حب أبدي 154
ريحٌ حملتْ ذكرى
بقلم سارة العمري
كانتْ عينيها، واسعتين كبحرٍ هائجٍ عند الغروب، تتأملانِ الأفقَ الممتدّ أمامَ قصرِ جدّتها العريق. لم يكنْ مجردَ قصرٍ، بل كانَ وطناً، ملاذاً، وربما سِجناً قديماً. تحتَ سماءٍ تعانقُ لونَ الياقوتِ، كانتْ "ليلى" تقفُ، تتنفسُ عبقَ الوردِ والياسمينِ المتسللَ منْ الحدائقِ المخمليةِ، معَ نسائمَ الخريفِ اللاهيةِ التي تداعبُ خصلاتِ شعرِها الأسودَ الطويلَ. كانتْ في ربيعِ عمرِها الثاني والعشرين، تحملُ في قلبِها قصةً لم تُكتبْ فصولُها بعد، وفي روحِها شوقاً يكادُ يمزقُ أضلعَها.
منْ شرفةِ الغرفةِ المطلةِ على الوادي، رأتْ غباراً يتصاعدُ منْ بعيدٍ، ثمَّ خيلاً تتجهُ مسرعةً نحو القصر. قلوبُ أهلِ الدارِ خفقتْ بتساؤلٍ. منْ هذا القادمُ في هذا الوقتِ المتأخرِ منْ النهارِ؟ كانَ قدومُ الضيوفِ في قصرِ "الشيخِ سليمان" أمراً مألوفاً، فملاذُهُ كانَ دائماً مفتوحاً للعابرينَ والغرباءِ. لكنَّ هذهِ المرةَ، كانَ هناكَ شيءٌ مختلفٌ في طريقةِ اقترابِ الخيلِ، شيءٌ يوحي بالاستعجالِ، ربما بالأهميةِ.
نزلَ الفارسُ عنْ جوادهِ، وكانَ طويلَ القامةِ، يرتدي ملابسَ شتويةً داكنةً، وعلى وجههِ علاماتُ الإرهاقِ والشمسِ. استقبلهُ الخدمُ بانحناءةِ احترامٍ، ثمَّ توجهَ بهِ نحو البابِ الرئيسي. لمْ تستطعْ ليلى رؤيةَ وجههِ بوضوحٍ، لكنَّ الهالةَ التي أحاطتْ بهِ كانتْ توحي بقوةٍ وهيبةٍ.
"منْ هذا يا جدّي؟" سألتْ جدّتَها "فاطمة" بصوتٍ لمْ يخفِ فضولَها. ابتسمتْ الحاجةُ فاطمةُ، وهيَ امرأةٌ حكيمةٌ، يتجعدُ وجهُها خطوطَ السنينِ العِجافِ، لكنَّ عينيها لا تزالانِ تلمعانِ بذكاءٍ وحنانٍ. "هذا ضيفٌ عزيزٌ، جاءَ يحملُ أخباراً."
لمْ تكنْ ليلى معتادةً على تلقي الضيوفِ بهذهِ الحفاوةِ. جدُّها، الشيخُ سليمان، رجلٌ عصاميٌّ، بنى مجدَهُ منْ لا شيءٍ، وكانَ يتمتعُ بسمعةٍ طيبةٍ في قبيلتهِ. لكنَّ هذهِ الزيارةَ المفاجئةَ، والغبارَ المتصاعدَ، والترقبَ في عيونِ الخدمِ، كلُّ ذلكَ خلقَ جواً منْ الغموضِ.
بعدَ وقتٍ قصيرٍ، دخلَ الضيفُ إلى قاعةِ الاستقبالِ، وكانَ بصحبتهِ رجلٌ أكبرُ سناً، ذو لحيةٍ بيضاءَ وعينينِ دافئتين. حينَ استدارَ الضيفُ الشابُّ، ألقتْ ليلى نظرةً سريعةً عليهِ، وشعرتْ ببرودةٍ تسري في أوصالِها، تتبعُها حرارةٌ مفاجئةٌ. كانَ شاباً وسيماً، ذو ملامحَ حادةٍ، وعينينِ بلونِ العسلِ، تعكسانِ ذكاءً عميقاً وقوةً صامدةً. كانتْ بشرتُهُ سمراءَ، تزيدُهُ وسامةً، وشعرُهُ أسودُ مجعدٌ، ينسدلُ على جبينهِ.
"أهلاً وسهلاً يا ولدي." قالَ الشيخُ سليمان بصوتٍ أجشٍّ. "لقدْ أثلجتَ صدورَنا بمجيئكَ." "أهلاً بكَ يا عمّي." أجابَ الشابُّ بصوتٍ رخيمٍ، يحملُ نبرةَ احترامٍ عميقةٍ. "جئتُ أحملُ لكَ خبراً، وخبرٌ هوَ أعظمُ منْ أيِّ خبرٍ."
استمعتْ ليلى بصمتٍ، وقلبُها يخفقُ بعنفٍ. شعرتْ بأنَّ هذا الرجلَ، الذي لمْ ترَهُ منْ قبلُ، يحملُ في طياتهِ شيئاً يخصُّها، شيئاً سيغيرُ مسارَ حياتِها. كانتْ قدْ سمعتْ قصصَ الحبِّ الملتهبِ، واللقاءاتِ المصيريةِ، لكنَّها لمْ تتخيلْ أنَّها قدْ تعيشُ واحدةً منها.
"ما هوَ هذا الخبرُ يا بني؟" سألتْ الحاجةُ فاطمةُ، وقدْ بدا القلقُ على وجهِها. تنهدَ الشابُّ، ثمَّ قالَ بصوتٍ جهوريٍّ، لكنَّهُ لمْ يخفِ بعضَ الترددِ: "لقدْ جئتُ لأتقدمَ لخطبةِ الآنسةِ ليلى، ابنةِ المرحومِ أحمد."
تجمدتْ ليلى في مكانِها. أحمدٌ! والدُها، الذي رحلَ مبكراً، وتركَ فراغاً في حياتِها لمْ يملأهُ أحدٌ. لمْ تكنْ تتوقعُ أنَّ هذا الغريبَ، ذو العينينِ اللامعتينِ، سيأتي ليتقدمَ لخطبتِها، باسمِ والدِها. منْ هوَ هذا الشابُّ؟ وما هيَ علاقتهُ بوالدِها؟
"أحمد؟" سألَ الشيخُ سليمان، وقدْ ارتسمتْ الدهشةُ على وجهِهِ. "ابنُ عمي أحمد؟" "نعم يا عمّي." أجابَ الشابُّ. "اسمي خالد. والدي هوَ ناصر، ابنُ عمِّ أحمد."
في تلكَ اللحظةِ، شعرتْ ليلى بأنَّ جدرانَ القصرِ بدأتْ تنهارُ منْ حولِها، وأنَّ الواقعَ ينسجُ منْ خيوطِ الماضي. خالدٌ، ابنُ عمِّ والدِها. لقدْ سمعتْ عنهَ، لكنَّها لمْ تلتقِ بهِ قط. كانَ والدُها قدْ تحدثَ عنْ ابنِ عمِّهِ ناصرٍ وعنْ ابنهِ خالدٍ، لكنَّ الظروفَ حالتْ دونَ اللقاء.
"لقدْ وعدتُ والدكَ قبلَ رحيلهِ." قالَ خالدٌ، وعيناهُ تلتقيانِ بعيني ليلى لبرهةٍ، ثمَّ يعودُ ليحدقَ في الشيخِ سليمان. "لقدْ طلبَ مني أنْ أعتني بليلى، وأنْ أكونَ لها السندَ والأخَ. وعندما كبرتْ، رأيتُ أنَّ أفضلَ طريقةٍ للوفاءِ بوعدي، هيَ أنْ أكونَ لها الزوجَ."
كانَ حديثُ خالدٍ مباشراً وصريحاً، يحملُ في طياتهِ صدقاً وجرأةً. لفتَ ذلكَ أنظارَ ليلى إليهِ أكثرَ. شعرتْ بأنَّ في هذا الشابِّ شيئاً فريداً، شيئاً يدعوها للتساؤلِ والبحثِ.
"وهلْ تحدثتَ إلى ليلى عنْ هذا الأمرِ؟" سألتْ الحاجةُ فاطمةُ، بنبرةٍ فيها شيءٌ منْ التحفظِ. "لا." أجابَ خالدٌ. "أردتُ أنْ أكونَ صادقاً معكِ ومعَ عمّي أولاً. ثمَّ أنْ أتركَ لليلى حريةَ الاختيارِ."
نظرتْ ليلى إلى جدّتِها، ثمَّ إلى جدِّها، ثمَّ إلى خالدٍ. كانَ كلُّ شيءٍ يحدثُ بسرعةٍ، بطريقةٍ لمْ تتوقعْها. هلْ كانَ هذا هوَ القدرُ؟ هلْ كانَ هذا هوَ الحبُّ الذي سمعتْ عنهَ؟
"أنا لستُ مجبراً على شيءٍ." قالتْ ليلى بصوتٍ ثابتٍ، حاولتْ أنْ تُظهرَ فيهِ القوةَ، لكنَّ قلبَها كانَ يرتجفُ. "لكنّني أشكرُ خالدَ على لطفهِ وعرضهِ. لمْ أكنْ أعرفُ أنَّ والدي قدْ تركَ لي مثلَ هذا الوعد."
تنهدَ خالدٌ، وشعرَ بارتياحٍ منْ ردِّ ليلى. لمْ يكنْ يتوقعُ منها أنْ توافقَ فوراً، لكنَّ كلامَها كانَ يحملُ احتراماً لوعدِ والدِها. "أعلمُ أنَّ الأمرَ قدْ يكونُ مفاجئاً." قالَ خالدٌ. "ولكنْ، إذا سمحتْ لي، أودُّ أنْ أقضي بعضَ الوقتِ هنا، لأتعرفَ على ليلى، وتتعرفَ عليَّ. ولتكنْ الأمورُ واضحةً وشفافةً."
وافقَ الشيخُ سليمانُ والحاجةُ فاطمةُ على ذلكَ، فقدْ كانا يريانِ في خالدٍ رجلاً صالحاً، وفيهِ خيرٌ لليلى. لكنَّ ليلى، لمْ تكنْ متأكدةً منْ مشاعرِها. كانتْ تشعرُ بمزيجٍ منْ الفضولِ، والحيرةِ، وربما قليلٍ منْ الخوفِ.
في تلكَ الليلةِ، بينما كانتْ نجومُ السماءِ تتلألأُ، لمْ تستطعْ ليلى النومَ. كانتْ تتذكرُ وجهَ خالدٍ، عينيهِ العسليتينِ، وصوتَهُ الرخيمَ. منْ هوَ هذا الشابُّ حقاً؟ وماذا يحملُ لهُ المستقبلُ؟ لقدْ حملتْ هذهِ الليلةَ رياحاً جديدةً، رياحٌ تحملُ معها وعداً، وحباً، وربما فراقاً.