حب أبدي 154
ظلال الماضي
بقلم سارة العمري
استيقظت أمينة مع أول شعاع شمس تسلل من النافذة، ولكنها لم تجد فيه الدفء الذي اعتادت عليه. كان قلبها لا يزال مثقلاً بهموم الليلة الماضية. ذهبت إلى غرفة والدها، لتجده جالساً على سجادة الصلاة، وقد انتهى من تلاوة أوراده الصباحية.
"صباح الخير يا أبي."
"صباح النور يا ابنتي. هل نمتِ جيداً؟" سأل الحاج محمود، محاولاً أن يرسم ابتسامة على وجهه، لكنها كانت ابتسامة باهتة.
"لم أستطع النوم كثيراً يا أبي. الأمر يقلقني."
تنهد الحاج محمود، وقرر أن يطمئنها قدر الإمكان، دون أن يكشف كل التفاصيل. "لا تقلقي يا ابنتي. الأمور ستتكشف. الأهم هو أن نثق بالله، وأن نأخذ بالأسباب. لقد تحدثت مع عمك أبو إبراهيم، وهو في انتظار عودة ابنه."
"وماذا قال لكم؟" سألت أمينة، وعيناها تلمعان بالأمل.
"قال إن لديه مهلة للتواصل مع ابنه. علينا أن ندعو الله أن يعود. ولكن، يجب أن نستعد لأي احتمال."
"أي احتمال يا أبي؟"
"أي احتمال يا أمينة. قد يعود، وقد لا يعود. وقد تكون عودته مصحوبة بأخبار لا ترضينا. لا يمكننا أن نضع كل بيضنا في سلة واحدة."
شعرت أمينة ببرودة تسري في جسدها. نظرت إلى أبيها، ورأت في عينيه الحزن العميق. "هل تعني... هل تعني أن خطبتي من علي قد تُلغى؟"
لم يستطع الحاج محمود أن ينكر. "إذا تصرف علي بطريقة لا ترضي الله، وتصرف بطريقة تهدر كرامة عائلتنا، فلا يمكننا أن نتهاون في الأمر يا ابنتي. ولكن، لا تستعجلي الحكم. علينا أن ننتظر."
في تلك الأثناء، كان الحاج إبراهيم، والد علي، في حالة لا يعلم بها إلا الله. كان قد قضى ليلته يتصل بكل معارفه في الخارج، يبحث عن أي أثر لابنه. لم يكن علي مجرد ابن، بل كان فلذة كبده، وسر استمراره. سمع عن ادعاءات بخصوص شرب علي، وهي ادعاءات لم يستطع استيعابها. علي، الذي تربى على حب الله ورسوله، كيف له أن يفعل ذلك؟
كان الحاج إبراهيم رجلاً صبوراً، ولكن الصبر له حدود. لقد رأى في وجه أخيه، الحاج محمود، الحزن والقلق، ورأى في عينيه عزم والده، الحاج إبراهيم، على حماية أمينة. كان يعلم أن الوقت قد نفد.
قرر الحاج إبراهيم أن يذهب بنفسه إلى بيت أخيه، الحاج محمود، في وقت مبكر. عندما وصل، وجد الحاج محمود في استقباله. كان كلاهما يبدو مرهقاً، وكأن الليل قد سرق منهما الراحة.
"أهلاً بك يا أخي"، قال الحاج إبراهيم، بنبرة فيها حرقة وندم. "لقد حاولت بكل الطرق، ولكن لم أجد أي أثر لعلي. كل الأبواب مغلقة أمامي."
"والله المستعان يا أخي"، قال الحاج محمود، متنهداً. "ولكن، ماذا عن أخبار شربه؟"
"لا أستطيع أن أجزم بذلك يا أخي. بعض الأصدقاء قالوا إنه كان مع جمال، وهذا ما جعلني أقلق. لكنني لا أستطيع أن أصدق أن علي يفعل ذلك. ربما تعرض لضغوط، ربما كان في حالة سكر، ولكن لسبب ما."
"هذا ليس تبريراً يا إبراهيم. ما فعله هو تهور. ولقد وعدت ابنتي أن أبحث عن الأفضل لها."
"وأنا أتفهم ذلك تماماً يا محمود. ولكني أرجوك، أعطني فرصة أخيرة. سأسافر بنفسي إلى حيث أعتقد أنه قد يكون. سأبحث عنه في كل مكان. أريد أن أرى وجهه، وأن أسمع منه."
"الوقت ضيق يا إبراهيم. والدي، الحاج إبراهيم، لا يقبل بالتهاون. وقد وعد بالبحث عن خيار آخر لأمينة."
شعر الحاج إبراهيم بقلبه ينقبض. كان يعلم أن والده رجل لا يرحم في قراراته عندما يتعلق الأمر بالشرف والكرامة. "سأحاول يا محمود. سأفعل كل ما بوسعي. ولكن، إذا لم أعد بنتائج مقنعة، فاسمح لي أن أقول لك: لن ألومك على أي قرار تتخذه."
كانت كلمات الحاج إبراهيم تحمل وزناً كبيراً. لقد تخلى عن موقفه، وسلم بالمسؤولية.
في هذه الأثناء، كان علي في مكان بعيد، لم يكن يعرف شيئاً عن ما يحدث. كان في مدينة أخرى، في شقة استأجرها مع صديقه جمال. لم يكن الأمر كما ظن الجميع. لم يكن في حالة سكر، ولم يكن هارباً. لقد كان في ورطة كبيرة، ولكنها ورطة لم يكن سببها التهور، بل سببها ضغوط خارجية لم يكن يتوقعها.
"جمال"، قال علي، وهو ينظر إلى صديقه الذي كان يبدو عليه القلق أيضاً. "هل أنت متأكد من أنهم لن يعثروا علينا هنا؟"
"إن شاء الله لا يا علي. لقد حرصت على أن نأتي إلى مكان لا يعرفه أحد. ولكن، هل أنت متأكد من أنك تريد فعل هذا؟"
"ليس لدي خيار آخر يا جمال. لقد أخذوا الأمانة. وإذا لم أستطع استعادتها، فإن كل شيء سيضيع. مستقبلي، مستقبل أمينة، سمعة عائلتنا."
"ولكن، ما فعلته الآن... هل تعتقد أنه الطريق الصحيح؟"
"لا أعرف. ربما هو الطريق الوحيد المتاح أمامي الآن. لقد حاولت بشتى الطرق السلمية، ولكن لم أستجب. لديهم شيء لا أستطيع أن أتحمله. شيء يخص عائلتي، شيء يخص تاريخنا."
"ولكن، أخبار سفرك... أخبار شربك... هذه ستصل إلى عائلتك."
"هذه خطة. خطة مدروسة. أردت أن أظهر لهم أنني في حالة انهيار، وأنني لست على وعي بما أفعله. لعلهم يرحمونني، أو لعلهم يتخلون عن موقفهم."
"هل تعتقد أن هذا سيجدي نفعاً؟"
"لا أدري. ولكن، ما فعله هؤلاء الأشخاص هو ما دفعني إلى هذا. إنهم يبتزونني. يبتزوننا. وهددوك أيضاً. لم أستطع أن أقف مكتوف الأيدي."
نظر علي إلى يده، ثم فركها. كانت يده ترتجف قليلاً. لقد كان الأمر كله كابوساً. لقد كان يعتقد أنه يحمي عائلته، ويحمي حبه، ولكن في نفس الوقت، كان يراهن بكل شيء.
"هل فكرت في أمينة؟" سأل جمال، بنبرة تحمل الشفقة.
"لا تتحدث عن أمينة. إنها هي السبب الذي يجعلني أتحمل كل هذا. أريد أن أتزوجها، أن أكون بجانبها. ولكن، إذا لم أستطع استعادة ما سُلب منا، فإنني لن أستطيع النظر في وجهها."
"أتمنى أن تنتهي هذه القصة بخير يا علي."
"و أنا أيضاً يا جمال. و أنا أيضاً."
في بيت الحاج محمود، كان الحوار بينه وبين أخيه الحاج إبراهيم قد انتهى. كان الحاج إبراهيم قد قرر أن يسافر فوراً. "سأذهب، يا محمود. سأبحث عن ابني، وسأحاول أن أجد حلاً. ولكن، لا تنسَ، إذا لم أعد بنتائج مقنعة، فخيارك محفوظ."
"سأنتظر يا إبراهيم. ولكن، لا تطل الغياب."
كان الوقت يمضي، وكل دقيقة كانت تمر وكأنها دهراً. كان الحاج محمود يشعر بالضغط، والترقب. لقد حان وقت اتخاذ القرارات. لقد حان وقت أن تظهر الحقائق. هل كان علي حقاً في ورطة؟ أم أنه كان فعلاً يتصرف بتهور؟ هل هناك ظلال من الماضي تلعب دوراً في هذه الأزمة؟
كانت أشعة الشمس تتغلغل في أرجاء البيت، ولكنها لم تكن تحمل معها إلا ظلالاً داكنة، وبداية فصل جديد لم يعرف أحد نهايته.