الفصل 7 / 25

حب الأوطان 153

شرخ في الروح

بقلم سارة العمري

لم يكن أحمد من النوع الذي يستمتع بالتجسس على الآخرين، لكنّ ما رآه من سارة لم يكن مجرد ملاحظةٍ عابرة. كانت هناك شيئاً غريباً في طريقة تعاملها، في نظراتها المشتتة، وفي تجنبها له بشكلٍ واضح. بدأ يتذكر بعض المحادثات القصيرة التي سمعها من قبل، لمحاتٍ من كلامٍ عن السيد فواز، لم تكن تفاصيل واضحة، لكنها كانت كافيةً لتشكيل صورةٍ مبدئية.

كان أحمد شاباً طموحاً، يؤمن بالاجتهاد والعمل الجاد. لقد رأى في سارة زميلةً مثالية، مجتهدة، ملتزمة. لهذا السبب، كان ما يشعر به الآن هو قلقٌ حقيقيٌّ عليها، وعلى مسار حياتها المهنية والشخصية. لم يكن يريد أن يرى أحداً يسقط، خاصةً شخصاً كان يحترمه.

في أحد الأيام، بينما كان أحمد يتناول قهوته في مقصف الشركة، لمح سارة تجلس وحدها في زاويةٍ بعيدة. كانت تتحدث عبر هاتفها، وبدت عليها علامات انزعاجٍ واضحة. نبرة صوتها كانت متوترة، وكلماتها متقطعة. لم يستطع أحمد تجاهل الأمر، فاقترب منها بعد أن أنهت مكالمتها.

"صباح الخير يا سارة." قال أحمد بابتسامةٍ هادئة.

تذمرت سارة بصوتٍ خافت، وبدت وكأنها تفاجأت بوجوده. "أهلاً بك يا أحمد."

"هل كل شيء على ما يرام؟" سأل أحمد بنبرةٍ اهتمامٍ حقيقي. "كنتِ تتحدثين منذ قليل، وبدا عليكِ بعض الضيق."

ترددت سارة قليلاً، ثم قالت بنبرةٍ متعبة: "لا شيء مهم. مجرد سوء فهمٍ صغير."

"سوء الفهم الذي يجعل العيون تلمع بالدموع؟" سأل أحمد بجديةٍ أكبر. "سارة، أنا لستُ متطفلاً، لكنني أرى أنكِ تمرّين بفترةٍ عصيبة. وإذا كان هناك شيءٌ يمكنني المساعدة فيه، ولو بالاستماع، فأنا موجود."

نظرت سارة إلى أحمد، ورأت في عينيه صدقاً، ورأفةً. كانت تشعر بثقلٍ يزداد في صدرها، ورغبةٌ ملحةٌ في البوح. لكنّ الخوف من الكشف، والخوف من الحكم، كانا يقفان حاجزاً.

"الأمر معقد يا أحمد." قالت سارة بصوتٍ مكتوم. "وأخشى أن أتحدث فيه."

"أخشى أن يؤدي هذا التعقيد إلى انهيارٍ، إذا لم يتم تفكيكه." رد أحمد بهدوء. "أنا لا أحكم على أحد، وسارة، أنتِ شخصٌ أقدره كثيراً. أعتقد أن ما تمرّين به قد يكون له علاقةٌ بالسيد فواز، أليس كذلك؟"

تجمدت سارة في مكانها. كيف عرف؟ كيف استطاع أن يربط بين خيوطٍ لم تكشفها بنفسها لأحد؟ شعرت بأنّ جدار حياءها قد انهار.

"كيف... كيف عرفت؟" سألت بصوتٍ مرتجف.

"لقد لاحظتُ بعض الأشياء." أجاب أحمد. "طريقة تعاملكِ، لقاءاتكِ المتكررة، حتى هذه الصورة التي رأيتها في هاتفكِ. لم تكن نظرةً عادية. شعرتُ أن هناك شيئاً أكبر يحدث."

انهمرت دموع سارة بصمت. لم تعد قادرةً على تمالك نفسها. "يا أحمد، أنا... أنا لا أعرف ماذا يحدث لي. إنه شعورٌ غريب، أقرب إلى الهوس. أحلم به، أفكّر به باستمرار. أفقد تركيزي في عملي، وأشعر وكأنني أبتعد عن نفسي، وعن كل ما هو حقيقي."

"هل لديكِ مشاعر تجاهه؟" سأل أحمد بلطف، محاولاً فهم أبعاد الموقف.

"لا أدري." أجابت سارة وهي تمسح دموعها. "ربما. لكنه أمرٌ مستحيل. هو رجلٌ متزوج، وله حياته. وأنا... أنا أحاول جاهدةً أن أمنع نفسي من الانجراف، لكنّ الأمر يفوق قوتي. أشعر وكأنني أدمنتُ فكرةً، أملاً، شخصاً لم أمتلكه أبداً."

"هذا ما يسمى بالوهم، يا سارة." قال أحمد بصوتٍ فيه حكمةٌ تفوق عمره. "والوهم هو أخطر أنواع الإدمان، لأنه لا يترك وراءه إلا الخراب. أنتِ الآن في مرحلةٍ خطيرة. إذا استمررتِ في الانجراف، فإنكِ تخاطرين بفقدان كل شيء: سمعتكِ، عملكِ، وحتى احترامكِ لذاتكِ."

"وماذا أفعل؟" سألت سارة بيأس. "كلما حاولتُ أن أنسى، عاد طيفه ليطاردني. كلما حاولتُ أن أركز، ضاعت أفكاري في تخيل لقاءاتٍ وهمية."

"عليكِ أن تواجهي الحقيقة، سارة." قال أحمد. "الوهم له نهاية، والحقيقة حتى لو كانت مؤلمة، فهي تمنحكِ القوة لتبدئي من جديد. عليكِ أن تقطعي هذه الصلة. أن تتوقفي عن أي تواصلٍ غير ضروري معه. وأن تملئي وقتكِ بما هو مفيد. عملكِ، هواياتكِ، وقتكِ مع عائلتكِ. الأهم هو أن تعيدي بناء ثقتكِ بنفسكِ، وأن تتذكري قيمتكِ الحقيقية."

"لكنّ هذا صعبٌ جداً." قالت سارة بصوتٍ مخنوق. "إنه كالصراع مع شيطانٍ في داخلي."

"الصراع مع النفس هو أصعب صراعٍ على الإطلاق." وافق أحمد. "لكنّ الانتصار فيه هو قمة المجد. تذكري أن الله مع الصابرين. استعيني به، ودعي صلاتكِ تكون ملاذكِ. وحاولي أن تجدي وقتاً تتحدثين فيه مع والدتكِ، ربما تفهمكِ وتمنحكِ القوة."

نظرت سارة إلى أحمد، وشعرت بأنّ بارقة أملٍ قد بدأت تظهر في ظلام اليأس الذي كان يغمرها. لأول مرةٍ منذ فترةٍ طويلة، شعرت بأنها ليست وحدها في صراعها. كلام أحمد لم يكن مجرد نصح، بل كان دعوةً للصحوة، دعوةً لاستعادة ذاتها.

"شكراً لك يا أحمد." قالت سارة بصوتٍ فيه امتنانٌ عميق. "لقد فتحتَ عينيّ على أشياءٍ كنتُ أعمي نفسي عنها."

"العفو يا سارة." ابتسم أحمد. "أتمنى لكِ كل الخير. وأنا هنا إذا احتجتِ أي شيء. فقط تذكري، أنتِ أقوى مما تظنين."

عادت سارة إلى مكتبها، وشعرت بتغييرٍ بسيط، لكنه ذو أهمية. كان شرخٌ قد بدأ يتسع في جدار إدمانها، شرخٌ سمحت من خلاله لضوء الحقيقة بأن يتسلل. لم يكن الطريق سهلاً، لكنّ اعترافها لخالد، ورؤيتها لصبره ودعمه، قد منحاها دفعةً قويةً للمضي قدماً في معركتها لاستعادة ذاتها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%