الفصل 14 / 25

حب أبدي 154

ريحٌ تُثيرُ الغبارَ وأملٌ يتلوّى

بقلم سارة العمري

هبت ريحٌ عليلةٌ في مساءٍ لطيفٍ، تحملُ معها عبيرَ الياسمينِ المتفتّحِ في بساتينَ العاصمةِ. جلستْ ليلى على شرفةِ منزلِ والدها، تتأمّلُ سماءَ الليلِ المرصّعةَ بالنجومِ، وقلبُها يعتصرُ ألماً ممزوجاً بأملٍ واهنٍ. لم تجفَّ دموعُها بعدُ منذُ لقائها الأخيرِ بسامي، كلماتُهُ كانتْ سكيناً تغرسُ في رُوحِها، تشكُّ في كلِّ شيءٍ، في حبِّهِ، في صدقِهِ، بل في نفسها.

"هل يعقلُ أنْ يكونَ كلُّ ذلكَ وهماً؟" تمتمتْ بصوتٍ خافتٍ، بالكادِ تسمعهُ أذناها. "هل كنتُ أسيرةَ خيالٍ صنعتُهُ بنفسي، أمْ أنَّ الظروفَ قدْ خانتْني؟"

تجرّعتْ جرعةً من القلقِ ممزوجةٍ بمرارةِ الخيبةِ. قرارُ والدها بإلغاءِ الخطبةِ، ورفضُهُ القاطعُ لأيِّ حديثٍ عنْ سامي، كانا كالسدودِ المنيعةِ التي تفصلُ بينَها وبينَ مستقبلٍ كانتْ ترسمُهُ بالألوانِ الزاهيةِ. كانتْ تعلمُ أنَّ أباها يحبُّها، وأنَّ خوفَهُ عليها يدفعُهُ لاتخاذِ قراراتٍ تبدو لها قاسيةً. لكنَّ هذهِ القسوةَ كانتْ تقتلُ في داخلِها ما كانَ ينبضُ بالحياةِ.

في الجانبِ الآخرِ منَ المدينةِ، كانَ سامي يقضي ليلَهُ في عزلتهِ، يتصارعُ معَ الشياطينِ التي بدأتْ تلتهمُ سلامَهُ. لمْ تكنْ كلماتُهُ لليلى مجردَ محاولةٍ لتخفيفِ وطأةِ الموقفِ، بلْ كانتْ وليدةَ لحظةٍ صادقةٍ حاولَ فيها أنْ يجعلَ الأمورَ تبدو أسهلَ، وأنْ يمنحَها بصيصَ أملٍ في عالمٍ مظلمٍ. لكنَّهُ أدركَ الآنَ، بعمقٍ مؤلمٍ، أنَّهُ قدْ أخطأَ.

"كيفَ أقدرُ أنْ أكذبَ عليها، وهيَ التي أراها أصدقَ خلقِ اللهِ؟" قالَ لنفسهِ وهوَ يسيرُ بخطواتٍ متثاقلةٍ في حديقةِ منزلِهِ. "لقدْ جرحتُها، وأخشى أنْ يكونَ الجرحُ عميقاً. ولكنَّني لمْ أجدْ حلاً آخرَ. هلْ أصارحُها بما يثقلُ كاهلي، وأُفقِدُها آخرَ شعاعٍ منْ نورِ الأملِ؟"

كانَ الشكُّ يتسللُ إلى قلبِهِ. هلْ كانَ حقاً قوياً بما يكفي ليتجاوزَ العقباتِ التي فرضها والدُ ليلى؟ وهلْ كانتْ علاقتُهُ بليلى بهذهِ المتانةِ التي تجعلُها قادرةً على الصمودِ أمامَ عواصفِ الشبهاتِ والمخاوفِ؟

في منزلِ آلِ العبدِ، كانَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ يجلسُ في مكتبهِ، يقلّبُ أوراقاً قديمةً، لكنَّ عقلَهُ كانَ غائباً، يسبحُ في بحرٍ منَ الهمومِ. كانَ يفكرُ في ليلى، في مستقبلِها، وفي القرارِ الذي اتخذَهُ. لمْ يكنْ منَ السهلِ عليهِ أنْ يرى ابنتهُ تتألمُ، لكنَّهُ كانَ مقتنعاً بأنَّ ما فعلهُ هوَ عينُ الصوابِ.

"سامي الفياضُ... اسمٌ يبدو بريئاً، لكنَّ ما سمعتُهُ عنه وعنْ عائلتِهِ لمْ يكنْ مطمئناً." كانَ يرددُ لنفسهِ، وهوَ يشعرُ بوخزٍ منْ الذنبِ. "ربما أكونُ قدْ تعجّلتُ. ربما يجبُ أنْ أتأكدَ بنفسي. لكنْ، كيفَ؟"

تذكرَ حديثَهُ معَ صديقِهِ القديمِ، السيّدِ منصورٍ، الرجلِ الذي يعرفُ خبايا السوقِ والمعاملاتِ التجاريةِ. كانَ منصورٌ قدْ ألمحَ إلى بعضِ الأمورِ التي تخصُّ تجارةَ عائلةِ الفياضِ، أمورٌ لا تليقُ بمكانةٍ مرموقةٍ، بلْ تشيرُ إلى شيءٍ أقربَ إلى الاحتيالِ. تلكَ الكلماتُ كانتْ كافيةً لإشعالِ نارِ القلقِ في قلبِ الحاجِّ عبدِ الرحمنِ، وجعلِهِ يتخذُ القرارَ السريعَ.

"هلْ أرسلُ إليهِ؟ هلْ أواجهُهُ؟" تساءلَ وهوَ يشعرُ بثقلِ المسؤوليةِ. "لقدْ أرسلْتُ رجالي للبحثِ والتحرّي، ولكنْ، هلْ همْ على قدرِ المهمةِ؟"

كانَ يخشى أنْ يكونَ قدْ حكمَ على ابنتهِ بالتعاسةِ بسببِ سوءِ فهمٍ أوْ وشايةٍ كاذبةٍ. الحبُّ، وخاصةً الحبُّ الذي ينبتُ في بيئةٍ محافظةٍ، كانَ لهُ قدسيّتُهُ، وكانتْ عائلتُهُ تعرفُ قيمةَ الزواجِ المبنيِّ على الاحترامِ والتقوى. لمْ يكنْ يريدُ لابنتِهِ سوى ما هوَ الأفضلُ، ولكنْ، ما هوَ الأفضلُ؟

في هذهِ الأثناءِ، كانَ خالدٌ، صديقُ سامي المقرّبُ، يشعرُ بقلقٍ متزايدٍ على حالِ صديقِهِ. حاولَ مراراً الاتصالَ بهِ، لكنَّ سامي كانَ يتهرّبُ منْ ردِّ المكالماتِ. أخيراً، وبعدَ إلحاحٍ شديدٍ، استجابَ سامي لدعوةِ خالدٍ للقاءٍ في مقهى هادئٍ بعيدٍ عنْ الأنظارِ.

"ما بكَ يا سامي؟ أراكَ كأنَّ الجبالَ على كتفيكَ." قالَ خالدٌ وهوَ يرى شحوبَ وجهِ صديقِهِ ووهنَ عينيهِ.

تنهدَ سامي بعمقٍ، ثمَّ بدأَ بسردِ ما حدثَ معَ ليلى ووالدِها. كانَ يتحدثُ بصوتٍ مرتجفٍ، يكادُ لا يُبينُ الكلماتِ.

"لقدْ كذبتُ عليها، يا خالدُ." قالَ أخيراً، ودمعةٌ ساخنةٌ تسللتْ منْ عينِهِ. "لمْ أجدْ طريقةً أخرى لأُخفّفَ منْ ألمِها، ومنْ ثقلِ ما أثقلَ كاهلي. ولكنَّني الآنَ، أشعرُ بالذنبِ يدمرني."

نظرَ إليهِ خالدٌ بدهشةٍ، ثمَّ أردفَ بجديةٍ: "ولكنْ، لماذا؟ ما الذي يجبركَ على الكذبِ عليها؟ هلْ هناكَ شيءٌ تخفيهِ عنا؟"

ترددَ سامي قليلاً، ثمَّ قالَ بصوتٍ خافتٍ: "الأمرُ يتعلقُ بتجارةِ والدي. هناكَ بعضُ الشبهاتِ التي تحومُ حولَ صفقاتِنا الأخيرةِ. والدي يحاولُ أنْ يُصلحَ الأمورَ، ولكنَّ الأمرَ معقدٌ. وقدْ سمعتُ أنَّ والدَ ليلى قدْ بدأَ يشكُّ."

شعرَ خالدٌ بوخزةٍ منْ القلقِ. كانَ يعرفُ أنَّ والدهُ لهُ بعضُ التحدياتِ الماليةِ، ولكنَّهُ لمْ يتوقعْ أنْ تصلَ الأمورُ إلى هذهِ الدرجةِ منَ الخطورةِ.

"يا سامي، إنَّ الكذبَ ليسَ حلاً. أنتَ تدمرُ الثقةَ التي بينكَ وبينَ ليلى. عليكَ أنْ تواجهَ الأمرَ بشجاعةٍ، وأنْ تُخبرَها بالحقيقةِ. ربما، معاً، تستطيعونَ إيجادَ حلٍّ."

هزَّ سامي رأسَهُ ببطءٍ، وهوَ يشعرُ بأنهُ عالقٌ في شبكةٍ منْ الأكاذيبِ والمخاوفِ. كانَ يدركَ أنَّهُ يجبُ أنْ يُصلحَ ما أفسدَ، ولكنَّ الطريقَ إلى الإصلاحِ يبدو مليئاً بالأشواكِ.

كانَ المساءُ قدْ حلَّ، والنجومُ تتلألأُ في السماءِ، لكنَّ ليلى وسامي، وكلُّ منْ حولَهُما، كانوا يشعرونَ بأنَّ ظلامَ الشكِّ والمخاوفِ بدأَ يُخيّمُ على حياتِهم. والريحُ التي هبّتْ، لمْ تحملْ معها عبيرَ الياسمينِ فقط، بلْ حملتْ معها أيضاً غبارَ الشبهاتِ، وأملاً يتلوّى في انتظارِ شمسِ الحقيقةِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%