أنت وحدك 155
مفاجأةٌ غير متوقعة وظلالٌ من الماضي
بقلم فاطمة النجار
كانت الدهشة قد شلت لمياء تماماً. الرجل الواقف أمامها، بملامحه الحادة ونظرته الثاقبة، لم يكن غريباً عنها على الإطلاق. لقد كان… كان ذلك الرجل الذي رأته في بعض الصور القديمة لوالدتها، وهو يقف بجانبها في مناسباتٍ عائلية. لكنه كان أصغر سناً بكثير حينها. لقد كان… السيد فواز.
لم يكن فواز مجرد قريبٍ بعيد، بل كان صديقاً مقرباً لوالدها، رحمه الله. كانت علاقة والدها به متينةً وقوية، وكان دائماً ما يتحدث عنه باحترامٍ وإعجاب. ولكن لمياء لم تقابله منذ سنواتٍ طويلة، منذ أن كانت طفلةً صغيرة. تذكرت عبارة والدتها: "بعض الأشياء القديمة تحمل معها أثقالاً." هل كان فواز جزءاً من تلك الأثقال؟
"لمياء؟" قال فواز بصوتٍ مصدوم، وقد اعتلت وجهه تعابير الدهشة. "يا للهول! لمياء؟ هل هذه أنتِ؟"
لمياء، بعد لحظةٍ من الصمت، استعادت رباطة جأشها. ابتسمت ابتسامةً صغيرة. "نعم يا عم فواز. أنا لمياء."
اقترب فواز منها، وعيناه تلمعان بمزيجٍ من الفرح والدهشة. "سبحان الله! ما أكبركِ! قبل سنواتٍ كنتِ طفلةً صغيرة تركض في حديقة منزلنا."
"والوقت يمر يا عم فواز." أجابت لمياء، محاولةً إخفاء الارتباك الذي اعتراها.
"كيف حال الوالدة؟ وكيف حالكم جميعاً؟" سأل فواز، وعيناه تتبعان كل حركةٍ تقوم بها.
"الحمد لله، كلنا بخير. الوالدة بصحةٍ جيدة."
"أتمنى لها كل الصحة والعافية. لم أرها منذ فترةٍ طويلة. أتذكر أيامنا مع والدك، رحمه الله. كان رجلاً عظيماً."
كلمة "والدك" جعلت لمياء تشعر بوخزةٍ في قلبها. لقد كانت في صدد التفكير فيه، وفي تلك الرسالة الغامضة. "نعم، لقد كان كذلك."
"كنتم عائلةً طيبة، لمياء. أتمنى أن تبقى هذه الطيبة فيكم." قال فواز، ثم بدا وكأنه يتردد قبل أن يضيف: "هل تعيشين في نفس المنزل القديم؟"
"نعم، ما زلنا فيه."
"جميل. الأماكن القديمة تحمل ذكرياتٍ جميلة." ثم نظر فواز حوله، وكأنما يبحث عن شيءٍ ما. "حسناً يا لمياء، يسعدني جداً أنني رأيتك. أردتُ فقط أن أشتري بعض الأقمشة."
"بالتأكيد يا عم فواز."
"سأضطر إلى المغادرة الآن. ولكن، ربما نلتقي مرةً أخرى قريباً؟"
"إن شاء الله."
ابتسم فواز ابتسامةً ودية، ثم استدار وذهب. تركت لمياء واقفةً مكانها، وقلبها يخفق بعنف. لم تكن تتوقع أن تلتقي به اليوم. لم يكن الأمر مجرد لقاءٍ عابر، بل كان بمثابة إعادة فتحٍ لبابٍ كانت قد أغلقت عليه. شعرت بأن هناك شيئاً في نظرات فواز، شيئاً لم تستطع فهمه. هل كان قلقاً؟ أم فضولاً؟
عادت إلى المنزل، وهي تشعر بأن هذه المصادفة ليست عادية. هل كان لقاءه بها مجرد صدفة؟ أم أن هناك سبباً أعمق؟ تذكرت مرةً أخرى الرسالة الممزقة. "حذارِ من…" هل كان والدها يحذره من فواز؟ أم أن هناك علاقةً بينهما لم تعرفها؟
عندما وصلت إلى المنزل، كانت والدتها تجلس في الصالة، تقرأ القرآن. رفعت رأسها عندما رأت لمياء. "تأخرتِ قليلاً يا ابنتي."
"نعم يا أمي، كنتُ أشتري بعض الأقمشة. ورأيتُ شيئاً… أو شخصاً… لم أتوقعه."
"من؟" سألت والدتها بفضول.
"لقيتُ عم فواز."
تجمدت والدتها لبرهة. ثم عادت إلى قراءة القرآن، ولكن لمياء لمست تغيراً في سلوكها. كان هناك توترٌ خفيف، لم يكن موجوداً من قبل.
"فواز؟" قالت والدتها بصوتٍ هادئ، ولكن لمياء لمست تحته شيئاً. "لم أره منذ فترةٍ طويلة."
"لقد كان ودوداً جداً يا أمي. سأل عنكم جميعاً."
"وهل سأل عن والده؟"
"لا، لم يذكر اسمه."
"حسناً." قالت والدتها، وكأنما تريد أن تنهي الحديث. "أتمنى أن يكون بصحةٍ جيدة."
كانت لمياء تشعر بأن هناك حواجز غير مرئية تُبنى حولها. والدتها، التي كانت دائماً ما تشاركها كل شيء، أصبحت الآن متحفظةً وغير واضحة. هل كانت هناك أسرارٌ عائليةٌ لم تعرفها؟
في المساء، وبينما كانت لمياء تتحدث مع فهد عبر الهاتف، شعرت بأنها بحاجةٍ إلى مشاركته ما حدث. كان فهد ملاذها الآمن، والشخص الذي تشعر معه بالثقة.
"ما بكِ يا لمياء؟ صوتكِ يبدو قلقاً." قال فهد بصوتٍ حنون.
"لا شيء يا فهد. فقط… بعض الأفكار التي تدور في رأسي."
"هل تريدين أن تتحدثي عنها؟ أنا أسمع."
بعد لحظةٍ من التردد، قررت لمياء أن تخبر فهد عن لقائها بفواز. "اليوم، في السوق، رأيتُ رجلاً لم أتوقع أن أراه. إنه السيد فواز، صديق والدي القديم."
"فواز؟" قال فهد، وبدا عليه بعض الدهشة. "نعم، أعرفه. والدتي كانت تعرفه جيداً أيضاً. هل تحدثتما؟"
"نعم. لقد كان ودوداً جداً. ولكني شعرتُ بشيءٍ غريب. وعندما أخبرتُ أمي، بدا عليها بعض التوتر."
"الجو عائليٌ في مجتمعنا يا لمياء. غالباً ما تكون هناك علاقاتٌ متشعبةٌ ومعقدة."
"ولكن أمي كانت تبدو وكأنها تخفي شيئاً."
"ربما كان عليها أن تخبركِ عن شيءٍ يتعلق به؟"
"لا أعرف. ولكن كل هذا جعلني أفكر في الماضي. في والدي، وفي تلك الرسالة التي وجدتها."
"الرسالة؟" سأل فهد، وقد لمعت عيناه. "لم تخبريني عنها من قبل."
ترددت لمياء. هل كان عليها أن تخبره؟ لقد بدت وكأنها مسألةٌ خاصة جداً. ولكن فهد كان يفهمها، وكان سنداً لها.
"إنها مجرد رسالةٌ ممزقة. بها كلماتٌ غير واضحة. ولكنها جعلتني أشعر بأن والدي كان لديه سرٌ ما."
"وهل تعتقدين أن فواز له علاقةٌ بهذا السر؟"
"لا أعرف يا فهد. ولكن… هناك شيءٌ ما."
صمت فهد لبرهة. ثم قال: "لمياء، إذا كان هناك شيءٌ يزعجكِ، أو يثير قلقكِ، فأخبريني. أنا هنا لمساعدتكِ. ولنسمح للمعلومات بأن تتكشف بنفسها."
ابتسمت لمياء. كلمات فهد كانت دائماً ما تمنحها القوة. "شكراً لك يا فهد. أنتَ حقاً… شخصٌ مميز."
"وأنتِ كذلك يا لمياء. وأكثر."
بعد إنهاء المكالمة، شعرت لمياء ببعض الراحة. لم تكن وحدها في مواجهة هذه التعقيدات. كان فهد بجانبها، حتى لو كان عن بعد. ولكن بالرغم من ذلك، ظلت صورة فواز، ونظرته، وكلمات والدتها، تتردد في ذهنها. شعرت بأنها على أعتاب كشف سرٍ كبير، سرٌ قد يغير مسار حياتها، ومستقبل علاقتها بفهد.
في غرفته، كان فهد يفكر ملياً في حديثه مع لمياء. لقاء لمياء بفواز كان مفاجئاً، بل ومثيراً للاهتمام. كان يعرف أن عائلة والدته كانت تربطها علاقاتٌ قوية ببعض العائلات العريقة، وأن فواز كان من تلك الدوائر. هل كان هناك ماضٍ مشتركٌ بين والد لمياء وفواز؟ وهل كان لوالده علاقةٌ بذلك؟
لم يكن فهد من محبي التدخل في شؤون الآخرين، ولكنه كان يحب لمياء. وكان يريد لها السعادة. وإذا كان هناك ماضٍ معقدٌ يعكر صفوها، فهو يريد أن يساعدها في فهمه.
قرر فهد أن يتحدث مع والدته في أقرب فرصة. ربما كانت تعرف شيئاً عن علاقة والد لمياء بفواز، أو عن أي تفاصيلٍ أخرى قد تكون مهمة. ولكن كان عليه أن ينتقي كلماته بعناية. والدته، وإن كانت طيبة القلب، إلا أنها كانت أيضاً متحفظةً جداً فيما يتعلق بأمور العائلة.
بينما كان يفكر، تذكر حديثه مع خالد. خالد، الذي كان دائماً ما يراه كمرآةٍ لأفكاره، كان قد نصحه بأن يكون حذراً. "فهد، بعض العلاقات القديمة معقدةٌ جداً. وأحياناً، يكون من الأفضل أن تترك الماضي في مكانه."
ولكن فهد لم يكن مقتنعاً بذلك. كان يؤمن بأن المعرفة قوة، وأن فهم الماضي قد يساعد في بناء مستقبلٍ أفضل.
نظر فهد إلى السماء من نافذة غرفته. كانت النجوم تتلألأ، وكأنها تشهد على الأسرار التي تدور في خفاء. هل كانت لمياء على وشك اكتشاف حقيقةٍ ستغير كل شيء؟ وهل كان لقاء فواز بها مجرد صدفة، أم بدايةً لفصلٍ جديدٍ ومثيرٍ في قصة حياتها؟