايا مالية، ويتحدث عن "الباشا"، ويترك رسالةً لخالد. كل هذه الأحداث المتتالية بدت كأنها تتشابك لتشكل لوحةً سوداوية.

"خالد، لماذا لم تخبرني بهذه الرسالة من قبل؟" سألت ليلى، والصوت بالكاد يخرج منها.

"لم أكن أعرف كيف أبدأ. كنت أنتظر الوقت المناسب. ولكن الآن، مع ما حدث، أعتقد أن الوقت قد حان." قال خالد، ثم نظر إليها بعمق. "ليلى، أنا قلقٌ عليك. وقلقٌ على والدك. ولكن يجب أن نكون حذرين. ربما هناك من يخطط لأمورٍ سيئة. وربما يكون هذا 'الباشا' هو مفتاح الحل، أو مفتاح المشكلة."

جلست ليلى بصمت، تحاول استيعاب كل ما سمعته. لم تعد تشعر بالسكون المريح، بل بزئير رياحٍ عاتية تحمل معها تغييراً لا تعرف وجهته. شعرت بأنها قد وصلت إلى نقطة اللاعودة، وأن حياتها، وحياة عائلتها، على وشك أن تنقلب رأساً على عقب. لقد بدأت تلويحة العاصفة، وبات عليها أن تستعد لمواجهتها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%