حب أبدي 154
ضباب الشك يخيم على الوعد
بقلم سارة العمري
وقفت حور عند نافذة غرفتها، تراقب بصمتٍ قطرات المطر وهي ترسم خطوطاً متعرجة على زجاج النافذة. كل قطرة كانت تحمل معها همساً، همساً يحمل ذكرى إياس. كانت الأيام تمر ببطءٍ شديد، وكل يومٍ يمر يزداد اشتياقها إليه. لم يكن هذا الاشتياق مجرد رغبةٍ عابرة، بل كان شعوراً عميقاً ينسج خيوطه حول قلبها، يملأ كيانها بحنينٍ لا يوصف.
تذكرت تلك المحادثات الطويلة التي كانت تجمعهما في ركنٍ هادئٍ بالمكتبة، أحاديثهما عن الكتب، عن الحياة، عن أحلامهما المستقبلية. كان إياس يمتلك روحاً نقية، وقلباً كبيراً، وعيناً ترى الجمال في أبسط الأشياء. كان حديثه عن الأدب، عن الشعر، عن الفلسفة، ينساب كالنهر الهادئ، يروي عطش روحها. كان يشاركها أحلامه، ويعطيها الأمل، ويجعلها تشعر بأنها قادرةٌ على تحقيق المستحيل.
في أحد الأيام، وبينما كانا يتناقشان حول روايةٍ لنجيب محفوظ، قال لها إياس بجديةٍ مفاجئة: "حور، أنا أشعر معكِ بشيءٍ لا أشعر به مع أحدٍ آخر. أنتِ تملكين شيئاً يضيء حياتي، شيئاً يجعلني أرغب في أن أكون أفضل".
كانت تلك الكلمات قد أحدثت في قلبها زلزالاً لطيفاً. لم تكن تتوقع منه اعترافاً كهذا، خاصةً في ظل ظروفه العائلية المعقدة التي كان قد لمح إليها في أحاديثهما. كانت تعلم أن والد إياس رجلٌ معروفٌ ومحافظ، وأن عائلته تتمسك بتقاليدها. كانت تخشى أن يكون هذا الحب مجرد حلمٍ جميل، قد يتبخر مع أول نسمةٍ من الواقع.
"وأنا أشعر معك بنفس الشيء يا إياس"، قالت حور بصوتٍ خفيض، وقلبها يخفق بقوة. "أنت تجعلني أشعر بالأمان، بالتقدير، وأنني أستحق هذا الحب".
لم تسعفهما الظروف للقاءٍ مطولٍ في تلك الفترة، فقد كان إياس مشغولاً ببعض الأمور العائلية. ولكنها كانت تشعر بأنهما مرتبطان بروحهما، وبأنهما يسيران في طريقٍ واحد، طريقٌ قد يكون محفوفاً بالمخاطر، ولكنه طريقٌ يحمل وعداً بالسعادة.
ولكن في الآونة الأخيرة، بدأ إياس يتصرف بغرابة. أصبحت مكالماته الهاتفية قصيرةً ومتوترة، ورسائله النصية تحمل نبرةً من القلق. كان يتهرب من لقائهما، ويختلق الأعذار. في كل مرةٍ تسأله فيها عن حاله، كان يجيب بكلماتٍ عامة، لا تكشف عن شيءٍ حقيقي.
"هل كل شيءٍ على ما يرام يا إياس؟" سألت حور في آخر مكالمةٍ بينهما، وقد شعرت بأن شيئاً ما يزعجه بشدة.
"نعم، كل شيءٍ على ما يرام يا حور. فقط بعض الأمور العائلية التي تتطلب اهتمامي".
"ولكنك تبدو قلقاً. هل هناك شيءٌ يمكنني فعله؟"
تردد إياس لبرهة. "لا شيء يا حور. فقط... احتاج بعض الوقت لأفكر".
كانت تلك الكلمات كافيةً لتشعل فتيل الشك في قلب حور. هل ربما كان إياس يتجنبها؟ هل ربما كان يشعر بالندم على ما حدث بينهما؟ هل ربما كان هذا الحب مجرد وهمٍ جميلٍ سيتبدد قريباً؟
بدأت الأفكار السلبية تتسلل إلى عقلها كالأفاعي. كانت تتذكر كيف كان والده يسعى لتزويجه من ابنة عمه. هل ربما كان والده قد أجبره على ذلك؟ هل ربما كان إياس يمتلك التزاماً تجاه تلك الفتاة؟
في إحدى الليالي، وبينما كانت حور تتصفح الإنترنت، صادفت خبراً عن حفلٍ كبيرٍ لزفافٍ قادمٍ لأحد كبار رجال الأعمال في المدينة. لم تكن تهتم بالأخبار الاجتماعية عادةً، ولكن اسم العائلة التي كان الخبر عنها قد لفت انتباهها. كانت عائلة إياس. وقرأت الخبر كاملاً، قلبها يتجمد مع كل كلمة. كان الخبر يتحدث عن خطبةٍ رسميةٍ ستتم خلال أيام، بين إياس، ابن السيد أحمد، وبين سارة، ابنة السيد خالد، أحد أقرباء السيد أحمد.
شعرت حور وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتها. كيف؟ كيف يحدث هذا؟ ألم يكن إياس قد قال لها أنه يحبها؟ ألم يكن قد تحدث عن مستقبلٍ يجمعهما؟ هل كانت كل تلك الأحاديث مجرد أكاذيب؟
عادت بها الذاكرة إلى تلك اللحظات الجميلة التي قضتها مع إياس. ابتسامته، كلماته، نظراته. هل كانت كلها مجرد تمثيل؟ هل كان يستخدمها لإثبات شيءٍ ما لعائلته؟
بدأت الدموع تنهمر من عينيها بلا توقف. لم تكن تبكي على فقدانه فقط، بل كانت تبكي على ثقتها التي تم سحقها، وعلى أحلامها التي تبخرت. كانت تشعر بأنها قد تعرضت للخيانة، وأن قلبها قد تم كسره.
في تلك الليلة، لم تستطع حور النوم. ظلت مستيقظة، تتأرجح بين مشاعر الحزن والغضب والارتباك. كانت تحاول أن تجد تفسيراً منطقياً لما حدث، ولكن كل شيءٍ كان يبدو ضبابياً وغامضاً.
في صباح اليوم التالي، قررت حور أن تواجه إياس. لن تسمح له بالهرب من مسؤولياته، أو من مشاعره. ستقول له كل ما في قلبها، وستبحث عن الحقيقة.
اتصلت به، ولكن هاتفه كان مغلقاً. حاولت مرةً أخرى، ولكن لا استجابة. شعرت بيأسٍ شديد. هل كان يتجنبها عمداً؟
ثم تذكرت شيئاً. في آخر مرةٍ التقيا فيها، كان إياس قد ذكر لها عن مكانٍ هادئٍ جداً يتردد عليه، في أطراف المدينة، بعيداً عن ضوضاء الحياة. كان مكاناً يحبه ويجد فيه صفاءً ذهنياً.
قررت حور أن تذهب إلى هناك. ربما تجده، وربما تجد عندها القدرة على فهم ما يحدث.
سارت حور في الطريق، وهي تشعر ببردٍ يتسلل إلى عظامها، بردٌ لا يعكسه الطقس فقط، بل يعكس برود القلب الذي تشعر به. كل خطوةٍ كانت تثقلها، وكل نسمةٍ هواءٍ كانت تحمل معها رائحة الشك والخوف.
وصلت أخيراً إلى المكان. كان عبارة عن بيتٍ صغيرٍ منعزل، يقع على تلةٍ مطلةٍ على منظرٍ طبيعيٍ خلاب. لم يكن هناك أحدٌ سوى صمتٍ عميقٍ، لا تقطعه سوى حفيف الأشجار.
رأت إياس جالساً على الشرفة، شارد الذهن، ينظر إلى الأفق. كان يبدو متعباً، كأنما يحمل عبئاً ثقيلاً على كتفيه.
اقتربت منه بخطواتٍ مترددة. "إياس؟"
التفت إياس نحوها، وقد بدت عليه علامات الدهشة. "حور؟ ما الذي تفعلينه هنا؟"
كان صوته يحمل شيئاً من الارتباك، وشيئاً من الحزن.
"لقد حاولت الاتصال بك، ولكن هاتفك كان مغلقاً. سمعت عن... سمعت عن خطبتك". قالت حور بصوتٍ متقطع، بينما كانت عيناها تبحثان عن أي دليلٍ في عينيه.
ظهر على وجه إياس تعبيرٌ مرير. "حور، أنا... أنا آسف".
"آسف؟" كررت حور، وقد بدأت الدموع تتجمع في عينيها مرةً أخرى. "آسف على ماذا؟ على خداعك لي؟ على كسر قلبك؟"
"لا، ليس هذا. الأمر أعقد من ذلك بكثير".
"أعقد؟" قالت حور بحدة. "هل هناك شيءٌ أعقد من أن تخطط للزواج من فتاةٍ أخرى وأنت تخبر فتاةً أخرى بأنك تحبها؟"
"حور، اسمعيني. لقد أُجبرت على هذا. والدي... والدي مصممٌ على أن أتزوج سارة، ابنة عمي".
"وأنت؟ أين مشاعرك؟ أين حبك؟"
"حبي لكِ هو الحقيقة الوحيدة يا حور. ولكن عائلتي... تقاليدهم... واجبي تجاه والدي..."
"واجب؟ هل هذا هو الواجب؟ أن تكسر قلب فتاةٍ أحبتك؟ أن تخون وعدك؟"
"لا، ليس هكذا. أنا أحاول إيجاد حلٍ... أرجوكِ، امنحيني بعض الوقت".
"وقت؟" قالت حور بمرارة. "الوقت الذي كنت فيه تبني أحلاماً معي، كنت تخطط لزواجك من أخرى. لا، إياس. لم يعد هناك وقت. لقد فقدت ثقتي بك".
نهضت حور، وقلبها ينزف. "أتمنى لك كل التوفيق يا إياس. وأتمنى أن تجد السعادة في حياتك الجديدة. ولكن تأكد أنك تركت خلفك قلباً محطماً".
قبل أن يتمكن إياس من الرد، استدارت حور وركضت مبتعدة، تاركةً إياه واقفاً وحيداً، تحت وطأة ثقل قراراته، ومع ضباب الشك الذي خيّم على وعده.