الفصل 5 / 25

حب أبدي 154

وهج الشوق في عين الراغب

بقلم سارة العمري

وقف إياس أمام المرآة، يحدق في انعكاسه شارد الذهن. لم تكن الصورة هي ما استرعى انتباهه، بل ذلك الفراغ الذي خلفته غيابها، فراغٌ يتسع ويتعمق كلما غاب طيفها عن بصره. كانت ليالي الأرق قد أصبحت رفيقه الدائم، تتسلل إلى روحه كالدخان، تترك خلفها رماداً من القلق والاشتياق. ذاك العطر، الذي كان يملأ أرجاء الشقة كلما وطئت قدماها أرضها، أصبح الآن مجرد ذكرى عطرة تتسلل إليه في خلواته، تزيد من لوعة قلبه.

تذكر أول لقاء لهما، حينما التقت عيناهما في زحام السوق الشعبي، كانت ابتسامتها كنور الشمس يخترق غيوم السماء، تشرق على روحه المتعبة. لم يكن يعلم حينها أن تلك النظرة العابرة ستكون بداية رحلة طويلة، رحلة البحث عن السعادة في دروب الحب الحلال، الذي تمنعه تقاليد العائلة ورغبة الأب في تزويجه من ابنة عمه. كان يعلم أن قلبه اختار، واختياره هذا كان كالشوك الذي يغرز في جسد علاقته مع أهله.

في تلك الليلة، كان القدر قد ألقى بظلاله الداكنة على أحلامه. والدته، السيدة فاطمة، استدعته إلى غرفة الجلوس. كان وجهها يعكس ثقلاً لا تتحمله الأكتاف، وفي عينيها بريقٌ لم يعهده فيها من قبل، بريقٌ يشي بخبرٍ جلل. "إياس يا بني"، بدأت بصوتٍ مرتعش، "والدك يريد أن يحدد موعد خطبتك من ابنة عمك، سارة".

ارتعش جسده كله. سارة. ابنة عمه، الفتاة التي عرفها منذ الطفولة، والتي لا تجمعها به سوى صلة القرابة. لم يشعر تجاهها بأي شعورٍ يتجاوز حدود الاحترام المعتاد بين أفراد العائلة. كيف له أن يوافق على زواجٍ لا ينبع من القلب، زواجٍ يسحق فيه مشاعره ويدفن أحلامه؟

"أمي"، قال إياس بصوتٍ حاول أن يجعله قوياً، "أنا لا أريد الزواج من سارة".

ابتسمت والدته ابتسامة باهتة، وكأنما كانت تتوقع هذه الإجابة. "أعلم يا بني، أعلم. ولكن والدك مصمم. لقد وعد جدك قبل وفاته أن يزوجك من سارة، وهذا وعدٌ لا يمكن لأبيك أن يخلفه. إنها مسألة شرفٍ ووفاء".

كانت كلمات والدته كالصواعق. شرف؟ وفاء؟ أين كان الشرف والوفاء حينما يتعلق الأمر بسعادته؟ شعر إياس بأن قلبه يتصدع. كان يعرف أن والده، السيد أحمد، رجلٌ عنيدٌ لا يلين، وأن كلمته هي القانون في هذا المنزل.

"ولكن يا أمي، قلبي ليس معها. إنها ليست الفتاة التي أحببتها".

تدخلت والدته بحزمٍ أكبر، ولكن برفقٍ في نفس الوقت. "الحب يا بني يأتي بالزواج، وبالمعاشرة الطيبة. سارة فتاةٌ صالحة، وهي ابنة عمك. ستكون زوجةً وفيةً لك، وستكون سنداً لأهلك. أرجوك يا إياس، فكر في والدك، فكر في عائلتنا".

كان إياس يشعر بالاختناق. كان الصراع يمزقه من الداخل. من جهة، واجبه تجاه والده وعائلته، ومن جهة أخرى، قلبه الذي اختار. لقد التقى بحور، الفتاة التي رأى فيها النور الذي افتقده. حور، الفتاة التي كانت تعمل في المكتبة العامة، والتي شاركته شغفه بالقراءة والأدب. كان لقاؤهما صدفةً جميلة، بدأ بتبادل الكتب، ثم تبادل الأحاديث، ثم تبادل النظرات التي تحمل أعمق المعاني.

كانت حور تختلف عن كل الفتيات اللاتي عرفهن. كانت تمتلك روحاً شفافة، وعقلاً راجحاً، وقلباً طيباً. كان حديثها عن الكتب والأحلام ينساب برقة، وكان صمتها يحمل معاني أبلغ من أي كلام. كان إياس يشعر معها بالأمان، بالسلام، وبالحب الذي يبحث عنه.

لكن كيف يمكن له أن يشرح لوالده أن قلبه اختار فتاةً من عامة الناس، بينما كان والده يخطط لزواجه من ابنة عمه، ابنة العائلة العريقة؟ كان يعلم أن هذه العائلة، التي تتمسك بتقاليدها القديمة، لن تقبل أبداً بزواجٍ كهذا.

"ولكن يا أمي، أنا لا أشعر تجاه سارة بأي شيء. كيف يمكن أن أبني حياةً على أساسٍ لا يوجد فيه حب؟"

نظرت والدته إليه بعينين مليئتين بالشفقة. "الحب يأتي يا بني. وبالزواج، وبالمسؤولية. أنت رجلٌ، وعليك أن تتحمل مسؤولياتك. والدك سيشعر بخيبة أملٍ كبيرة إن رفضت. هذا الأمر يتعلق بسمعة العائلة أيضاً".

كانت هذه الكلمة الأخيرة، "سمعة العائلة"، هي المفتاح الذي كان والد إياس دائماً ما يستخدمه لفتح كل الأبواب المغلقة، ولإغلاق كل النقاشات. شعر إياس بأن حبل الحياة يضيق حول عنقه. كان يشعر بأن والدته، التي يحبها ويحترمها، لا تفهم عمق الألم الذي يعيشه.

"هل تحدثتِ مع أبي؟ هل شرحتِ له أن قلبي ليس مع سارة؟" سأل إياس بصوتٍ خفيض.

تنهدت والدته بحزن. "لقد حاولت يا بني. ولكن والدك لديه كلمته، وكلمته لا تتغير. هو يرى أن زواجك من سارة هو الأنسب لعائلتنا، وللمستقبل. أرجوك يا إياس، لا تجعل الأمر يصل إلى خلافٍ كبير بينك وبين والدك. العائلة أهم من أي شيء آخر".

شعر إياس بأن خياراته بدأت تتقلص. كان يعلم أن مواجهة والده مباشرةً ستكون معركةً خاسرة. كان والده يملك سلطةً مطلقة في المنزل، وكان إياس دائماً ما يطيعه ويحترمه. لكن هذه المرة، كان الأمر مختلفاً. كانت هذه المرة تتعلق بسعادته، بحياته، وبمستقبله.

جلس إياس على كرسيٍ قريب، غارقاً في بحرٍ من الأفكار المتضاربة. هل يجب عليه أن يضحي بسعادته من أجل العائلة؟ هل يجب عليه أن يتخلى عن حبه، عن حلمه، من أجل إرضاء والده؟ كانت تلك الأسئلة تنهش روحه، وتترك آثاراً عميقة في قلبه.

تذكر حور مرة أخرى. ابتسامتها البريئة، نظراتها الصادقة، حديثها العذب. كيف يمكن له أن يتخلى عن كل هذا؟ كان يشعر بأن حبه لحور هو هبةٌ من السماء، هديةٌ يجب أن يتمسك بها.

"أمي"، قال بصوتٍ فيه عزمٌ جديد، "أنا لن أستطيع الزواج من سارة. قلبي ليس معها. وأنا أعرف أن الحب الحقيقي هو أساس الزواج السعيد. إن أصر والدي، فسأضطر للبحث عن حلٍ آخر".

نظرت إليه والدته بدهشةٍ وخوف. "حلٌ آخر؟ ما هو هذا الحل يا بني؟ هل تفكر في ترك المنزل؟ هل تفكر في تحدي والدك؟"

"لا يا أمي"، قال إياس بهدوء، "لكنني لن أتزوج شخصاً لا أحبه. الحب ضروريٌ لي. أرجوكِ، حاولي أن تفهمي موقفي. حاولي أن تشرحي لوالدي أن زواجي من سارة سيكون تعيسًا لي، ولها أيضاً".

شعرت والدته بالضعف أمام إصراره. رأت في عينيه عزيمةً لم ترها من قبل. كانت تعلم أن إياس شابٌ طيبٌ وتقي، وأن كلامه هذا نابعٌ من صدقٍ وإيمان. لكنها كانت تخشى رد فعل زوجها.

"سأتحدث معه مرة أخرى يا بني"، قالت والدته بصوتٍ حزين. "ولكن لا تتوقع الكثير. والدك رجلٌ لديه مبادئه، ومبادئه صلبةٌ كالجبال".

ترك إياس والدته جالسةً وحدها، تشرب فنجان الشاي بيديها المرتعشتين. كان يعرف أن المعركة لم تنتهِ بعد. كانت مجرد البداية. وكان يعلم أن طريقه سيكون صعباً، مليئاً بالعقبات والتحديات. لكن شيئاً في داخله كان يخبره بأن هذا الطريق، رغم صعوبته، هو طريقه الوحيد نحو السعادة الحقيقية. سعادةٌ لا تنبع إلا من الحب الصادق، الحب الذي يرضاه الله.

بينما كان إياس يتجه إلى غرفته، كانت عيناه تجولان في الصور القديمة المعلقة على الجدران. صورٌ تجمع العائلة في مناسباتٍ مختلفة. في كل صورة، كان يرى وجوه أجداده، آبائه، وأعمامه. كانوا جميعاً جزءاً من هذه العائلة، جزءٌ من هذا النسيج الاجتماعي الذي يحاول والده الحفاظ عليه. لكن أحياناً، تتطلب الحياة أن تتجاوز هذه الحدود، وأن تبحث عن السعادة في مكانٍ آخر، في طريقٍ قد لا يكون ممهداً، ولكنه يضمن لك السكينة والأمان.

ارتفعت يده لتتحسس قلبه. كان ينبض بقوة، بقوةٍ تحمل مزيجاً من الحب والخوف، من الأمل واليأس. كان يعلم أنه على مفترق طرق. طريقٌ يرضي فيه والده، ويضحي بسعادته، وطريقٌ يتبع فيه قلبه، ويواجه فيه عواقب اختياره. كانت اللحظة فاصلة، لحظةٌ ستحدد مسار حياته لعقودٍ قادمة.

في الخارج، كانت السماء قد أرخت سدول الليل، واحتضنت المدينة بظلامها. ولكن في قلب إياس، كان هناك نورٌ خافت، نورٌ يشع من ذكرى حور، نورٌ يدفعه للمضي قدماً، رغم كل الصعاب. لم يكن يعلم ما الذي سيحدث غداً، ولكنه كان متأكداً من شيءٍ واحد: لن يتخلى عن حبه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%