حب أبدي 154
بريقُ الحقيقةِ ووشوشاتُ الشكِّ
بقلم سارة العمري
بينما كانتْ ليلى تتأملُ السماءَ، وتُصارعُ أفكارَها المتضاربةَ، كانتْ والدتُها، الحاجةُ عائشةُ، تراقبُها عنْ بعدٍ بعينِ الأمِّ الحنونةِ. كانتْ تشعرُ بحزنِ ابنتِها، وتتفهمُ صراعَها، ولكنَّها كانتْ أيضاً تثقُ بحكمةِ زوجِها.
"يا ابنتي، أرى الحزنَ في عينيكِ." قالتْ الحاجةُ عائشةُ وهيَ تجلسُ بجانبِ ليلى، وتضعُ يدَها على كتفِها. "هلْ تسمحينَ لأمِّكِ أنْ تشارككِ همومَكِ؟"
نظرتْ ليلى إلى والدتِها، وابتسمتْ ابتسامةً باهتةً. "أمي، إنَّ الأمرَ صعبٌ. لقدْ اعتقدتُ أنَّني وجدتُ سعادتي، ولكنَّ كلَّ شيءٍ يبدو الآنَ وكأنَّهُ ينهارُ."
"يا حبيبتي، الحياةُ ليستْ دائماً سهلةً. هيَ مزيجٌ منَ الأفراحِ والأتراحِ، ومنَ التجاربِ التي تُصقلُ الروحَ. ولكنَّ الأهمَّ هوَ كيفَ نُواجهُ هذهِ التجاربَ." قالتْ الحاجةُ عائشةُ بحنانٍ، وبدأتْ تسردُ لها قصةً منْ ماضيها، قصةً عنْ زواجِها منَ الحاجِّ عبدِ الرحمنِ، وكيفَ واجهوا صعوباتٍ جمةً في بداياتِ حياتِهم، ولكنَّ الحبَّ والصبرَ والتوكلَ على اللهِ جعلَهم يتجاوزونَ كلَّ شيءٍ.
"يا ليلى، الثقةُ هيَ أساسُ أيِّ علاقةٍ زوجيةٍ. وإذا غابتِ الثقةُ، فلا يبقى شيءٌ. ولكنَّ الثقةَ تُبنى على الصدقِ والأمانةِ. فإذا كانَ هناكَ شيءٌ يزعجُ قلبَكِ، أوْ يُثيرُ شكَّكِ، فمنْ حقِّكِ أنْ تعرفي، ومنْ حقِّهِمْ أنْ تُخبري."
شعرتْ ليلى ببعضِ الراحةِ بعدَ حديثِ والدتِها. كانتْ كلماتُها بمثابةِ بلسمٍ لروحِها، لكنَّها لمْ تُطفئْ نيرانَ الشكِّ التي كانتْ تشتعلُ بداخلِها.
في تلكَ الليلةِ، لمْ تستطعْ ليلى النومَ. كانتْ تُفكرُ في سامي، وفي كلماته، وفي ردِّ فعلِ والدِها. أخذتْ هاتفَها، وتصفّحتْ قائمةَ الأرقامِ. ترددتْ في الاتصالِ بهِ. ماذا ستقولُ لهُ؟ كيفَ ستُعبّرُ عنْ مشاعرِها المتناقضةِ؟
بعدَ صراعٍ داخليٍّ طويلٍ، اتخذتْ قرارَها. أرادتْ أنْ تسمعَ منهُ بنفسِها. أرادتْ أنْ تعرفَ الحقيقةَ، مهما كانتْ مؤلمةً. اتصلتْ بهِ.
على الجانبِ الآخرِ، كانَ سامي لا يزالُ في غرفتِهِ، يشعرُ بثقلِ الذنبِ. عندما رأى اسمَ ليلى على شاشةِ هاتفِهِ، شعرَ بقلبِهِ يخفقُ بشدةٍ. هلْ جاءتْ لتُعاتبَهُ؟ هلْ عرفتْ الحقيقةَ؟
"ألو؟" قالَ بصوتٍ بالكادِ يُسمعُ.
"سامي، لماذا لمْ تُجبْ على مكالماتي؟" سألتْ ليلى بصوتٍ يحملُ الكثيرَ منَ الأسئلةِ.
"كنتُ مشغولاً، يا ليلى. آسفٌ." أجابَ سامي، وشعرَ بأنَّ الكذبَ أصبحَ عادةً.
"مشغولاً؟ أمْ تتجنبُني؟" قالتْ ليلى، وشعرتْ ببعضِ الغضبِ يختلطُ بحزنِها. "سامي، أنا لستُ طفلةً. ما الذي يحدثُ؟ هلْ تحبُّني حقاً؟"
صمتَ سامي لبرهةٍ. لمْ يكنْ يعرفُ كيفَ يُجيبُ. الحقيقةُ كانتْ ثقيلةً، والكذبُ أصبحَ عبئاً لا يُحتملُ.
"نعم، ليلى. أحبُّكِ. ولكنَّ الأمورَ معقدةٌ." قالَ سامي أخيراً، وهوَ يشعرُ بأنَّهُ على وشكِ الانهيارِ.
"معقدةٌ؟ ماذا تعني بمعقدةٍ؟ هلْ يرفضُ والدينا زواجَنا؟ هلْ هناكَ شيءٌ لا تعرفُهُ عني؟" سألتْ ليلى، وشعرتْ بأنَّ الأملَ بدأَ يتلاشى.
"ليسَ الأمرُ كذلكَ تماماً، يا ليلى." قالَ سامي، وهوَ يُفكرُ في كلمتِهِ لِخالدٍ. "علينا أنْ نلتقي. أحتاجُ أنْ أُخبرَكِ بكلِّ شيءٍ."
"متى؟ وأينَ؟" سألتْ ليلى، وقدْ شعرتْ ببعضِ الشجاعةِ.
"غداً، بعدَ صلاةِ العصرِ. في حديقةِ الروضةِ. المكانُ الذي التقينا فيهِ أولَ مرةٍ." قالَ سامي، وشعرَ بأنَّهُ اتخذَ الخطوةَ الأولى نحوَ تحملِ المسؤوليةِ.
كانَ اللقاءُ في حديقةِ الروضةِ يحملُ في طياتِهِ ذكرياتٍ جميلةً. أولُ نظرةٍ، أولُ حديثٍ، أولُ شعورٍ بالحبِّ. الآنَ، سيحملُ هذا المكانُ أيضاً ثقلَ الحقيقةِ.
في تلكَ الليلةِ، كانَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ يتلقى اتصالاً منْ السيّدِ منصورٍ.
"أهلاً بكَ يا حاجَّ عبدِ الرحمنِ. يبدو أنَّ الأمورَ ليستْ على ما يرامٍ في عالمِ التجارةِ." قالَ منصورٌ بصوتٍ فيهِ مسحةٌ منَ الشماتةِ.
"ماذا تقصدُ يا منصورُ؟" سألَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ بقلقٍ.
"لقدْ تأكدتُ منْ بعضِ المعلوماتِ التي وصلتني. هناكَ بعضُ الصفقاتِ المشبوهةِ التي قامَ بها والدُ سامي الفياضِ. يبدو أنَّهُ كانَ يستدينُ مبالغَ طائلةً بضماناتٍ واهيةٍ، وأنَّهُ قدْ بدأَ في التخلّصِ منْ بعضِ الأصولِ بأسعارٍ بخسةٍ. هناكَ حديثٌ عنْ إفلاسٍ وشيكٍ."
شعرَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ بالدمِ ينسحبُ منْ وجهِهِ. لقدْ كانَ خائفاً منْ هذا، ولكنهُ لمْ يتوقعْ أنْ تكونَ الأمورُ بهذهِ الخطورةِ.
"هلْ أنتَ متأكدٌ منْ ذلكَ؟" سألَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ بصوتٍ مرتجفٍ.
"تماماً. لقدْ سمعتُ منْ مصادرَ موثوقةٍ. أنصحكَ بشدةٍ بالحذرِ، وأنْ تُبعدَ ابنتكَ عنْ هذا الشابِّ، وعنْ عائلتِهِ. إنَّ سمعةَ عائلتِكَ، ومستقبلَ ابنتكَ، كلُّ ذلكَ في خطرٍ."
أغلقَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ الهاتفَ، وشعرَ بصدمةٍ شديدةٍ. كانتْ كلماتُ منصورٍ بمثابةِ ضربةٍ قاضيةٍ. لمْ يكنْ يخشى على أموالِهِ، بلْ على سمعةِ عائلتِهِ، وعلى مستقبلِ ابنتهِ ليلى.
"يجبُ أنْ أحمي ابنتي." قالَ لنفسِهِ، وقدْ عقدَ العزمَ على منعِ هذا الزواجِ بأيِّ ثمنٍ.
بينما كانتْ ليلى تنتظرُ لقاءَها القادمَ بقلبٍ مضطربٍ، كانَ والدُها يتخذُ قراراً مصيرياً، وكانتْ وشوشاتُ الشكِّ تتحوّلُ إلى حقائقَ مُرّةٍ تُهددُ بتمزيقِ كلِّ شيءٍ. بريقُ الحقيقةِ الذي كانتْ تتوقُ إليهِ ليلى، قدْ بدأَ يُلوحُ في الأفقِ، ولكنَّهُ كانَ بريقاً قاسياً، يُنذرُ بعاصفةٍ قادمةٍ.