حب أبدي 154
الريحُ العاتيةُ وميثاقُ الصمتِ
بقلم سارة العمري
هطلَ المطرُ بغزارةٍ في صباحِ اليومِ التالي، وكأنَّ السماءَ تبكي معَ قلوبِ أبطالِنا. وقفَ سامي أمامَ نافذتِهِ، يشاهدُ قطراتِ المطرِ وهيَ تتسابقُ على الزجاجِ، كلُّ قطرةٍ تحملُ معها شعوراً بالثقلِ والمسؤوليةِ. كانَ يشعرُ بمرارةٍ في حلقهِ، وبضيقٍ شديدٍ في صدرِهِ. لمْ يعدْ يستطيعُ تحملَ هذا العبءَ وحدهُ.
"يجبُ أنْ أُصارحَ ليلى. الحقيقةُ هيَ الطريقُ الوحيدُ." همسَ لنفسِهِ، وهوَ يُدركُ حجمَ الخطرِ الذي يُهددُ كلَّ شيءٍ.
في تلكَ الأثناءِ، كانَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ قدْ استيقظَ قبلَ الفجرِ، وهوَ يشعرُ بثقلِ القرارِ الذي اتخذَهُ. كانتْ صورةُ ابنتهِ ليلى، وهيَ في قمةِ سعادتِها، تتراقصُ أمامَ عينيهِ، ثمَّ تتلاشى لتحلَّ محلَّها صورةُ الفضيحةِ والعارِ.
"لا، لنْ أسمحَ بذلكَ." قالَ لنفسِهِ بحزمٍ، وهوَ يُشعلُ سيجارةً، ورغمَ أنَّهُ أقلعَ عنِ التدخينِ منذُ سنواتٍ، إلا أنَّ القلقَ أعادَهُ إليهِ. "يجبُ أنْ أُحافظَ على سمعةِ العائلةِ. ولنْ أُضحيَ بمستقبلِ ليلى."
اتصلَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ بوالدِ سامي، السيدِ أحمدَ الفياضِ، الذي كانَ صديقاً قديماً لهُ.
"أهلاً بكَ يا أحمدَ. أرجو أنْ تكونَ بخيرٍ." قالَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ بصوتٍ يبدو هادئاً، ولكنَّهُ يخفي وراءَهُ عاصفةً منَ المشاعرِ.
"أهلاً بكَ يا عبدَ الرحمنِ. نعم، الحمدُ للهِ. وأنتَ؟ ما سببُ هذا الاتصالِ المفاجئِ؟" أجابَ السيدُ أحمدَ بصوتٍ كانَ يبدو مرهقاً.
"أحمدُ، كنتُ أرغبُ في التحدثِ معكُ حولَ أمرٍ مهمٍّ يتعلقُ بابنينا، سامي وليلى." قالَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ، وشعرَ بأنَّهُ يدخلُ منطقةً شائكةً.
"نعم، سامي وليلى. شابٌ وفتاةٌ يجمعُهما الحبُّ. ما الذي يُقلقُكَ؟" سألَ السيدُ أحمدَ، وكانَ يبدو أنَّهُ لمْ يكنْ على علمٍ بخطورةِ الوضعِ.
"اسمعْ يا أحمدَ، أنا لا أرغبُ في التسببِ بأيِّ مشكلةٍ، ولكنِّي تلقيتُ معلوماتٍ مقلقةً جداً حولَ وضعِكَ الماليِّ، وحولَ بعضِ المعاملاتِ التجاريةِ التي قمتَ بها. هذهِ المعلوماتُ، إذا صحتْ، فإنَّها قدْ تُلقي بظلالٍ قاتمةٍ على مستقبلِ ابنكَ، وعلى مستقبلِ ليلى."
صمتَ السيدُ أحمدَ لبرهةٍ، وشعرَ بأنَّ الأرضَ تميدُ تحتَ قدميهِ. لقدْ كانَ يأملُ أنْ يُبقيَ هذهِ المشاكلَ بعيداً عنْ سامي، بعيداً عنْ عائلتِهِ.
"يا عبدَ الرحمنِ، أنا... لا أعرفُ ماذا أقولُ." تمتمَ السيدُ أحمدَ بصوتٍ مُتهدجٍ. "لقدْ مررتُ ببعضِ الصعوباتِ، وأنا أحاولُ أنْ أُصلحَ الأمورَ. لمْ أكنْ أرغبُ في أنْ تصلَ الأمورُ إلى هذا الحدِّ."
"هذهِ الصعوباتُ، يا أحمدَ، إذا كانتْ حقاً ما سمعتُ، فإنَّها ليستْ مجردَ صعوباتٍ بسيطةٍ. إنَّها قدْ تُلقي بظلالٍ منَ الشكِّ والريبةِ على سمعةِ عائلتِكَ، وعلى مستقبلِ ابنكَ. وأنا، بصفتي أباً، لا أستطيعُ أنْ أغضَّ الطرفَ عنْ ذلكَ." قالَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ بجديةٍ. "لذلكَ، وبعدَ تفكيرٍ طويلٍ، قررتُ أنَّ الخطبةَ يجبُ أنْ تُنهى. بشكلٍ وديٍّ، ولكنْ بشكلٍ نهائيٍّ. أرجو أنْ تتفهمَ موقفي."
كانَ وقعُ كلمةِ "تُنهى" كالصاعقةِ على السيدِ أحمدَ. لقدْ كانَ يعلمُ أنَّ الأمورَ قدْ تسوءُ، ولكنهُ لمْ يتوقعْ أنْ يتخذَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ هذا القرارَ الحاسمَ بهذهِ السرعةِ.
"ولكنْ... يا عبدَ الرحمنِ... هلْ تأكدتَ منْ هذهِ المعلوماتِ؟ هلْ تحدثتَ معَ سامي؟" سألَ السيدُ أحمدَ، وكانَ يأملُ أنْ يكونَ هناكَ مجالٌ للتراجعِ.
"لقدْ استعنتُ بمصادرَ موثوقةٍ، يا أحمدَ. ولا أرغبُ في سماعِ أيِّ أعذارٍ. القرارُ اتُخذَ. وأتمنى أنْ تُبلّغَ ابنَكَ بهذا. وأنْ لا تُحاولوا أيَّ شيءٍ قدْ يزيدُ الأمرَ تعقيداً." قالَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ، وأنهى المكالمةَ، وشعرَ بأنَّهُ قامَ بما يجبُ عليهِ.
في تلكَ الأثناءِ، كانَ سامي قدْ وصلَ إلى حديقةِ الروضةِ. كانَ المطرُ قدْ توقفَ، ولكنَّ الأرضَ كانتْ لا تزالُ رطبةً، والهواءُ يحملُ رائحةَ الأرضِ المبللةِ. وقفَ تحتَ شجرةٍ كبيرةٍ، ينتظرُ ليلى. كانَ قلبهُ يخفقُ بقوةٍ، يشعرُ بأنهُ على وشكِ أنْ يواجهَ أصعبَ لحظاتِ حياتِهِ.
بعدَ دقائقَ، رأى ليلى قادمةً. كانتْ تمشي بخطواتٍ سريعةٍ، وعيناها تبحثانِ عنهُ. عندما رأتهُ، ابتسمتْ ابتسامةً جعلتْ قلبهُ يخفقُ بسرعةٍ أكبرَ.
"سامي!" نادتْهُ وهيَ تقتربُ.
"ليلى! لقدْ جئتِ." قالَ سامي، وشعرَ بالراحةِ والتوترِ معاً.
"بالطبعَ جئتُ. أريدُ أنْ أعرفَ الحقيقةَ." قالتْ ليلى، وجلستْ على مقعدٍ قريبٍ.
نظرَ سامي إليها، ونظرَ إلى عينيها الصادقتينِ، وشعرَ بأنَّهُ لا يستطيعُ أنْ يكذبَ عليها بعدَ الآنَ.
"ليلى، لقدْ كنتُ أُخفي عنكِ شيئاً. شيئاً ثقيلاً جداً." بدأَ سامي، وشعرَ بأنَّ الكلماتِ تخرجُ بصعوبةٍ.
"أعرفُ أنَّ هناكَ شيئاً." قالتْ ليلى بهدوءٍ. "ما هوَ؟"
"إنَّ والدي... لديهِ بعضُ المشاكلِ الماليةِ الكبيرةِ. كانتْ هناكَ صفقاتٌ خاطئةٌ، وديونٌ متراكمةٌ. وهوَ يحاولُ جاهداً أنْ يُصلحَ الأمورَ، ولكنَّ الوضعَ أصبحَ خطيراً جداً." قالَ سامي، وكانَ يشعرُ بأنَّهُ يتقطعُ.
اتسعتْ عينا ليلى بصدمةٍ. لمْ تتوقعْ أنْ تكونَ الأمورُ بهذا السوءِ.
"ولكنْ... لماذا لمْ تُخبرني؟" سألتْ ليلى، وقدْ شعرتْ بأنَّ الثقةَ بينَهُما بدأتْ تتصدّعُ.
"كنتُ أخشى، يا ليلى. أخشى أنْ أخسركِ. أخشى أنْ ينظرَ إليكِ والدُكِ نظرةً مختلفةً. حاولتُ أنْ أُخفّفَ عنكِ، وأنْ أُحافظَ على أملِكِ." قالَ سامي، والدموعُ بدأتْ تتجمعُ في عينيهِ.
"ولكنَّكَ لمْ تُخبرني بالحقيقةِ، يا سامي. هذا هوَ ما يؤلمُني. أنتَ لمْ تثقْ بي بما يكفي لأُشارككَ همومَكَ." قالتْ ليلى، وشعرتْ بقلبِها ينقبضُ.
"ليلى، أرجوكِ. أنا أحبُّكِ. وأنا مستعدٌ لمواجهةِ أيِّ شيءٍ معكِ. ولكنَّ والدي... قدْ تحدثَ معَ والدِكِ."
"ماذا؟" سألتْ ليلى بصدمةٍ.
"نعم. لقدْ اتصلَ بي والدي قبلَ قليلٍ، وقالَ إنَّ والدَكِ قدْ قررَ إنهاءَ الخطبةِ." قالَ سامي، وشعرَ بأنَّ العالمَ ينهارُ منْ حولِهِ.
تجمّدتْ ليلى في مكانِها. كلماتُ والدِها، وكلماتُ سامي، كلُّ شيءٍ بدأَ يتضحُ أمامَها. لقدْ كانتْ تتوقُ إلى الحقيقةِ، وها هيَ الحقيقةُ قدْ جاءتْ، أشدَّ قسوةً وأكثرَ ألماً مما كانتْ تتخيلُ.
"إذاً... كلُّ شيءٍ انتهى؟" سألتْ ليلى بصوتٍ بالكادِ يُسمعُ.
"لا أعرفُ يا ليلى. لا أعرفُ." أجابَ سامي، وشعرَ بأنَّهُ فقدَ كلَّ شيءٍ.
وقفتْ ليلى، ونظرتْ إلى سامي بنظرةٍ تحملُ الكثيرَ منَ الألمِ وخيبةِ الأملِ. لمْ تعدْ هناكَ كلماتٌ تُقالُ. لقدْ أصبحتْ مشاعرُهما، وأحلامُهما، مبعثرةً في هواءِ الحديقةِ، كأوراقٍ خريفيةٍ حملتها ريحٌ عاتيةٌ. لقدْ كانَ هذا ميثاقُ الصمتِ الجديدِ بينَهُما، ميثاقٌ لا يحملُ سوى مرارةِ الواقعِ.