الفصل 1 / 25

أنت وحدك 155

همس الليل وسرٌّ دفين

بقلم فاطمة النجار

كانت الليلة هادئة، هدوءٌ يسبق العاصفة، أو ربما هو هدوءٌ ينسج خيوطَ ألمٍ قديم. وقفتْ "ليلى" على شرفة غرفتها المطلة على فسحةٍ صغيرةٍ تحتضنُ شجرةَ ياسمينٍ عتيقة. تغلغلَ عبيرُ الياسمينِ في أنفاسها، يحملُ معه ذكرياتٍ مريرةً ورائحةَ حياةٍ باتتْ غريبةً عنها. كانتْ ترتدي ثوبَ بيتٍ بسيطاً، ذو لونٍ نيليٍّ يميلُ إلى السواد، ينسدلُ على قوامها الرشيقِ بخجلٍ. تحتَ نورِ القمرِ الخافت، بدتْ ملامحُ وجهها نحيلةً، لكنَّ لمعةً عنيدةً في عينيها البنيتينِ الواسعتينِ كانتْ تشهدُ على قوةٍ كامنةٍ.

في يدها اليمنى، أمسكتْ بفنجانٍ شبهِ خالٍ من شايٍ باردٍ، ويدها اليسرى مسحتْ بحركةٍ لا إراديةٍ على جدارٍ باردٍ، كما لو أنها تبحثُ عن مأوىً أو عزاء. كانَ السكونُ عميقاً، لا يقطعهُ إلا حفيفُ أوراقِ الياسمينِ المتعانقةِ بفعلِ نسمةٍ لطيفةٍ، وارتعاشةٌ خفيفةٌ في قلبها. لم يكنْ هذا الهدوءُ مريحاً لها، بل كانَ يذكرها بليالٍ سابقةٍ، بحواراتٍ لم تُسمع، بوعودٍ لم تُوفّ.

مرّتْ لحظاتٌ طويلةٌ، وفي كلِّ ثانيةٍ كانتْ "ليلى" تعودُ بالذاكرةِ إلى الوراء. كانتْ ترى صورةَ والدها، الشيخَ الوقورَ، ذي اللحيةِ البيضاءِ التي تضفي عليه هالةً من الحكمةِ والرزانة. كانتْ تراهُ في مجلسِهِ العامرِ بالضيوف، يتبادلُ الأحاديثَ مع كبارِ العائلاتِ ورجالِ العلمِ والدين. كانتْ تنظرُ إليهِ بإعجابٍ، تحلمُ بأنْ تكونَ يوماً مثلَهُ، قويةً، مؤثرةً، ومحترمةً. لكنَّ الأقدارَ عادةً ما ترسمُ مساراتٍ مختلفةً عن أحلامِنا.

جاءَ صوتٌ من بعيدٍ، صوتُ أخيها الأصغرِ، "خالد"، يناديها باسمها. "ليلى... ألا تنامين؟"

انتفضتْ "ليلى" قليلاً، ثمَّ حاولتْ استجماعَ نفسها. "قادمةٌ يا خالد."

أدارتْ ظهرها للشرفةِ، وللياسمينِ الذي يشهدُ على صمتها، ودخلتْ إلى داخلِ المنزلِ. كانَ المنزلُ واسعاً، أشبهَ ببيتٍ عربيٍّ قديمٍ، تفوحُ منهُ رائحةُ البخورِ والعودِ. الأرضياتُ رخاميةٌ، والجدرانُ مزينةٌ بنقوشٍ إسلاميةٍ دقيقة. أثاثٌ تقليديٌّ يجمعُ بينَ الفخامةِ والبساطة. كانتْ هذهِ هيَ مملكةَ عائلتها، مملكةٌ حافظتْ عليها أمها، السيدةَ "فاطمة"، بكلِّ ما أوتيتْ من قوةٍ وحنكةٍ.

دخلتْ إلى غرفةِ المعيشةِ، حيثُ كانَ "خالد" جالساً أمامَ شاشةِ حاسوبه، وعيناهُ مثبتتانِ عليها. "خالد"، شابٌ في بدايةِ عقدهِ الثاني، وسيماً، بشعرٍ أسودَ كثيفٍ وعينينِ تشبهانِ عيني أخته. كانَ يحملُ في ملامحهِ بعضاً من جديةِ والده، لكنَّ بريقَ الشبابِ والمرحِ لم يغبْ عنه.

"أظنُّ أنَّكِ تفكرينَ كثيراً، أختي الغالية." قالَ "خالد" وهوَ يلتفتُ إليها بابتسامةٍ خفيفة.

اقتربتْ "ليلى" منهُ وجلستْ بجانبهِ على الأريكةِ المخمليةِ. "الحياةُ تفرضُ علينا الكثيرَ من التفكيرِ، أليسَ كذلك؟"

"نعم، لكنَّ بعضَ التفكيرِ يثقلُ الروح." رفعَ "خالد" عينيهِ عن الشاشةِ ونظرَ إليها بجديةٍ. "لم أركِ سعيدةً مؤخراً يا ليلى."

تنهدتْ "ليلى" بعمقٍ. "السعادةُ ليستْ دائماً خياراً متاحاً."

"ولماذا؟" سألَ "خالد" وهوَ يميلُ نحوها. "هل حدثَ شيءٌ؟"

نظرتْ "ليلى" إلى الفراغِ أمامها، تحاولُ صياغةَ الكلماتِ التي قدْ تُشبعُ فضولَ أخيها دونَ أنْ تكشفَ عن سرٍّ يؤلمها. "لا شيءَ مهمٌّ يا خالد. ربما مجردُ إرهاقٍ."

"إرهاقٌ؟" استغربَ "خالد". "هذا ليسَ مجردَ إرهاقٍ. لقدْ عرفتُكِ منذُ نعومةِ أظفاركِ. هذهِ نظرةٌ معتادةٌ عندما يكونُ شيءٌ في صدركِ."

صمتتْ "ليلى" قليلاً، ثمَّ قالتْ بصوتٍ خفيضٍ: "هل تذكرُ يا خالد، يومَ ذهبنا مع أبي إلى بيتِ عمنا منصور؟"

"أجل، بالطبع. كيفَ أنسى؟ كانَ يوماً جميلاً. وأنتِ كنتِ سعيدةً جداً حينها."

"أتذكرُ ابنهُ، أحمد؟"

برقتْ عينا "خالد" قليلاً. "أحمد؟ بالتأكيد. شابٌ مهذبٌ، وذكيٌّ. لكنَّنا لم نرهُ منذُ سنواتٍ طويلةٍ. سمعتُ أنهُ أصبحَ طبيباً لامعاً في الخارج."

"نعم، طبيبٌ لامعٌ." تكررتْ الكلمةُ في ذهنِ "ليلى" كصدى. "لكنهُ غادرَ، غادرَ ولم يعد."

"لماذا تتحدثينَ عنه الآن؟" تساءلَ "خالد" بقلقٍ متزايدٍ.

"لأنَّه... لأنَّه كانَ أولَ من أدركتُ بعدهُ معنى الفقدِ." قالتْ "ليلى" وعيناها لمعتْ بالدموعِ التي حاولتْ جاهدةً كبحها. "كانَ وعدهُ لي، أنْ يعودَ ليحكي لي عن رحلاتهِ وعن كلِّ ما يراهُ، كانَ مثلَ النجومِ التي وعدني بأنْ يدلني عليها. ولكنَّ النجومَ غالباً ما تختفي خلفَ الغيومِ."

"ليلى..." أمسكَ "خالد" بيدها. "أنتِ ما زلتِ تتحدثينَ عن أمرٍ قديمٍ جداً."

"بعضُ الأمورِ القديمةِ لا تموتُ يا خالد. بعضُ الذكرياتِ تصبحُ جزءاً من نسيجِ الروح." رفعتْ "ليلى" رأسها لتنظرَ إلى شقيقها. "هل تعتقدُ أنَّ الزمنَ يشفي كلَّ الجراح؟"

"هو يمنحُنا القدرةَ على التعايشِ معها. ويجبُ أنْ نؤمنَ بأنَّ اللهَ لديهِ خطةٌ لنا، وأنَّ ما نفقدهُ قدْ يكونُ خيراً لنا، وأنَّ ما يأتينا أجمل."

"أتمنى ذلك." قالتْ "ليلى" بتنهيدةٍ طويلةٍ. "أتمنى حقاً ذلك."

نهضتْ "ليلى" من مكانها. "لقدْ تأخرَ الوقتُ، ويجبُ أنْ أنامَ."

"هل أنتِ متأكدةٌ أنَّكِ بخير؟" سألَ "خالد" وهوَ يراقبها بقلقٍ.

"كن بخيرٍ يا أخي. وأنا كذلك." ابتسمتْ ابتسامةً باهتةً، ثمَّ اتجهتْ نحو غرفتها.

وقفتْ "ليلى" أمامَ بابِ غرفتها، ثمَّ استدارتْ ونظرتْ إلى "خالد" الذي عادَ إلى شاشتهِ. كانَ العالمُ من حولها يبدو غريباً. كلُّ شيءٍ هادئٌ، وكلُّ شيءٍ يصرخُ في داخلها. أمسكتْ بيدها بمقبضِ البابِ، ودخلتْ إلى عالمها الخاص، حيثُ لا يراها أحدٌ، وحيثُ تبكي وحدها، وحيثُ تحملُ وحدها ذلكَ السرَّ الذي يثقلُ روحها.

لم يكنْ مجردُ حبٍّ أولٍ فاتَ الأوانُ عليهِ. لم يكنْ مجردَ ذكرى جميلةٍ. كانَ شيئاً أعمق، شيئاً غيّرَ مسارَ حياتها. كانَ وعداً قطعَهُ لها، وعدٌ تمَّ كسرهُ بطريقةٍ لم تتوقعها، بطريقةٍ تركتْ ندوباً لا تُمحى. رفعتْ يدها ومسحتْ طرفَ عينها. "منذُ خمسةَ عشرَ عاماً وأنا أحملُ هذا الثقل. أنتَ وحدكَ تعلمُ كم هوَ ثقيل." تمتمتْ في سرها.

في داخلِ غرفتها، كانَ هناكَ سريرٌ كبيرٌ، وطاولةٌ صغيرةٌ عليها مصحفٌ وبعضُ الكتبِ. وهناكُ نافذةٌ أخرى، لكنَّها أصغرُ، ولا تطلُّ على ياسمينٍ، بل على سماءٍ حالكةِ السوادِ، لا تظهرُ فيها سوى نجومٍ قليلةٍ، كأنها تتوارى خجلاً أو خوفاً. جلستْ "ليلى" على طرفِ السريرِ، ونظرتْ إلى الظلامِ. كانتْ تعلمُ أنَّ الصباحَ سيأتي، وأنَّ عليها أنْ تواجهَ يوماً آخرَ، بنفسِ الابتسامةِ الزائفةِ، وبنفسِ القلبِ المكسورِ، وبنفسِ السرِّ الذي لا تعرفُ كيفَ تتخلصُ منه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%