حب أبدي 154
لقاءٌ في رياضِ الأمسِ
بقلم سارة العمري
في اليومِ التالي، استيقظتْ ليلى على صوتِ العصافيرِ التي كانتْ تغردُ بألحانِها الصباحيةِ البديعةِ. الشمسُ كانتْ قدْ أشرقتْ، ملقيةً خيوطَها الذهبيةَ على أرجاءِ القصرِ. أحستْ بأنَّ جوَّ القصرِ قدْ تبدّلَ، وأنَّ هناكَ طاقةً جديدةً تسري فيهِ. لمْ يكنْ الأمرُ مجردَ زيارةِ ضيفٍ، بل كانَ حضورَ رجلٍ قدْ يغيّرُ حياةَ ابنةِ الشيخِ.
بعدَ أنْ استعدتْ، ارتدتْ ليلى ثوباً أنيقاً بلونِ السماءِ الصافيةِ، مزيناً بتطريزاتٍ فضيةٍ رقيقةٍ. نزلتْ إلى الحديقةِ، حيثُ كانتْ جدّتُها تجلسُ تحتَ شجرةِ التوتِ، تقرأُ منْ مصحفٍ قديمٍ. رائحةُ القهوةِ العربيةِ الأصيلةِ كانتْ تنتشرُ في الهواءِ، ممزوجةً بعبقِ الندى.
"صباحُ الخيرِ يا جدّتي." قالتْ ليلى، وقدْ انحنتْ لتقبِّلَ يدَها. "صباحُ النورِ يا ابنتي." ردتْ الحاجةُ فاطمةُ، وقدْ رفعتْ عينيها عنْ المصحفِ. "كيفَ حالُكِ اليومَ؟" "بخيرٍ، الحمدُ للهِ." أجابتْ ليلى. "لكنّني أشعرُ ببعضِ الاضطرابِ."
ابتسمتْ الحاجةُ فاطمةُ ابتسامةً دافئةً. "لا تقلقي يا ابنتي. خالدٌ شابٌّ طيبٌ، ووالدُكِ كانَ رجلاً حكيماً. قدْ يكونُ هذا زواجاً فيهِ خيرٌ لكِ."
في تلكَ اللحظةِ، رأوا خالدَ قادماً منْ جهةِ المدخلِ الرئيسي، يرافقهُ الشيخُ سليمان. كانَ خالدٌ يرتدي ملابسَ أكثرَ أناقةً، لكنَّها ظلتْ بسيطةً ووقورةً. كانتْ عيناهُ تبحثانِ عنْ ليلى، وعندما رآها، ابتسمَ ابتسامةً خفيفةً، تزيدُ منْ جمالِ ملامحِهِ.
"صباحُ الخيرِ." قالَ خالدٌ، وهوَ يقفُ أمامَ جدّةِ ليلى. "صباحُ النورِ يا ولدي." أجابتْ الحاجةُ فاطمةُ. "أتيتُ لأتحدثَ معَ ليلى قليلاً، إذا سمحتمْ." قالَ خالدٌ، موجهاً كلامهُ إلى الشيخِ والجدّةِ.
أومأَ الشيخُ سليمانُ برأسِهِ، ثمَّ قالَ: "تفضلوا يا أبنائي. نحنُ هنا في الحديقةِ، فلا حرجَ."
سارَ خالدٌ معَ ليلى نحو ركنٍ هادئٍ منْ الحديقةِ، حيثُ تجلسُ نافورةٌ صغيرةٌ، وحولَها ورودٌ حمراءُ زاهيةٌ. كانَ الصمتُ يسودُ المكانَ، لمْ يقطعهُ سوى صوتُ خريرِ الماءِ.
"هلْ أنتِ بخيرٍ يا ليلى؟" سألَ خالدٌ، وقدْ لاحظَ على وجهِها أثرَ القلقِ. "نعم، أنا بخيرٍ." أجابتْ ليلى، وهيَ تنظرُ إلى الوردِ. "لكنّني ما زلتُ أحاولُ استيعابَ كلِّ شيءٍ."
"أفهمُ ذلكَ." قالَ خالدٌ، وجلسَ بجانبِها على المقعدِ الحجريِّ. "لمْ أكنْ أنوي أنْ أضعَكِ في هذا الموقفَ. لكنَّ وعدَ والدي كانَ ثقيلاً على قلبي." "ما هوَ هذا الوعدُ تحديداً؟" سألتْ ليلى، وقدْ استدارتْ لتنظرَ إليهِ. "لمْ يتحدثْ أبي كثيراً عنْ هذهِ الأمورِ."
تنهدَ خالدٌ، وبدأَ يتحدثُ بصوتٍ هادئٍ ومعبّرٍ. "قبلَ أنْ يسافرَ والدُكِ في رحلتِهِ الأخيرةِ، التي لمْ يعدْ منها، كانَ يعلمُ أنَّ حالتهُ الصحيةَ ليستْ على ما يرامَ. طلبَ مني أنْ أجلسَ معهُ، ودارَ بيننا حديثٌ طويلٌ. تحدثَ عنْكِ، عنْ حبِّهِ لكِ، وعنْ خوفِهِ عليكِ بعدَ رحيلهِ. قالَ لي: 'يا خالدُ، أنتَ ابنُ عمّي، ورجلٌ صالحٌ، وأخٌ كبيرٌ لأحمدَ. أرجوُكَ، إذا حصلَ لي مكروهٌ، أنْ تكونَ لليلى السندَ والظهرَ. اعتني بها، ووفِّقْ بينَها وبينَ رجلٍ صالحٍ إذا أرادتِ الزواجَ. ولكنْ، إذا رأيتَ منها ميلاً نحوكَ، وإذا رأتْ منكِ ميلاً نحوها، فلا تترددْ في التقدمِ لخطبتِها، لتكونَ في رعايتِكَ وحمايتِكَ.'"
أصغتْ ليلى بإنصاتٍ، وقدْ بدأتْ الدموعُ تتجمعُ في عينيها. والدُها، كمْ كانَ يحبُّها، وكمْ كانَ يهتمُّ بمستقبلِها. "لمْ أفكرْ في الأمرِ جدياً في البدايةِ." تابعَ خالدٌ. "كنتُ أرى أنَّ الأمرَ أكبرُ منْ مجردِ وعدٍ. لكنَّ الأيامَ مرتْ، ورأيتُ كمْ أنتِ وحيدةٌ. وكنتُ أرى أيضاً، أنَّ فينا شيئاً مشتركاً. كنتُ أحضرُ أحياناً لزيارةِ عمّي، وكنتُ أراكِ منْ بعيدٍ، لكنَّ الحياءَ والخجلَ منعاني منْ التحدثِ إليكِ."
"ولكنَّكَ الآنَ تتقدمُ لخطبتي." قالتْ ليلى، وقدْ شعرتْ بلطفِ كلامِهِ، وبقوّةِ مشاعِرِهِ. "هذا هوَ وعدُ والدي." قالَ خالدٌ، وقدْ نظرَ إلى عينيها مباشرةً. "ولكنْ، لستُ أطلبُ منْكِ أنْ تتزوجيني بدافعِ الواجبِ أو الوعدِ. أطلبُ منْكِ أنْ تفكري في الأمرِ، وأنْ تعطي قلبَكِ فرصةً. أريدُ أنْ أعرفَكِ، وأنْ تمنحيني فرصةً لأعرفَكِ. إذا لمْ تجدي فيّ ما يرضيكِ، فسأقبلُ قرارَكِ، وسأبقى أخاكِ الكبيرَ."
كانَ حديثُ خالدٍ صادقاً، يحملُ في طياتهِ رجولةً ونبلاً. لقدْ منحَ ليلى مساحةً منْ الاختيارِ، ولمْ يفرضْ عليها شيئاً. هذا ما زادَ منْ احترامِها لهُ.
"أنا لا أعرفُكَ جيداً." قالتْ ليلى بصوتٍ متقطعٍ. "ولمْ أتخيلْ يوماً أنَّ الأمرَ سيصلُ إلى هذا الحدِّ." "وهذا هوَ السببُ في أنَّني طلبتُ فرصةً." أجابَ خالدٌ. "لنْ أضغطَ عليكِ. فقطْ، إذا سمحتِ لي، دعيني أثبتُ لكِ أنَّ هذا الوعدَ ليسَ مجردَ واجبٍ، بل هوَ بدايةُ طريقٍ قدْ يكونُ سعيداً."
نظرتْ ليلى حولَها، إلى الورودِ الجميلةِ، وإلى السماءِ الزرقاءِ الصافيةِ. شعرتْ بأنَّ غبارَ الماضي بدأَ ينقشعُ، وأنَّ هناكَ فرصةً لحياةٍ جديدةٍ. "حسناً." قالتْ ليلى، وقدْ استجمعتْ شجاعتَها. "سأمنحُكَ فرصةً. ولكنْ، يجبُ أنْ تكونَ صادقاً معي، وأنْ تكونَ الأمورُ واضحةً بيننا." "بإذنِ اللهِ." قالَ خالدٌ، وقدْ شعرَ بارتياحٍ كبيرٍ. "أعدُكِ بذلكَ. سأكونُ صادقاً بكلِّ شيءٍ."
في الأيامِ التاليةِ، بدأَ خالدٌ وليلى بالتعرفِ على بعضِهما البعضِ. كانا يتحدثانِ لساعاتٍ في الحديقةِ، أو تحتَ النجومِ. اكتشفتْ ليلى في خالدٍ عمقاً في التفكيرِ، وحكمةً في الكلامِ، وقلباً طيباً. كانَ يحكي لها عنْ حياتِهِ، عنْ طموحاتِهِ، وعنْ أحلامِهِ. وكانَ يستمعُ إليها بصبرٍ واهتمامٍ، ويشاركُها أحزانَها وآلامَها.
في إحدى الأمسياتِ، بينما كانا يجلسانِ تحتَ شجرةِ الرمانِ، نظرَ خالدٌ إلى ليلى وقالَ: "هلْ تعلمينَ يا ليلى، أنَّني عندما سمعتُ وعدَ والدي، شعرتُ بعبءٍ ثقيلٍ. ولكنْ، كلما تعرفتُ عليكِ أكثرَ، زادَ هذا العبءُ تحولاً إلى حبٍّ ورغبةٍ."
نظرتْ ليلى إليهِ، وقدْ شعرتْ بالخجلِ، لكنَّ كلماتهَ قدْ لامستْ قلبَها. "وأنا أيضاً، بدأتُ أشعرُ بشيءٍ مختلفٍ تجاهَكِ يا خالدُ."
تبادلا نظراتٍ عميقةً، نظراتٍ تحملُ الكثيرَ منْ المعاني، منْ الأملِ، ومنْ الشوقِ. كانتْ رياحُ الخريفِ تلفحُهما بلطفٍ، حاملةً معها وعداً ببدايةِ حبٍّ جديدٍ، حبٍّ يعتمدُ على الصدقِ، والاحترامِ، ووعدٍ قديمٍ.