حب الأوطان 153
أغواء السراب
بقلم سارة العمري
كانت سارة تشعر بثقلٍ غريبٍ يلفّ صدرها، شعورٌ أقرب إلى قلقٍ مبهمٍ يراودها بين الحين والآخر، لا تستطيع تحديد مصدره، لكنه ينمو ويتضخم مع كل يومٍ يمر. لم تكن أيامها الماضية سوى صفحاتٍ باهتةٍ في كتاب حياتها، لكنّ لقاءها بالسيد فواز قد أضاء شعلةً داخلها، شعلةٌ كانت تخشى أن تنطفئ في برد الواقع. كان حديثه معها حينها، عن طموحاته، عن رؤيته المستقبلية، وعن تقديره العميق لعائلتها وللأخلاق التي تربت عليها، كل ذلك كان أشبه بماءٍ باردٍ على روحٍ ظمأى.
لكنّ هذا الظماء، الذي كان يغذي أحلامها، بدأ يتشعب إلى ما يشبه الإدمان. لم تعد تركز في عملها كالسابق، تغيب أفكارها كثيراً، وتجد نفسها تسرح بخيالها إلى عوالم نسجتها من خيوط أملٍ رفيعة. كانت تعود إلى المنزل مرهقة، لا تشكو تعباً جسدياً، بل إرهاقاً نفسياً ناتجاً عن صراعٍ داخليٍّ خفي. تتجنب النظر إلى والديها في بعض الأحيان، تخشى أن يقرأا في عينيها ما لا تستطيع هي نفسها فهمه تماماً.
في إحدى الأمسيات، بينما كانت تجلس مع والدتها في الشرفة، يتسلل نسيمٌ عليلٌ يحمل معه رائحة الياسمين، سألتها والدتها بنبرةٍ حانية: "ما بالك يا ابنتي؟ أراكِ شاردة الذهن كثيراً هذه الأيام. هل هناك ما يكدر خاطرك؟"
ارتبكت سارة للحظة، ثم حاولت التظاهر باللامبالاة: "لا شيء يا أمي، مجرد بعض ضغوط العمل."
ابتسمت الأم ابتسامةً خفيفةً، علمت أن ابنتها لا تقول كل ما في جعبتها، لكنها قررت أن لا تضغط عليها. "الحياة تحمل دوماً ضغوطاً، ولكن يجب أن نتعلم كيف نحملها دون أن تطغى علينا. تذكري دائماً أن قوتكِ في هدوئكِ، وفي إيمانكِ."
تنهدت سارة، وتأملت وجه والدتها المنير. كم كانت تفتقد هذا الهدوء الذي لم يعد يزورها إلا في لحظاتٍ قليلة. كانت تتذكر كيف كانت تحكي لوالدتها عن كل شيء، كيف كانت تشاركها أدق تفاصيل حياتها. لكنّ هذا السرّ الذي ينمو بداخلها، هذا التعلق الذي بدأ يتحول إلى هوسٍ، جعلها تشعر بالوحدة، بالانفصال عن أقرب الناس إليها.
في مكتبها، كانت شاشة الحاسوب تعرض أرقاماً ومعادلاتٍ لم تعد تثير اهتمامها. كانت يداها تتحركان بآليةٍ، لكنّ عقلها كان في مكانٍ آخر. كانت تتذكر تفاصيل لقاءاتها المتفرعة مع السيد فواز. لم تكن لقاءاتٍ رسمية، بل كانت تتذرع بشتى الأسباب لرؤيته. طلب استشارةٍ في قضيةٍ ما، توصيل معلوماتٍ تتعلق بالعمل، حتى أنها بدأت تذهب إلى المقهى الذي يرتاده في أوقات الظهيرة، تتظاهر بلقاء صديقاتٍ قديمات، لكنّ عينيها تبحثان عنه.
كانت تعلم أن هذا الطريق غير سوي، وأن هذا التعلق قد يقودها إلى متاعب. كانت تلوم نفسها على هذا الضعف، على هذه الهشاشة التي استوطنت قلبها. كان السيد فواز رجلاً رفيع المقام، ولا شك أن لديه حياةً خاصةً، وربما كانت هذه الأفكار مجرد أوهامٍ بنتها هي بنفسها. لكنّ الحلم كان أقوى من صوت العقل.
في أحد الأيام، وبينما كانت منهمكةٍ في تأمل صورةٍ للسيد فواز التقطتها سراً عبر هاتفها، ارتطمت بزميلها أحمد، الذي كان يحمل كومةً من الملفات. تبعثرت الأوراق في كل مكان.
"آسف جداً، لم أركِ." قال أحمد بلهجةٍ اعتذارية.
"لا بأس، أنا المخطئة." قالت سارة وهي تجمع الأوراق المبعثرة.
نظر أحمد إلى هاتفها الذي سقط أرضاً، ثم رأى الصورة قبل أن تغلقها بسرعة. لم يقل شيئاً، لكنّ نظرةً سريعةً منه كانت كافيةً لإثارة قلق سارة. هل رآها؟ هل فهم ما يدور في بالها؟
عاد أحمد إلى مكتبه، وحاول ألا يبدي اهتماماً. كان يعرف سارة منذ فترةٍ طويلة، ويعرف حياءها، واتزانها. لم يتوقع أبداً أن يراها بهذه الحال. لكنّ هذه النظرة لم تكن سوى بذرة شكٍّ بدأت تنمو في عقله. هل كانت هناك علاقةٌ غير طبيعيةٍ؟ هل كانت سارة تفقد تركيزها بسبب أمرٍ خارجٍ عن نطاق العمل؟
استمرت الأيام، وزادت وطأة القلق على سارة. بدأت تشعر بأنّ كل من حولها يراقبها. كانت تتجنب أحمد بقدر الإمكان، خوفاً من أن يكشف أمرها. شعرت بأنّ عالمها بدأ يضيق، وأنّ هذه الرغبة التي استولت عليها تتحول إلى سجنٍ ضيق.
في نهاية المطاف، لم تستطع سارة تحمل هذا العبء وحدها. في إحدى الليالي، وبينما كانت وحدها في غرفتها، تذكرت آياتٍ من القرآن الكريم عن التوكل على الله، وعن الاستعانة به في الشدائد. فتحت مصحفها، وبدأت تقرأ بصوتٍ خافت، ترتل الآيات التي كانت تمنحها القوة في أوقات الصعاب. شعرت ببعض السكينة، لكنّ الشوق لم يفارقها.
كانت تعلم أن عليها مواجهة هذا الإدمان، هذه الرغبة الملحة التي تهدد حياتها، وتشتت تركيزها، وتهدد علاقاتها. كان الأمر أشبه بإدمانٍ لشيءٍ لم تمتلكه أبداً، مجرد سرابٍ أملته عليها أحلامها. كانت تعرف أن الطريق سيكون صعباً، وأنّ عليها أن تجد القوة لتتجاوز هذه العاصفة التي تعصف بداخلها. كان عليها أن تستعيد زمام حياتها، قبل أن تضيع إلى الأبد في أغواء هذا السراب.