حب أبدي 154
همساتٌ في سكونِ الليلِ
بقلم سارة العمري
كانتْ ليالي الخريفِ قدْ ازدادتْ برودتَها، لكنَّ الدفءَ بدأَ يتسللُ إلى قلبِ ليلى. لمْ تعدْ تلكَ الفتاةَ القلقةَ والمترددةَ. لقدْ بدأتْ تلمسُ في خالدٍ ما لمْ تتوقعْ أنْ تجدهُ في رجلٍ. لمْ يكنْ مجردَ شخصٍ جاءَ لينفذَ وعداً، بل كانَ رجلاً يبني جسراً منَ الثقةِ والاحترامِ نحو قلبِها.
في إحدى الليالي، حيثُ كانَ القمرُ بدراً كاملاً، ساطعاً كجوهرةٍ في سماءٍ مخمليةٍ، قررَ خالدٌ أنْ يمضي وقتاً أطولَ معَ ليلى. كانا جالسينِ في الشرفةِ المطلةِ على الحديقةِ، يستمعانِ إلى صدى أغاني الليلِ التي تصدحُ منْ مكانٍ بعيدٍ.
"ليلى." بدأَ خالدٌ، وقدْ بدا صوتُهُ أعمقَ منْ المعتادِ. "أشعرُ بأنَّني كلَّما عرفتُكِ أكثرَ، كلَّما زادَ حبي لكِ." ابتسمتْ ليلى، وشعرتْ بخفقانٍ متسارعٍ في صدرِها. "وأنا أيضاً يا خالدُ. لمْ أتخيلْ أنَّ هذا الوعدَ سيحملُ لي كلَّ هذا السعادةَ."
"إنَّهُ ليسَ وعداً فقطْ يا ليلى." قالَ خالدٌ، وقدْ استدارَ ليواجهَها. "إنَّهُ بدايةُ قصةٍ. قصةُ حبٍّ بينَ رجلٍ وامرأةٍ، قصةٌ سنكتبُ فصولَها معاً." تنهدتْ ليلى، وقدْ شعرتْ بصدقِ كلماتهَ. "ولكنْ، كيفَ ستكونُ هذهِ القصةُ؟"
"ستكونُ قصةَ وفاءٍ." قالَ خالدٌ. "وفاءٌ لوعدِ والدي، ووفاءٌ لقلوبِنا. ستكونُ قصةَ تفهمٍ، نتقاسمُ فيها أفراحَنا وأحزانَنا. وسنحرصُ دائماً على أنْ تكونَ في طاعةِ اللهِ ورضاهُ."
تأملتْ ليلى وجهَ خالدٍ تحتَ ضوءِ القمرِ. رأتْ فيهِ براءةَ الأطفالِ، وقوةَ الرجالِ، وحكمةَ الشيوخِ. شعرتْ بأنَّ هذا هوَ الرجلُ الذي تتمناهُ، الرجلُ الذي تستطيعُ أنْ تبني معهَ حياةً كريمةً وهنيةً.
"أنا أثقُ بكَ يا خالدُ." قالتْ ليلى بصوتٍ هامسٍ. "وأشعرُ بأنَّ قلبي يميلُ إليكَ."
لمْ يستطعْ خالدٌ إخفاءَ سعادتهِ. لقدْ كانتْ هذهِ اللحظةُ هيَ التي ينتظرُها. لمْ يجرؤ على لمسِ يدِها، فقدْ كانَ ملتزماً بالحدودِ الأخلاقيةِ. لكنَّ نظراتِهما كانتْ كافيةً لتعبرَ عنْ الكثيرِ.
"هلْ تسمحينَ لي يا ليلى، أنْ أتحدثَ معَ جدّتِكِ وجدِّكِ؟" سألَ خالدٌ، وقدْ ارتسمَ الأملُ على وجهِهِ. "أودُّ أنْ أطلبَ يدَكِ رسمياً." ابتسمتْ ليلى، وقدْ شعرتْ بالفرحِ يغمرُ قلبَها. "نعم يا خالدُ. تفضلْ."
في صباحِ اليومِ التالي، اجتمعَ الشيخُ سليمانُ والحاجةُ فاطمةُ معَ خالدٍ. كانَ خالدٌ قدْ جهزَ حديثهُ، وحكى لهما عنْ وعدِ والدهِ، وعنْ مشاعرِهِ المتزايدةِ تجاهَ ليلى. وقدْ أبدتْ ليلى موافقتها الواضحةَ والقلبيةَ.
"نحنُ موافقونَ يا بني." قالَ الشيخُ سليمانُ، وقدْ بدا الرضا على وجهِهِ. "فليكنْ زواجٌ مباركٌ بإذنِ اللهِ." "ونحنُ نسألُ اللهَ أنْ يجعلهُ زواجاً سعيداً وموفقاً." أضافتْ الحاجةُ فاطمةُ، وهيَ تنظرُ إلى ليلى بعينينِ تلمعانِ بالدموعِ.
كانَ الإعلانُ عنْ خطوبةِ ليلى وخالدٍ خبرَ فرحٍ في القصرِ. بدأتْ التحضيراتُ تتمُّ على قدمٍ وساقٍ. لمْ تكنْ ليلى مجردَ عروسٍ، بل كانتْ امرأةً شابةً وجدتْ في خطيبِها سنداً وحبّاً.
في أحدِ الأيامِ، وبينما كانتْ ليلى تساعدُ جدّتَها في اختيارِ الأقمشةِ للفساتينِ، سألتْها: "يا جدّتي، هلْ تعتقدينَ أنَّ هذا الزواجَ سيكونُ سعيداً؟" ابتسمتْ الحاجةُ فاطمةُ، وقالتْ: "يا ابنتي، السعادةُ ليستْ في الزواجِ فقطْ، بل في اختيارِ الرجلِ الصالحِ، وفي بناءِ بيتٍ على طاعةِ اللهِ. ورؤيتي لخالدٍ، ورؤيتي لقلبِكِ، تجعلني أقولُ إنَّ هذا الزواجَ سيكونُ مباركاً بإذنِ اللهِ."
مرتْ الأيامُ بسرعةٍ، وكانَ خالدٌ وليلى يزدادانِ قرباً. كانا يتقابلانِ في لقاءاتٍ شرعيةٍ، تحتَ أنظارِ جدَّتِها، يتحدثانِ عنْ مستقبلهما، وعنْ أحلامِهما. كانَ خالدٌ يحرصُ على أنْ يعطي ليلى كلَّ الوقتِ والاهتمامِ، وأنْ يراها سعيدةً.
في أحدِ تلكَ اللقاءاتِ، وبينما كانا يتحدثانِ عنْ بيتِهما المستقبليِّ، قالَ خالدٌ: "أريدُ أنْ أبني لكِ بيتاً كبيراً، فيهِ كلُّ ما تحتاجينهُ. أريدُ أنْ يكونَ ملاذاً آمناً لكِ." ابتسمتْ ليلى، وقدْ شعرتْ بالامتنانِ. "أنا لا أحتاجُ إلى بيتٍ كبيرٍ يا خالدُ. كلُّ ما أحتاجهُ هوَ قلبُكَ، وحبُّكَ."
ضحكَ خالدٌ، وقدْ انحنى ليأخذَ بيدِها، بحياءٍ واحترامٍ. "وبقلبِكِ يا ليلى، يمكنُنا أنْ نبني قصراً."
تلكَ الهمساتُ، وتلكَ النظراتُ، وذلكَ الشعورُ المتزايدُ بالحبِّ، كلُّها كانتْ تبني أساساً متيناً لزواجِهما. كانتْ ليلى تشعرُ بأنَّها محظوظةٌ، وأنَّ القدرَ قدْ رسمَ لها أجملَ القصصِ. قصصٌ تبدأُ بوعدٍ، وتنمو بحبٍّ صادقٍ، وتكتملُ بزواجٍ مباركٍ.