الفصل 7 / 25

حب أبدي 154

غياهب الحيرة تبتلع الرغبة

بقلم سارة العمري

جلست حور في غرفتها، والفراغ يلتهم كل زاويةٍ فيها. كانت أصابعها ترتجف وهي تمسك بكوب الشاي البارد، وكأنها تبحث عن دفءٍ غاب عنها إلى الأبد. لم يكن الصمت في الغرفة مجرد غيابٍ للصوت، بل كان صدىً لألمٍ عميقٍ يعصف بداخلها. كلما أغمضت عينيها، عادت بها الذاكرة إلى وجه إياس، إلى نظراته المترددة، إلى كلماته التي بدت كقشةٍ يائسةٍ حاول التمسك بها.

"لقد أُجبرت على هذا..." هل كانت تلك كلمات رجلٍ يحب؟ أم كلمات رجلٍ يبحث عن مخرجٍ لأزمةٍ وضع نفسه فيها؟ كانت حور تكره أن تظلم أحداً، ولكن شعور الخيانة كان أقوى من أي تسامح. كيف يمكن أن تثق برجلٍ يمكن أن يتخلى عن حبه، عن وعوده، تحت وطأة ضغطٍ خارجي؟

في غضون ذلك، كان إياس يعيش صراعاً داخلياً لا يقل قسوة. كانت رؤية حور، وجهها الحزين، وعينيها التي امتزج فيها الألم باللّوم، تطارده في كل لحظة. لقد شعر بأن كلماته لم تكن كافيةً لتبرير موقفه، وأن اعتذاره بدا واهياً أمام حجم الألم الذي سببه.

عاد إلى منزل العائلة، وكان وجه والده، السيد أحمد، لا يخلو من عبوسٍ دائم. كان والده يعتقد أن إياس قد وافق على خطبته من سارة، ولم يكن لديه أدنى شكٍ في ذلك. كانت رائحة البخور تفوح في أرجاء المنزل، ورائحة الأمل الممزوج بالقلق تملأ الأجواء.

"إياس، عدت أخيراً"، قال والده بصوتٍ خالٍ من أي دفء. "كنت أتوقع أن تكون قد أنهيت كل استعداداتك. غداً سنتحدث مع والد سارة لتحديد الموعد النهائي للخطبة".

شعر إياس بأن الأرض تدور به. كيف يمكن لوالده أن يتحدث عن الموعد النهائي للخطبة، بينما كان قلبه ينزف ألماً على حور؟ "أبي، أرجوك، أحتاج أن أتحدث معك في أمرٍ هام".

نظر إليه والده بعينين تحملان امتعاضاً. "ما هو الأمر يا إياس؟ ألم نتفق على هذا؟"

"لا يا أبي، لم نتفق. أنا لم أوافق على هذه الخطبة. لم أوافق على الزواج من سارة".

كانت ردة فعل والده كالصاعقة. ارتفعت حدة صوته، وعلامات الغضب بدأت ترتسم على وجهه. "ماذا قلت؟ هل جننت يا إياس؟ هل نسيت وعد جدك؟ هل نسيت سمعة عائلتنا؟"

"يا أبي، أنا أحترمك وأقدرك، ولكن لا يمكنني أن أتزوج شخصاً لا أحبه. هذا ضد مبادئي، وضد قيمي".

"قيمك؟ ما هي قيمك يا إياس؟ هل قيمك أهم من سمعة العائلة؟ من قسم جدك؟"

"يا أبي، الحب هو أساس الزواج السعيد. لا يمكن أن أبني حياةً على أساسٍ وهمي. أنا أحب فتاةً أخرى، وأريد أن أتزوجها".

كان الاعتراف الأخير بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. اشتعل غضب والده. "أتحب فتاةً أخرى؟ من هي هذه الفتاة؟ هل هي من طبقةٍ أدنى؟ هل هي من تلك العائلات التي لا تعرف أصولها؟"

"إنها فتاةٌ صالحةٌ ومحترمة يا أبي، وهي كل ما أتمناه في شريكة حياتي".

"محترمة؟ وصالحة؟ هل هذا يكفي؟ هل نسيت من أنت يا إياس؟ هل نسيت عائلتك؟ هل نسيت أنك ستكون مسؤولاً عن هذه العائلة يوماً ما؟"

كانت الكلمات تنهال على إياس كالنار، ولكنه حاول أن يحافظ على هدوئه. "يا أبي، أرجوك، اسمعني. أنا أعرف مسؤوليتي، ولكن المسؤولية لا تعني التخلي عن سعادتي".

"سعادة؟ سعادتك في إرضاء والدك، وفي الحفاظ على اسم عائلتك. هذه هي السعادة الحقيقية. أما هذا الحب الذي تتحدث عنه، فهو مجرد نزوةٍ عابرة".

"يا أبي، هذه ليست نزوة، بل هو حبٌ صادق. أرجوك، دعني أتزوج من حور".

"حور؟ ما هذا الاسم الغريب؟ لا، إياس. لن يحدث هذا. سارة هي ابنة عمك، وهي من العائلة. هذا هو القدر، وهذا هو ما يجب أن يحدث".

كان والد إياس مصرّاً على موقفه، ولم يكن هناك أي سبيلٍ لتغييره. شعر إياس بأن حياته قد انقلبت رأساً على عقب. كان عالقاً بين نارين: نار غضب والده، ونار قلبه الذي ينبض بحب حور.

في تلك الليلة، لم ينم إياس. ظل يفكر في حور، في حزنها، وفي كلماتها. هل كان قد اتخذ القرار الصحيح عندما تركها؟ هل كان قد أخطأ عندما حاول أن يشرح لوالده؟

في غضون ذلك، كانت حور قد غمرتها موجةٌ من اليأس. لم تعد تستطيع أن تفكر في أي شيءٍ سوى الألم. كان لديها عرضٌ للسفر للدراسة في الخارج، فرصةٌ كانت قد رفضتها من قبل، لأنها كانت تأمل في مستقبلٍ مع إياس. الآن، بدت تلك الفرصة كمنقذٍ وحيدٍ لها.

اتصلت بها صديقتها المقربة، لبنى، التي كانت تعلم بكل قصة حبها لإياس. "حور، سمعت عن كل ما حدث. أنا آسفة جداً. هل أنتِ بخير؟"

"لا يا لبنى، لست بخير. لقد تدمر كل شيء."

"هل ما زلت تفكرين في إياس؟"

"لا أعرف. لا أعرف ماذا أفكر. ولكنني أشعر بأنني فقدت كل شيء."

"حور، تذكري أن لديكِ فرصةً للسفر. إنها فرصةٌ رائعةٌ لكِ. ربما يكون هذا هو الحل الوحيد أمامك لتتجاوزي هذا الألم."

ترددت حور. السفر. بدايةٌ جديدة. ولكنها كانت تعلم أن قلبها سيظل دائماً يحمل أثراً لإياس. "ربما يا لبنى. ربما أحتاج إلى ذلك".

لم تكن تعلم حور أن إياس كان يعيش لحظةً مصيريةً في حياته. فبعد أن أدرك أن والده لن يتنازل عن قراره، وأن والدته لا تستطيع أن تفعل شيئاً، بدأ يفكر في خياراتٍ أخرى. كان يعلم أن الزواج من سارة يعني العيش في تعاسة، وأن التخلي عن حور يعني التخلي عن سعادته.

وفي خلوته، وبينما كان يتأمل في صورته مع حور، قرر أن يفعل شيئاً جريئاً. شيئاً قد يغير مجرى حياته. كان يعلم أنه سيواجه عواقب وخيمة، ولكنه كان مستعداً لذلك.

في صباح اليوم التالي، وقبل أن يبدأ والده في اتخاذ أي خطواتٍ رسميةٍ بخصوص الخطبة، اتخذ إياس قراره. كان قلبه متعباً، وعقله مشوشاً، ولكنه كان يعلم أن الطريق الذي اختاره هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يقوده إلى بعض السلام.

ذهب إلى حور، ليس ليخبرها بقراره، بل ليودعها، وليشرح لها لماذا اتخذ هذا المسار. ولكن عندما وصل إلى منزلها، وجد أنهم قد رحلوا. لم تجد لدى جيرانها أية معلوماتٍ واضحة، سوى أن العائلة قد سافرت في عجلةٍ من أمرها.

شعر إياس بأن قلبه قد تجمد. لقد فات الأوان. لقد فقد حور، وفقد حبه. كان يدرك تماماً أن قراراته، التي بدت في البداية حلاً، قد أصبحت سبباً في أكبر خسارةٍ في حياته. غياهب الحيرة ابتلعته، ووعده الذي بناه مع حور تحول إلى ذكرى مؤلمة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%