الفصل 2 / 25

حب الأوطان 153

نسماتٌ تحمل عبق الشام

بقلم سارة العمري

بعد أيامٍ قليلةٍ من جلسة الخطوبة العائلية، انغمست ناهد في عالمٍ جديدٍ، عالمٍ لم تكن تتوقعه تمامًا. كان عالمًا يتسع ليشمل تفاصيل حياة أحمد، اهتماماته، وطموحاته. كان أحمد، الشاب المهندس الطموح، يعمل في مشروعٍ كبيرٍ يربط بين مصر والشام، مشروعٍ يهدف إلى تعزيز الروابط التجارية والثقافية بين البلدين الشقيقين.

كانت محادثاتهما الأولى، عبر الهاتف، في بدايتها قصيرةً ومقتضبة، تتسم بالاحترام المتبادل والحذر. لكن مع مرور الوقت، وبفضل الحرية التي منحها لهم الشرع قبل بدء الزواج، بدأت الكلمات تتدفق، لتكشف عن عمقٍ لم تتوقعه ناهد. كان أحمد يتحدث بشغفٍ عن بلاد الشام، عن تاريخها العريق، عن شعبها المضياف، عن عبق التاريخ الذي يملأ شوارعها.

"أتدرين يا ناهد،" قال أحمد ذات مساءٍ، وصوته يحمل نبرةً حالمة. "كلما زرتُ دمشق، أشعر وكأنني أرجع بالزمن مئات السنين. الحارات القديمة، الأسواق التي ما زالت تحتفظ بعبق الماضي، المساجد التي يتردد فيها صدى الآذان عبر العصور... كل هذا يجعلني أشعر بالانتماء، وبالفخر."

"أنا لم أزر الشام من قبل،" قالت ناهد بصوتٍ فيه فضولٌ ورغبة. "لكنني لطالما أحببتُ قصصها، سمعتُ عن جمالها، وعن دفء أهلها."

"ستحبينها أكثر عندما ترينها بنفسك،" رد أحمد بحماس. "وهذا ما أتمناه. أريدكِ أن تزوري دمشق معي، أن ترينها بعينيكِ، وأن تشعري بنفس الإحساس الذي أشعر به."

كانت دعوةً مفاجئةً، لكنها لم تكن مستحيلة. كان أحمد يخطط لرحلةٍ عملٍ قريبة إلى دمشق، وكان يرى في اصطحاب ناهد معه فرصةً لتعميق معرفتهما ببعضهما البعض، ولإعطائها لمحةً عن عالمه المهني والشخصي.

"لكن، هل هذا ممكن؟" تساءلت ناهد، وهي تفكر في تفاصيل الترتيبات.

"بالطبع،" أجاب أحمد بثقة. "ستكون رحلةً قصيرة، سنقيم فيها في فندقٍ محترم، وسنلتزم بجميع الآداب والأعراف. سأحرص على أن تكوني في أفضل حال، وأن تقضي وقتًا ممتعًا."

شعرت ناهد بشيءٍ من التردد، لكن رغبتها في رؤية الشام، وفي قضاء وقتٍ أطول مع أحمد، كانت أقوى. كانت تحاول أن تجد في عيني أحمد وعدًا بالاحترام والالتزام، وكانت تجده. كان يتحدث عن الأمر بجديةٍ، وبمسؤوليةٍ واضحة.

"سأكلم جدتي،" قالت ناهد. "وسأخبرها بالأمر."

"أنا سأتحدث مع عمك إبراهيم،" قال أحمد. "لن أتخذ أي خطوةٍ دون موافقة الجميع."

كانت هذه هي البداية. بدأت ناهد في التعرف على عالم أحمد المهني، عالمٌ كان يشمل قضايا تتجاوز حدود مصر، لتصل إلى قلب الشرق الأوسط. كان يتحدث عن التحديات التي يواجهها المشروع، عن أهميته الاستراتيجية، وعن الآمال المعقودة عليه. كان يتحدث بشغفٍ، وبحكمةٍ، وبإيمانٍ حقيقيٍ بما يقوم به.

"نحن لسنا مجرد مهندسين أو رجال أعمال،" قال أحمد في إحدى مكالماتهما. "نحن بناةُ مستقبل. نعمل على ربط الشعوب، على تعزيز التفاهم، على بناء جسورٍ من الثقة بدلاً من الجدران."

تأثرت ناهد بكلماته. كانت ترى في أحمد أكثر من مجرد رجلٍ سيشاركها حياتها، بل كانت ترى فيه رفيقًا، وشريكًا، وقائدًا. كانت تشعر بأنها تتعلم منه كل يوم، وأنها تنمو معه.

في تلك الأثناء، كانت الحاجة عائشة تراقب تطور العلاقة بين ناهد وأحمد بعينٍ فاحصة. كانت ترى في أحمد الشاب المناسب لحفيدتها، شابٌ يحمل الدين والخلق، ويقدر العائلة. لكنها كانت أيضًا تراقب ناهد، ورأت فيها سعادةً غامرة، ورغبةً في الاستكشاف، وفي بناء حياةٍ جديدة.

"الشام بلدٌ مبارك، يا ناهد،" قالت الحاجة عائشة ذات يوم، وهي تحتسي كوبًا من اليانسون. "ورحلتكِ مع أحمد ستكون بدايةً لحياةٍ مليئةٍ بالخبرات. فقط كوني حذرة، وحافظي على حجابكِ، وعلى قيمكِ."

"لا تقلقي يا جدتي،" قالت ناهد بابتسامةٍ مطمئنة. "سأكون دائمًا ابنتكِ المطيعة."

كانت ناهد تشعر بتغيرٍ عميقٍ داخلها. لم تعد الفتاة التي تقضي أيامها بين الكتب ومساعدة عائلتها. لقد أصبحت امرأةً تستعد لبناء أسرتها، وتشارك في بناء وطنها. كانت ترى في أحمد شريكًا لهذه الرحلة، رجلًا يحمل رؤيةً، وطموحًا، وقلبًا ينبض بالحب.

جاء يوم السفر. كان أحمد قد استأجر سيارةً خاصةً، ورتب كل شيء. كانت ناهد قد جهزت حقائبها، وقلبها يمتزج فيه الخوف بالشوق. عندما رأته عند باب البيت، كان يرتدي ثوبًا أنيقًا، وعلى وجهه ابتسامةٌ دافئة.

"هل أنتِ مستعدة؟" سألها.

"مستعدة،" أجابت ناهد، وشعرت بأنها مستعدةٌ لكل شيء.

انطلقا إلى المطار، حيث كانت تنتظرهما رحلةٌ إلى بلدٍ قريب، بلدٍ سيفتح لهما آفاقًا جديدة، ويزيد من عمق العلاقة بينهما. كانت القاهرة تلوح في الأفق، مدينةٌ احتضنت قصتهما في بدايتها، وستظل شاهدةً على تطورها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%