الفصل 9 / 25

حب أبدي 154

همسات الزمان وواقع الأحلام

بقلم سارة العمري

استقرّت نسمات الصباح الباردة على أرجاء المنزل الرحب، حاملةً معها عبق الياسمين المتسلق على جدران الفيلا، ووشوشات شجر النخيل المتمايل في الحديقة. كانت غرفة نور، تلك الغرفة التي شهدت طفولتها وشبابها، قد اكتست بلونٍ جديد من السكينة، سكنٌ لم يكن وليد العزلة، بل نابعٌ من بوادر أملٍ بدأت تتسلل إلى قلبها كخيطٍ فضيٍّ من ضوء القمر. منذ أن رأت ابتسامة بلال الصادقة، وسمعت كلماته الرزينة التي حملت ثقل مسؤوليةٍ نبيلة، شعرت بشيءٍ في دواخلها يلين ويتفتح. لم يكن الأمر سهلاً، فصورة تلك الأيام التي عاشتها تحت عباءة الشك والقلق كانت لا تزال تخيم على بعض زوايا ذاكرتها، لكن ما كان يميز بلال هو قدرته على بث الطمأنينة، على إظهار الطريق الواضح وسط غيوم الماضي.

في تلك اللحظة، بينما كانت تعيد ترتيب بعض الكتب العتيقة على رفوف مكتبتها الصغيرة، سمعت صوت أمها يناديها من الدور السفلي. "نور، يا ابنتي، تعالي. الضيوف وصلوا." كان صوتها يحمل مسحةً من الإثارة ممزوجةً ببعض التوتر، وهو أمرٌ لم تعهده من أمها غالباً. استقامت نور في قامتها، وقبل أن تغادر الغرفة، ألقت نظرةً سريعة على صورتها وهي طفلة، محتفظةً بابتسامةٍ بريئة. تذكرت كيف كانت تحلم باليوم الذي يأتي فيه فارس أحلامها، ذلك الفارس الذي سيحملها إلى عالمٍ من الود والتفاهم، عالمٍ تغمره السكينة. هل كانت هذه بداية ذلك الحلم؟

نزلت نور الدرج بخطواتٍ وئيدة، وقلبها ينبض إيقاعاً لم تعتد عليه. في قاعة الاستقبال، حيث تداخلت رائحة القهوة العربية والهيل مع عبير بخور العود الفاخر، استقبلتها ابتسامة والدتها الدافئة، ثم ابتسامة والدها الحنون. وقفت أمامهما، تشعر ببعض الخجل، ولكن بعينين لامعتين تحملان الكثير من المعاني. كان يجلس على الأريكة المجاورة لوالدها، رجلٌ ذو هيبةٍ وقور، بعينين واسعتين تلمعان بذكاءٍ عميق، وملامحٍ تحمل آثار السنين بخبرةٍ وحكمة. كان بلال، وقد تجلت في حضوره ثقةٌ وهدوءٌ يلفتان الأنظار.

"أهلاً بكِ يا ابنتي،" قال والدها مرحباً، مشيراً إلى المقعد الفارغ بجانب نور. "تفضلي بالجلوس." جلست نور، وشعرت بتوترٍ خفيفٍ يمرّ عبر جسدها. بدأت المحادثات الودية، استفساراتٌ عن الأحوال، وكلماتٌ عن سعة الرزق والبركة. كان بلال يتحدث ببلاغةٍ ورزانة، يستمع جيداً لكل كلمة، ويردّ بتفكيرٍ عميق. كانت نور تراقبه من طرف خفي، تلتقط تفاصيل ملامحه، طريقة جلسته، حركات يديه. كان هناك شيءٌ في عينيه، شيءٌ من الصدق والنقاء، يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ الصفاء الذي رأته فيه في المرة الأولى.

"لقد تحدثتُ مع والدي الأستاذ عبد الرحمن عن بعض الأمور،" بدأ بلال حديثه، مخاطباً والد نور. "وخاصةً عن موضوعٍ يخصّ ابنتكما الغالية، نور. لقد رأيت فيها ما يجعلني أتطلع إلى مستقبلٍ مشرقٍ معها. إنني أرغب في التقدم لخطبتها، إذا سمحتم بذلك."

علت الدهشة على وجه والدة نور، وهي تنظر إلى ابنتها، التي بدت وكأنها تتجمد في مكانها. أما والدها، فقد ابتسم ابتسامةً واسعة، وبدت عيناه تلمعان بالفرح. "هذا ما نتمناه جميعاً يا بلال،" قال والد نور بصوتٍ جهوري. "نور ابنتنا الغالية، وهي الآن في مقامٍ يقتضي أن تفكر في مستقبلها. ولكن القرار الأول والأخير يعود إليها."

التفت والد نور نحو نور، ناظراً إليها بعينين مليئتين بالحب. "ما رأيكِ يا ابنتي؟ هل توافقين على أن يتقدّم بلال لخطبتك؟"

شعرت نور بأنّ كل الأعين مسلطةٌ عليها. كان الوقت لحظةً فارقة، لحظةٌ تقرر فيها مساراتٌ بأكملها. استجمعت قواها، ونظرت إلى بلال، ثم إلى والديها. "أنا... أنا أوافق،" قالت بصوتٍ خافتٍ ولكنه واضح. "إذا كان هذا فيه خيرٌ لي ولكم."

انتشرت موجةٌ من الارتياح والسعادة في القاعة. ابتسم بلال ابتسامةً واسعة، أضاءت وجهه كله، وكانت تلك الابتسامة أبلغ من أي كلام. تبادل الأبوان نظراتٍ تحمل بين طياتها سعادةً لا توصف، فرحةٌ لرؤية أحلام أبنائهم تتحقق، ورؤية البسمة تعود إلى وجوههم.

بعد أن تناولوا طعام الغداء معاً، وتبادلوا المزيد من الأحاديث الودية، استأذن بلال ووالده. عند خروجهما، وقفت نور مع والدتها. "الحمد لله يا ابنتي،" قالت والدة نور وهي تحتضنها. "لقد أثلجتِ صدري. بلال رجلٌ خير، ورجلٌ له أخلاقٌ كريمة. إنني مطمئنةٌ عليكِ."

"جزاكِ الله خيراً أمي،" أجابت نور، وهي تشعر ببعض الثقل يخفّ عن كاهلها. "ولكن، هل أنتِ متأكدةٌ أن هذا هو القرار الصحيح؟"

"متأكدةٌ يا حبيبتي،" أجابت والدتها وهي تمسح على شعرها. "قلبكِ هو دليلكِ، ولكن العقل والمنطق لا غنى عنهما. بلال رجلٌ يمتلك كل الصفات التي تتمناها أي فتاةٍ في زوجها. رزقٌ من الله."

في الأيام التالية، بدأت أجواءٌ جديدةٌ تتسلل إلى منزل نور. الأحاديث حول الزواج، عن ترتيبات الخطوبة، عن تجهيزات الفرح، كلها أصبحت تشغل تفكير والدتها. كانت نور تشاركها بعض هذه النقاشات، ولكن عقلها كان لا يزال يحاول استيعاب كل ما حدث. تذكرت كيف كان حديثها الأول مع بلال، وكيف أن نظراته حينها حملت وعداً بأن الأمور ستكون مختلفة. لقد كان صادقاً.

وفي إحدى الأمسيات، وبينما كانت تتصفح بعض الصور القديمة على هاتفها، وصلها اتصالٌ من رقمٍ غريب. أجابت بتردد، لتجد صوت بلال. "السلام عليكم يا نور، كيف حالك؟"

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحمد لله بخير، شكراً لسؤالك. وأنت؟"

"بخيرٍ والحمد لله. كنتُ أتساءل إن كنتِ تسمحين لي بزيارتكِ في أقرب فرصة؟ لديّ بعض الأفكار التي أودّ أن أتشاركها معكِ قبل أن نتحدث مع والديكِ رسمياً."

ترددت نور قليلاً، ثم أجابت: "بالتأكيد. متى يناسبك؟"

"غداً، بعد صلاة العصر؟"

"موافق."

أغلقت نور الهاتف، وشعرت بخفقانٍ متجددٍ في قلبها. كان الترقب يزداد، وشعورٌ غامضٌ يغمرها. هل كانت هذه مجرد بدايةٌ لمرحلةٍ جديدةٍ مليئةٍ بالمسؤوليات، أم بدايةٌ لحياةٍ ستحمل معها كل ما حلمت به؟ كانت الأيام القادمة حافلةً بالأسئلة، ولكن واحداً فقط كان يتردد صداه في أذنها: هل كانت مستعدةً حقاً لفتح صفحةٍ جديدةٍ بكل ما فيها؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%