الفصل 20 / 25

حب أبدي 154

الشاهد الصامت

بقلم سارة العمري

في ذلك الصباح، وبعد انصراف الحاج إبراهيم، جلست أمينة مع والدها في الحديقة الهادئة. كانت الزهور المتفتحة تبعث عبيرها، لكن عبيرها لم يستطع أن يزيل من قلب أمينة غصة القلق.

"أبي"، قالت أمينة بنبرة مترددة، "هل تسمح لي أن أرى جدتي؟ أظن أنها قد تعرف شيئاً."

نظر الحاج محمود إلى ابنته. كانت جدتها، الحاجة أم يوسف، سيدة فاضلة، ولكنها كانت أيضاً تحتفظ ببعض الأسرار العائلية. "لا أدري يا ابنتي. جدتك لم تتحدث عن هذا الأمر."

"ولكن أبي، هي كانت قريبة جداً من والدة علي. ربما تعرف شيئاً عن ماضيهما، أو عن سبب تصرف علي."

فكر الحاج محمود. قد يكون في كلام ابنته صواب. الحاجة أم يوسف كانت تعرف الكثير، وكانت دائماً تحاول أن تجمع بين الناس. "حسناً يا ابنتي. سنذهب لزيارتها بعد الظهر. ولكن، كوني حذرة في كلامك."

في غضون ذلك، كان الحاج إبراهيم قد بدأ رحلته. كان يتوجه إلى المدينة التي سمع أن علي قد يكون فيها. كانت رحلة شاقة، مليئة بالأفكار المتضاربة. كان قلقاً على ابنه، ولكنه كان أيضاً يشعر بالضيق من تصرفاته. كيف له أن يترك عائلته، وخطيبته، ويذهب هكذا؟

وصل الحاج إبراهيم إلى المدينة، وبدأ في البحث عن أي معلومات. سأل في الفنادق، وفي مراكز الشرطة، وحتى في الأماكن التي قد يرتادها الشباب. كان الوقت يمر ببطء، وكان الأمل يتضاءل.

في بيت الحاج محمود، ذهب الحاج محمود وأمينة لزيارة جدتها. استقبلتهم الحاجة أم يوسف بابتسامة دافئة، ولكن عينيها بدتا تحملان شيئاً من الحزن.

"أهلاً بأحفادي. تفضلوا، تفضلوا."

بعد أن جلسوا، وبدأوا في تناول القهوة، قررت أمينة أن تبدأ بالحديث. "يا جدتي، هل لديكِ أي أخبار عن علي؟"

نظرت الحاجة أم يوسف إلى أمينة، ثم إلى الحاج محمود. "لا يا ابنتي، لم أسمع منه شيئاً."

"ولكن يا جدتي"، تدخل الحاج محمود، "لقد سمعنا عن سفر علي، وعن تصرفاته... هل لديكِ أي فكرة عن السبب؟"

تنهدت الحاجة أم يوسف. "إن الماضي يحمل الكثير يا محمود. والضغوط تختلف. لقد كانت والدة علي، رحمة الله عليها، تعاني كثيراً في حياتها. وقد حملت علي بعضاً من هذا العبء."

"أي عبء يا جدتي؟" سألت أمينة، وفضولها بدأ يتغلب على قلقها.

"والدته، عندما كانت شابة، كانت تعاني من مرض نادر. وقد ساعدها رجل غريب، كان يملك علاجاً لهذا المرض، ولكنه كان يطلب ثمناً باهظاً. ثمناً لم تستطع أن تدفعه. فما كان منه إلا أن استغل ضعفها. وقد كانت هذه القصة، رغم أنها لم تكن منتشرة، تشغل بال والدة علي دائماً. وكانت تخشى أن يقع ابنها في نفس الموقف."

صُدمت أمينة. هل كان ذلك يتعلق بوالدة علي؟ "ولكن، كيف لهذا أن يؤثر على علي الآن؟"

"والدته، قبل وفاتها، تركت لعلي صندوقاً صغيراً، وقالت له: 'إذا حدث لك أي شيء، أو إذا تعرضت لضغوط، فافتح هذا الصندوق.' لقد كانت تحذره من شيء ما. وربما، يا ابنتي، علي قد وجد ما يدعوه للقلق، ووجد في هذا الصندوق ما يبرر تصرفاته."

"هل تعرفين ما هو هذا الصندوق يا جدتي؟" سأل الحاج محمود.

"لا أعرف محتواه بالتحديد، ولكنني علمت من والدته أنها تركت فيه بعض الوثائق القديمة، وبعض الأشياء التي تخص ذلك الرجل الذي استغلها."

"وكيف يرتبط هذا بعلي وسفره؟"

"ربما، يا محمود، علي وجد في هذه الوثائق ما يثبت أن ذلك الرجل، أو ورثته، لا يزالون يشكلون خطراً. وربما، سفر علي هو محاولة لحماية نفسه، أو لحماية ما لديه."

"ولكن، هل سافر لكي يبيع شيئاً؟ أو لكي يشتري شيئاً؟"

"ربما. أو ربما، سافر لكي يلتقي بشخص له علاقة بهذه القضية. لا أدري يا ابنتي، لا أدري. ولكن، أخشى أن يكون علي قد وقع في فخ. فخ نصبه له الماضي. فخ متعلق بالظلم الذي تعرضت له والدته."

شعر الحاج محمود بثقل جديد يقع على كاهله. كانت القصة معقدة، وأعمق مما تخيل. لم يكن الأمر مجرد تهور، بل كان متعلقاً بظلال الماضي، وبقصص لم تكن معروفة.

"ماذا نفعل الآن يا جدتي؟" سأل الحاج محمود.

"عليكم أن تثقوا بابنكم، ولكن بحذر. إذا كان علي قد فعل شيئاً، فليكن لوجه الله. ليحمِ نفسه، وليحمِ عائلته. وعليكم أن تصلوا. وأن تنتظروا. قد يعود علي، وقد يأتي إليكم بالحل. أو قد يأتي إليكم بالخبر الذي سيغير كل شيء."

وبينما كان الحديث دائراً، دخلت الخادمة، وقالت: "الحاج إبراهيم على الهاتف، ويريد التحدث معك يا سيد محمود."

تلقى الحاج محمود الهاتف، وشعر بقلبه يخفق بقوة. "نعم يا إبراهيم، هل وجدت شيئاً؟"

"محمود"، قال الحاج إبراهيم بصوت متوتر، "لقد وصلت إلى المدينة، وبدأت بالبحث. ولكن، هناك أخبار ليست جيدة. لقد سمعت من بعض الأصدقاء أن علي قد شوهد مع بعض الأشخاص المشبوهين، وأنهم قد يكونون متورطين في أعمال غير قانونية. وهناك أيضاً أخبار، لا أستطيع أن أجزم بصحتها، عن أن علي قد قام ببيع جزء من ممتلكاته."

تجمد الحاج محمود في مكانه. بيع جزء من ممتلكاته؟ هذا ما سمعته جدة أمينة. "هل أنت متأكد يا إبراهيم؟"

"هذا ما قيل لي. وأخشى أن يكون الأمر خطيراً. ولا أستطيع أن أجد علي. لقد اختفى."

شعر الحاج محمود ببرودة تسري في عروقه. لقد كان الأمر يتأزم، وتتضح خيوطه بشكل أكثر إثارة للقلق. كان الحاج إبراهيم في المدينة، يبحث عن ابنه، ولكن يبدو أن ابنه كان متخفياً.

"إبراهيم"، قال الحاج محمود، بصوت أصبح أكثر جديّة، "لقد تحدثت مع والدتي. لديها بعض المعلومات عن ماضِ والدتك، وعن رجل كان يستغلها. وقد تركت لوالدتك صندوقاً صغيراً فيه وثائق."

"وثائق؟" سأل الحاج إبراهيم، بصوت يحمل دهشة. "لم أكن أعلم بهذا."

"ربما، يا إبراهيم، يكون سفر علي متعلقاً بهذه الوثائق. ربما يحاول أن يحمي نفسه، أو أن يكشف عن شيء ما."

"ولكن، بيع ممتلكاته؟"

"هذا هو ما يقلقني. قد يكون ذلك إشارة إلى أنه في ورطة مالية، أو أنه يقوم بذلك لسبب معين. لا أدري."

"عليكم أن تكونوا حذرين يا محمود. إذا كان علي متورطاً في شيء، فقد تكون عواقب ذلك وخيمة. وسأستمر في البحث عنه. سأذهب إلى كل مكان، ولن أعود إلا وقد وجدت حلاً."

أنهى الحاج محمود المكالمة، ونظر إلى أمينة. كانت عيناها مليئتين بالدموع، ولكنها كانت تحاول أن تكون قوية.

"أبي"، قالت بصوت مختنق، "هل هذا يعني أن علي لم يعد هو علي الذي عرفته؟"

"لا أدري يا ابنتي. ولكن، يجب أن نثق بالله. وأن ننتظر. ربما، هذا الصندوق، وهذه الوثائق، ستكشف لنا الحقيقة."

شعر الحاج محمود بمسؤولية أكبر. لم يكن الأمر يتعلق بزواج ابنته فقط، بل بشيء أعمق، بشيء متعلق بتاريخ العائلة، وبأسرار دفينة. كانت ظلال الماضي تتجسد أمامهم، وتؤثر على مستقبلهم. هل سيتمكنون من كشف هذه الظلال، أم أنها ستلتهمهم؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%