الفصل 3 / 25

حب الأوطان 153

ظلالٌ تتسلل إلى قلب دمشق

بقلم سارة العمري

كانت دمشق تستقبلهم بعبق الياسمين ودفء أهلها. شوارعها القديمة، بأسواقها النابضة بالحياة، ومساجدها التاريخية، كانت تحكي قصصًا لا تنتهي. أحمد، كعادته، كان دليلها الأمين، يشرح لها تاريخ كل زاوية، ويروي لها قصص الأجداد.

"هذا هو سوق الحميدية،" قال أحمد وهو يقودها عبر الممر الواسع الذي تغطيه الأعمدة الحجرية. "هنا تشعر بنبض دمشق الحقيقي. رائحة البهارات، وصوت الحرفيين، وزحام الناس... كل هذا يجعلك تشعر بالحياة."

كانت ناهد تتأمل كل شيء بعينين واسعتين، تلمس بيديها الأقمشة المطرزة، وتستنشق عبير العطور الشرقية. شعرت بأنها في عالمٍ آخر، عالمٌ ساحرٌ، يجمع بين الأصالة والتاريخ.

"هل ترين تلك القبة؟" أشار أحمد إلى قبةٍ ذهبيةٍ لامعةٍ تتوسط الساحة. "هذا هو المسجد الأموي الكبير. إنه من أقدم وأعظم المساجد في العالم."

قضوا الأيام الأولى في استكشاف المدينة. تناولوا الطعام في مطاعمٍ تقليدية، وتذوقوا أطباقًا شاميةً شهية، وتبادلوا الأحاديث في المقاهي التاريخية. كانت الأجواء رائعة، مليئةً بالبهجة والسعادة.

لكن، وسط هذه السعادة، بدأت تظهر بعض الظلال الخفيفة، ظلالٌ لم تكن ناهد تتوقعها. في إحدى الأمسيات، وبينما كانوا يتناولون العشاء في مطعمٍ راقٍ، اقترب منهم شابٌ، بدا عليه الثراء والتباهي، وبدأ يتحدث مع أحمد بلهجةٍ ودودةٍ، لكنها كانت تحمل نوعًا من التملق.

"أهلاً أستاذ أحمد،" قال الشاب بابتسامةٍ عريضة. "لقد سمعتُ عن مشروعكم، وهو مشروعٌ عظيمٌ بالفعل. لكن، هل لي أن أقول شيئًا؟"

"تفضل،" أجاب أحمد ببرودٍ نسبي.

"أرى أن تركيزكم الأساسي هو على الجانب التجاري،" تابع الشاب. "وهذا أمرٌ جيد. لكن، هل فكرتم في الجانب الآخر؟ الجانب الذي يعزز الترفيه، والترفيه الراقي؟"

نظرت ناهد إلى أحمد، وشعرت بتغيرٍ طفيفٍ في ملامحه. كان يبدو عليه الانزعاج.

"ماذا تقصد بالترفيه الراقي؟" سأل أحمد بهدوء.

"أقصد،" قال الشاب بنبرةٍ فيها تحدٍ، "أن نجلب لكم حفلاتٍ فنية، ومغنين مشهورين، وربما حتى راقصات. هذه الأمور تزيد من جاذبية المشروع، وتجذب فئاتٍ أخرى من الناس."

انفعلت ناهد داخليًا. هل يتحدث هذا الشاب بجدية؟ كيف يمكن لمشروعٍ يحمل قيمًا نبيلة، أن يقترن بمثل هذه الأمور؟

"أعتذر،" قال أحمد بصوتٍ حاسم. "مشروعنا له أهدافٌ نبيلة، ولا يتماشى مع هذه الأفكار. نحن نعمل على تعزيز الروابط الثقافية، وليس على نشر الفساد."

نظر الشاب إلى أحمد بابتسامةٍ ساخرة. "يبدو أنك رجلٌ تقليديٌ جدًا، يا أستاذ أحمد. العالم يتغير، وعلينا أن نتغير معه. وإلا، سنظل متخلفين."

استدار الشاب وغادر، تاركًا خلفه جوًا من التوتر.

"من هذا؟" سألت ناهد بفضول.

"مجرد شخصٍ يسعى وراء المال بأي ثمن،" أجاب أحمد بضيق. "لا تقلقي، لا يمثلني أو يمثل أيًا من زملائي."

لكن هذا الموقف ترك في نفس ناهد شعورًا بالريبة. هل كانت هناك أطرافٌ أخرى تحاول التأثير على أحمد، وتوجيهه في اتجاهاتٍ لا تتفق مع مبادئه؟

في اليوم التالي، وبينما كان أحمد منشغلًا باجتماعٍ مع شركائه، قررت ناهد أن تستكشف المدينة بمفردها، مستغلةً فرصةً للقاء ببعض السيدات في أحد المراكز الثقافية الإسلامية التي كانت قد سمعت عنها.

كانت تلك المراكز تعج بالحياة، تلتقي فيها النساء لمناقشة قضايا الدين، والثقافة، والمجتمع. وجدت ناهد في حديثها معهن روحًا طيبةً، وحكمةً عميقة. تحدثت معهن عن أحلامها، وعن خططها المستقبلية.

"الزواج رحلةٌ مباركة، يا ابنتي،" قالت لها إحدى السيدات، سيدةٌ متدينةٌ، ذات وجهٍ بشوش. "لكنه رحلةٌ تحتاج إلى صبرٍ، وتفهم، ودعمٍ متبادل. ستواجهين تحدياتٍ، وهذا طبيعي. المهم هو كيف تتعاملين معها."

"هل تعرفين شيئًا عن عالم الأعمال، وعن الضغوط التي قد يتعرض لها الرجال؟" سألت ناهد بفضول.

ابتسمت السيدة. "أعرف الكثير. الرجال أحيانًا يقعون تحت تأثير رفقاء السوء، أو يجدون أنفسهم في مواقف تتطلب منهم الاختيار بين ما هو صحيح وما هو مربح. عليكِ أن تكوني سنده، وأن تذكريه دائمًا بقيمه ومبادئه."

عادت ناهد إلى الفندق، وقلبها محمّلٌ ببعض الهموم، لكنها كانت تشعر بأنها حصلت على بعض التوجيهات. لقد أدركت أن رحلتها مع أحمد لن تكون مجرد رحلةٍ رومانسية، بل ستكون رحلةً تتطلب منها القوة، والحكمة، والتفهم.

في المساء، عندما عاد أحمد، بدت عليه علامات الإرهاق.

"هل كان الاجتماع صعبًا؟" سألت ناهد بحنان.

"بعض الشيء،" قال أحمد وهو يجلس بجانبها. "هناك بعض الأصوات التي تحاول حرف المشروع عن مساره. يريدون استغلاله في أغراضٍ لا تخدم الهدف الأساسي."

"أتذكر ما قلته لي عن الحفلات والغناء؟" قالت ناهد بهدوء.

"نعم،" أجاب أحمد بضيق. "هؤلاء هم. يريدون تحويل المشروع إلى مساحةٍ للفساد. لكني قاومت. لن أسمح بذلك."

نظرت ناهد إلى عينيه، ولمحت فيهما صدقًا وإصرارًا. "أنا معك، يا أحمد. أنا معك في كل قرارٍ تتخذه، طالما أنه يتماشى مع مبادئنا."

لمعت عينا أحمد بامتنان. "شكرًا لكِ يا ناهد. وجودكِ هنا، يشجعني كثيرًا."

في تلك اللحظة، شعرت ناهد بأنها قد وجدت طريقها. لم تكن مجرد خطيبةٍ ترافق خطيبها في رحلة، بل كانت شريكةً حقيقيةً، مستعدةً لمواجهة التحديات معه. كانت تدرك أن الظلال قد بدأت تتسلل إلى قلب دمشق، لكنها كانت على يقينٍ بأن حبها، وحبه، سيكون نورًا يضيء دربهما.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%