حب الأوطان 153
أسرار الماضي المدفونة
بقلم سارة العمري
استيقظت ليلى في صباح اليوم التالي على وقع صرخاتٍ مكبوتةٍ في الخارج، تداخلت مع صوت المؤذن وهو يدعو إلى صلاة الفجر. ألقت نظرةً سريعةً على الساعة، فعلمت أن الوقت قد تأخر قليلاً عن موعدها المعتاد. لكن الصخب المستمر دفعها إلى النهوض من فراشها. تساءلت في سرها عما يحدث، وهل كان حادث والدها مجرد البداية؟
فتحت باب غرفتها بحذر، لتجد أمها تقف في الرواق، تتحدث بصوتٍ مرتفعٍ مع رجلٍ لا تعرفه. كان الرجل يبدو عليه الوقار، ويرتدي ملابس فاخرة، لكن وجهه كان عبوساً.
"يا أمي، ما الذي يحدث؟" سألت ليلى، متجهةً نحوها.
التفتت الأم إليها، وعيناها حمراوان من السهر والبكاء. "ليلى، هذا السيد خالد. جاء لزيارتنا. وهو يحمل أخباراً مهمة."
اقترب خالد منها، وقال بصوتٍ خافت، "صباح الخير يا ليلى. أرجو أن تكوني قد استريحتِ قليلاً. الأحوال ليست على ما يرام."
"ماذا هناك؟ هل من أخبارٍ عن والدي؟" سألت ليلى بقلق.
"لا، لم نتلق أي جديد. ولكن هذا السيد، السيد سليم، هو صديقٌ قديمٌ للوالد. وقد جاء ليطمئن علينا. ولكنه يحمل معه ما قد يساعدنا في فهم ما يحدث."
قدمت ليلى السلام على السيد سليم، الذي رد عليها بابتسامةٍ مرهقة. "ليلى، ابنتي. خبر إصابة الحاج رضوان كان صدمةً لي. لم أتوقع أبداً أن يقع في مثل هذا الموقف. لقد كنت في رحلةٍ عملٍ خارج البلاد، وعدت فور سماعي الخبر."
"هل تعرف شيئاً يا سيدي؟ هل تعرف من قد يفعل هذا به؟" سألت ليلى، وهي ترى في عينيه بصيص أمل.
تنهد السيد سليم، وجلس على أحد الكراسي. "الحاج رضوان رجلٌ طيبٌ ونقي، ولكن أحياناً طيبته تجعله عرضةً للأخطار. أعتقد أن الأمر يتعلق بقضايا قديمة."
"قضايا قديمة؟" كررت ليلى، تتذكر حديث خالد عن رسالة والدها.
"نعم. قبل سنواتٍ عديدة، حين كان الحاج رضوان شاباً، كان له شريكٌ في تجارةٍ واسعة. كانا معاً في بداياتهما، يخططان للمستقبل. لكن الأمور لم تسر كما كانا يتمنيان. حدث خلافٌ كبيرٌ بينهما، وترك الحاج رضوان هذه الشراكة، وبدأ من جديد. وقد ظن الجميع أن هذه المشكلة قد انتهت، وأن آثارها قد زالت."
"وهل يمكن أن يكون هذا الشريك هو من يقف وراء الهجوم؟" سألت ليلى، وتشعر بأن خيوط المؤامرة بدأت تتكشف.
"هذا ما أخشاه. اسمه كان 'كمال'. رجلٌ طموحٌ جداً، ولا يترك شيئاً حتى يناله. بعد أن انفصل عن الحاج رضوان، اختفى عن الأنظار لبعض الوقت. لم نسمع عنه شيئاً لسنوات. لكن سمعت مؤخراً همساتٍ عن عودته، وعن نيته استعادة ما يعتقد أنه حقه."
"وماذا عن 'الباشا' الذي ذكره الحاج رضوان في رسالته لخالد؟" سألت ليلى، تنتظر رداً.
نظر السيد سليم إلى خالد. "الباشا؟ لم أسمع بهذا الاسم مرتبطاً بكمال. ربما يكون اسماً مستعاراً، أو شخصاً آخر له علاقة بكمال. الحاج رضوان لم يذكر لي شيئاً عن هذا الاسم."
شعر خالد ببعض الإحباط. "لقد قال الحاج في رسالته إن الباشا هو من سيساعدني في استلام شيءٍ ثمين. شيءٌ سيحميه، ويحميني."
"شيءٌ ثمين؟" تكرر السيد سليم. "لم يذكر لي الحاج شيئاً عن هذا. ولكن، تذكرت الآن، قبل سنواتٍ عديدة، حين كان الحاج وكمال في شراكة، كان لديهما صندوقٌ سريٌ يحتوي على وثائقَ هامةٍ تخص تجارتهما، وربما بعض الأسرار العائلية. لم أره منذ ذلك الحين. هل يمكن أن يكون هذا هو الشيء الثمين؟"
"وصندوقٌ سريٌ؟" سألت ليلى، وتشعر بأنها تقترب من الحقيقة. "وأين هذا الصندوق؟"
"لا أعلم. لقد اختفى الحاج رضوان نفسه مع هذا الصندوق بعد خلافه مع كمال. قال إنه وضعه في مكانٍ آمنٍ جداً، لن يصل إليه أحد. كان يقول إن هذا الصندوق يمثل مفتاح المستقبل، وأن من يملكه يملك القوة."
"هل يمكن أن يكون الحاج رضوان قد اختبأ هو نفسه مع الصندوق؟" سألت ليلى، وهي تنظر إلى أمها.
"لا أظن ذلك. لقد كان دائماً رجلاً جريئاً، لا يختبئ من مشاكله. بل يواجهها." قالت الأم.
"ولكن، إذا كان كمال وراء الهجوم، فهذا يعني أن لديه سبباً قوياً. ربما يبحث عن هذا الصندوق. وربما يعتقد أن الحاج رضوان لديه." قال خالد، ثم نظر إلى ليلى. "وأنا أعتقد أن الحاج رضوان لم يكن مجرد رجل أعمال، بل كان لديه اهتماماتٌ أخرى. ربما كان لديه بعض المعارف في دوائرٍ عالية، وقد يكون 'الباشا' أحدهم."
"وإذا كان الأمر كذلك، فيجب أن نجد هذا الصندوق قبل كمال." قال السيد سليم بحزم. "يجب أن نعرف ما بداخله، ولماذا هو بهذه الأهمية. الحاج رضوان لم يكن يترك الأمور للصدفة. ولابد أن يكون قد ترك دليلاً ما."
"ولكن كيف نبدأ؟" سألت ليلى، تشعر بأن الحمل ثقيلٌ عليها.
"رسالة الحاج رضوان لخالد هي بداية جيدة." قال السيد سليم. "ذكرت اسم 'الباشا'، وضرورة إعطائه شيئاً. ربما علينا أن نبحث عن الباشا. وأن نفهم ما هو هذا الشيء الذي كان الحاج يريد إعطاءه له."
"ولكن كيف نجد الباشا؟" سأل خالد. "لا نعرف عنه شيئاً."
"هنا يأتي دورنا." قال السيد سليم. "سأتواصل مع بعض معارفي في الدوائر القديمة، ربما أجد من يعرف شيئاً عن هذا الباشا. الحاج رضوان كانت له شبكةٌ واسعةٌ من العلاقات، حتى قبل أن يلتقي بكمال. ربما كان لديه أسرارٌ لم يشاركها حتى مع زوجته."
نظرت ليلى إلى والدتها، التي كانت تبدو شاحبةً وعاجزة. شعرت بأنها هي، وحدها، التي يجب أن تتحمل هذه المسؤولية. والدها في خطر، وعائلتها في ضياع.
"أنا سأساعد. سأبحث في أوراق والدي. ربما أجد شيئاً." قالت ليلى بحزم.
"جيدٌ جداً." قال السيد سليم. "ولكن يجب أن نكون حذرين. كمال رجلٌ خطير، ولا يمكننا أن نثق بأحد. علينا أن نعمل في الظل، وأن نحافظ على أسرارنا."
"وماذا عن خالد؟" سألت ليلى. "رسالته من الحاج رضوان..."
"رسالة الحاج لخالد هي المفتاح." قال السيد سليم. "علينا أن نفهم ما أراد الحاج من خالد أن يفعله. وما هو الشيء الثمين الذي كان سيستلمه. ربما يكون هذا الشيء هو نفسه الصندوق السري، أو جزءٌ منه."
شعر خالد بصمتٍ طويل. "لقد ذكر الحاج في رسالته شيئاً عن 'عهودٍ قديمة'. وقال إن الوقت قد حان لتنفيذها."
"عهودٌ قديمة؟" تكرر السيد سليم. "هذا يضعنا أمام احتمالاتٍ كثيرة. هل كانت هذه الشراكة مع كمال مبنيةً على شيءٍ أعمق من مجرد تجارة؟"
"لا أعلم. ولكن إذا كان كمال يلاحق الحاج رضوان، فهذا يعني أن هذه العهود، وهذا الصندوق، لهما قيمةٌ كبيرةٌ جداً. قيمةٌ قد تصل إلى حد إزهاق الأرواح." قال خالد، وعيناه تشعان بتصميمٍ جديد.
انتهت الجلسة، وترك السيد سليم وليلى وخالد في حالةٍ من الترقب والغموض. بدت الألغاز تتكدس، والأسرار تتوالى. شعرت ليلى بأنها قد اقتحمت عالماً لم تكن تتخيله، عالماً تسكنه الأحقاد القديمة، والأسرار المدفونة، والمطامع التي لا تعرف حدوداً. كان عليها أن تقاتل، لا فقط من أجل والدها، بل من أجل مستقبلها، ومن أجل الحقيقة.