حب أبدي 154
بوادر التغيير وأسرار الماضي
بقلم سارة العمري
لم تكن الليلة التي تلت زيارة خالد الشامان سهلةً على نور. كلما أغمضت عينيها، كانت ترى وجهه المتجهم، وتسمع نبرة صوته المليئة بالتهديد. لقد استشعرت بأنّ هذا الرجل ليس من النوع الذي ينسى بسهولة، وأنّ كلماته لم تكن مجرد تهديدٍ فارغ. كانت تراودها الأفكار، هل كان لدى خالد الشامان أيّ سببٍ شخصيٍّ للتدخل في هذا الأمر؟ هل كان يعرفها أو يعرف عائلتها بشكلٍ مباشر؟
في صباح اليوم التالي، بينما كانت نور تساعد والدتها في إعداد الفطور، لاحظت شيئاً غير عادي. كانت والدتها تبدو شاردة الذهن، وتتنهد بين الحين والآخر. "أمي، هل أنتِ بخير؟" سألت نور بقلق.
نظرت الأم إلى ابنتها، ثم ابتسمت ابتسامةً باهتة. "نعم يا ابنتي، أنا بخير. ولكن، قلبي يحدثني بشيءٍ غريب."
"ما هو؟"
"لا أعرف تماماً. ولكن، شعرتُ بأنّ ظهور خالد الشامان لم يكن عبثياً. يبدو أن هناك أمراً يخفيه، أمراً يتعلق بماضينا."
تنهدت نور. "ولكن، ما علاقتنا نحن بخالد الشامان؟ لم يسبق لنا أن رأيناه أو تحدثنا معه."
"هذا ما يجعل الأمر غريباً،" قالت الأم. "والدكِ لم يذكر شيئاً عن أيّ علاقةٍ له بخالد، لا في العمل ولا في أيّ مجالٍ آخر. الأمر أشبه بأن يكون لديه سببٌ آخر."
في تلك الأثناء، كان بلال يتواصل مع والده، الأستاذ عبد الرحمن، لإطلاعه على تفاصيل ما حدث. استمع الأب بانتباه، وقد ارتسمت على وجهه علامات القلق. "خالد الشامان؟" قال بتفكير. "لم أسمع باسمه منذ زمنٍ طويل. ولكنه رجلٌ معروفٌ في الأوساط التجارية، وسمعته ليست طيبة."
"لقد حاول تهديدنا يا أبي،" قال بلال. "وقال إن الأمر لن ينتهي هنا."
"لا تقلق يا بني،" قال الأستاذ عبد الرحمن. "نحن لا نخشى أمثال هؤلاء الرجال. ولكن، علينا أن نكون حذرين. ربما هناك شيءٌ لا نعرفه. سأحاول أن أستفسر عن هذا الرجل، وعن سبب ظهوره المفاجئ."
قضى بلال بقية اليوم في محاولةٍ للتواصل مع نور، ولكنها كانت تبدو قلقةً ومشتتة. عندما سألها عن سبب ذلك، لم تكن قادرةً على تفسير ما تشعر به. كانت مجرد أحاسيسٌ سلبيةٌ بدأت تتسلل إلى قلبها، أحاسيسٌ لم تكن وليدة تفكيرٍ منطقي، بل وليدة شعورٍ داخليٍّ بأنّ هناك أمراً ما لا يسير على ما يرام.
في اليوم التالي، وبينما كانت نور تجلس في مكتبتها، تتصفح بعض الكتب القديمة، لفت انتباهها كتابٌ جلديٌّ قديم، لم تتذكره من قبل. كان موضوعاً في زاويةٍ بعيدة، وكأنّه مخبأٌ عمداً. عندما فتحته، وجدت بداخله مجموعةً من الأوراق القديمة، مكتوبةً بخطٍّ أنيقٍ ولكنه متهالك. كانت تلك الأوراق عبارةً عن مذكرات، تعود إلى سنواتٍ مضت.
بدأت نور بقراءة المذكرات، وشعرت وكأنها تغوص في عالمٍ آخر. كانت تلك المذكرات تعود لوالدتها، وتتحدث عن فترةٍ من حياتها لم تعرفها نور من قبل. كانت تتحدث عن قصة حبٍّ قديمة، عن شابٍّ أحبّته والدتها بشدة، ولكن القدر فرّق بينهما. كان ذلك الشاب يحمل اسماً غريباً، اسماً لم تسمع به نور من قبل: "خالد".
ذهلت نور. هل كان هذا الشاب هو نفسه خالد الشامان؟ قرأت المزيد، لتكتشف أن قصتهما لم تكن قصة حبٍّ عاديّة، بل كانت قصةً مليئةً بالأحداث. كان خالد آنذاك شاباً طموحاً، ولكنه كان أيضاً متورطاً في بعض الأمور المشبوهة. كانت والدتها قد حاولت أن تغيّر مساره، ولكنها لم تنجح. وفي نهاية المطاف، اضطرت والدتها إلى الانفصال عنه، بسبب ضغوطٍ عائليةٍ وشكوكٍ حول مستقبله.
"يا إلهي،" همست نور لنفسها، وقلبها يتسارع. "هل هذا هو السبب؟ هل كان خالد الشامان هو حبيب والدتي القديم؟ ولماذا عاد الآن؟"
شعرت نور بأنّ كل الخيوط بدأت تتشابك. يبدو أن ظهور خالد لم يكن محض صدفة، بل كان مرتبطاً بماضي والدتها، وربما كان يحمل ضغينةً أو رغبةً في الانتقام.
عادت نور إلى والدتها، وهي تحمل المذكرات بين يديها. "أمي، هل هذه مذكراتك؟" سألت بتردد.
نظرت الأم إلى المذكرات، وبدت عليها علامات المفاجأة، ثم الحزن. "نعم يا ابنتي. لم أتذكر أنني وضعتها هنا."
"لقد قرأتُ القليل منها،" قالت نور، وعيناها مثبتتان على وجه والدتها. "هل كان... هل كان خالد الشامان هو خالد الذي تتحدثين عنه؟"
تنهدت الأم، وبدت عليها علامات الحيرة. "نعم يا ابنتي. كان شاباً أحببته كثيراً. ولكن، لم يكن رجلاً صالحاً تماماً. كان لديه طموحٌ كبير، ولكن طموحه كان يقوده إلى مساراتٍ مظلمة."
"ولماذا عاد الآن؟" سألت نور. "هل يريد أن يعود إليكِ؟"
"لا أعتقد ذلك يا ابنتي،" قالت الأم. "لقد مرّت سنواتٌ طويلة. ربما يريد شيئاً آخر. ربما يريد أن يعوّض ما فقده، أو ربما يريد أن ينتقم."
شعرت نور بالبرد يسري في عروقها. لقد بدأت تفهم خطورة الوضع. لم يكن الأمر مجرد معارضةٍ لخطبتها، بل كان أمراً أعمق، مرتبطاً بأسرار الماضي.
"ماذا سنفعل يا أمي؟" سألت نور، وقد بدت عليها علامات الخوف.
"لا تقلقي يا ابنتي،" قالت الأم، وهي تحتضنها. "لقد تخطينا الكثير من الصعاب من قبل. ووالدكِ رجلٌ حكيم، وسيجد الحل. والأهم، أننا معاً، وسندعم بعضنا البعض. ولن نسمح لأي شخصٍ بأن يعكّر صفو سعادتنا."
شعرت نور ببعض الطمأنينة، ولكن القلق ظلّ يراودها. لقد فتحت الأوراق القديمة باباً لم تكن تعرف بوجوده، باباً حمل معه أسراراً لم تكن مستعدةً لمواجهتها. هل كانت نهاية قصتها مع بلال ستكون سعيدةً كما تخيلت، أم أن أشباح الماضي ستظلّ تطاردها؟