أنت وحدك 155
حوارٌ مع الماضي ورؤىً للمستقبل
بقلم فاطمة النجار
في صباح اليوم التالي، استيقظت لمياء وشعورٌ مختلفٌ يغمرها. لم يعد القلق هو سيد الموقف، بل حل محله نوعٌ من التصميم الهادئ. لقد قررت أنها لن تسمح لأي غموضٍ بأن يعكر صفو علاقتها بفهد، وأنها ستواجه أي تحدٍ قادمٍ بشجاعة.
تناولت إفطارها في هدوء، وودعت والدتها التي كانت تتلو أذكار الصباح. "صباح الخير يا أمي."
"صباح النور يا ابنتي. هل أنتِ ذاهبةٌ إلى العمل؟"
"نعم يا أمي."
"هل كنتِ تفكرين في لقاء الأمس؟" سألت والدتها بفضولٍ ظاهر، ولكن بلهجةٍ هادئة.
لمياء، مفاجأةً بسؤال والدتها المباشر، أجابت: "نعم يا أمي. لقد كان لقاءً غير متوقع."
"هل قلتِ له شيئاً عن… والدك؟"
"لا يا أمي. ولكن بدا لي أنه يتذكر والدي جيداً. وسأل عنكم جميعاً."
تنهدت والدتها بصوتٍ خفيض. "لقد كانت بيننا علاقاتٌ قوية. ولكن… بعض العلاقات تصبح صعبةً مع مرور الوقت."
"هل تقصدين أن هناك شيئاً بين السيد فواز ووالدي؟" سألت لمياء، وشعرت بأن الخيوط بدأت تتجمع.
نظرت والدتها إليها بعينيها الهادئتين، وقالت: "يا لمياء، الماضي يحمل في طياته الكثير. وأحياناً، ما يبدو بسيطاً من الخارج، يكون معقداً من الداخل. والدك كان رجلاً طيباً، ولكنه كان يحمل مسؤولياتٍ كبيرة. وكان عليه اتخاذ قراراتٍ صعبة."
"قراراتٌ صعبة؟" كررت لمياء. "وما علاقة السيد فواز بهذه القرارات؟"
"كان السيد فواز صديقاً لوالدك. ولكنه كان أيضاً… شريكاً له في بعض الأمور."
"شريكاً؟ في ماذا؟"
"في العمل يا لمياء. لقد كان لديهما مشروعٌ تجاريٌ مشترك."
"مشروعٌ تجاريٌ مشترك؟" لمياء لم تسمع بهذا من قبل. والدها، الذي كان يعمل كموظفٍ حكومي، لم يكن معروفاً بأعماله التجارية. "ولكن… والدي لم يكن لديه عملٌ تجاريٌ. كان موظفاً."
"لقد كان لديه اهتماماتٌ جانبية يا ابنتي. ولكنه لم يكن يحب أن يتحدث عنها كثيراً. كان يفضل أن يبقي الأمور بسيطةً."
"ولماذا لم تخبريني بهذا من قبل يا أمي؟"
"لأن هذه الأمور لم تعد مهمةً الآن يا لمياء. ما كان كان. وما هو كائنٌ هو ما يهم."
شعرت لمياء بأن والدتها كانت تحاول إبعادها عن الموضوع، ولكنها في الوقت ذاته، كانت تمنحها بعض المعلومات. "ولكن يا أمي، لماذا يبدو السيد فواز متوتراً عندما يذكر اسم والدي؟"
"ربما لأن الذكريات تحمل معها الكثير من الأحاسيس." قالت والدتها، ولم تبدُ مقتنعةً تماماً.
"ولماذا لم ألتقِ بالسيد فواز منذ سنواتٍ طويلة؟"
"لقد ابتعدنا قليلاً عن هذه الدوائر يا لمياء. وبعض العلاقات تتلاشى مع الزمن."
كانت لمياء تشعر بأنها تقف على حافة جبلٍ شاهق، وأنها ترى العالم من الأعلى، ولكنها لم تستطع رؤية كل شيءٍ بوضوح. والدتها لم تكن تكذب، ولكنها لم تكن تقول كل الحقيقة أيضاً. كانت لديها طريقةٌ في الكلام، كأنها تسقي الزرع ببطء، ولا تسمح للماء بالفيضان.
غادرت لمياء المنزل، وهي تحمل معها هذه المعلومات الجديدة. مشروعٌ تجاريٌ مشترك؟ مع فواز؟ هذا كان يبدو غريباً جداً. هل كان هذا هو السر الذي كان والدها يخفيه؟
في مكتبه، كان فهد يحاول جاهداً أن يركز في عمله. كان ينتظر بفارغ الصبر مكالمةً من لمياء. لقد كان قلقاً بشأنها، خاصةً بعد ما أخبرته به عن لقائها بفواز.
"أمي، هل كنتِ تعرفين أن والد لمياء كان لديه مشروعٌ تجاريٌ مع السيد فواز؟" سأل فهد والدته في وقتٍ لاحق من ذلك اليوم.
توقفت والدته عن تقليب أوراقها، ونظرت إليه بجدية. "نعم يا فهد. كنتُ أعرف. كان لديهما شراكةٌ في بداياتهما."
"وما الذي حدث لهذه الشراكة؟"
"انتهت." قالت والدتها بإيجاز.
"وكيف انتهت؟"
"حدثت بعض الخلافات. وهذا طبيعيٌ في عالم التجارة."
"ولكن هل كانت مجرد خلافات؟" سأل فهد، وشعر بوجود شيءٍ ما خلف الكلمات.
"يا فهد، أنت تعلم أن هذه الأمور معقدة. والد لمياء كان رجلاً نزيهاً. وكان يحافظ على سمعته."
"وهل السيد فواز أيضاً رجلٌ نزيه؟"
"لا يمكنني أن أحكم على أحد. ولكن… أحياناً، لا تسير الأمور كما نريد."
"هل كانت هناك مشاكل بينهما؟"
"كان هناك سوء تفاهم. ولكن كل شيءٍ تم تسويته."
"تسويته؟" أردف فهد، وشعر بأن والدته كانت تخفي أمراً مهماً. "هل كان هناك شيءٌ يتعلق بالمال؟"
صمتت والدته لبرهة. ثم قالت: "كان هناك بعض الأمور المالية المعقدة. ولكن والد لمياء كان دائماً ما يفي بالتزاماته."
"وهل السيد فواز أيضاً؟"
"لا أعرف تفاصيل كثيرة عن أمور فواز المالية."
كان فهد يشعر بالإحباط. يبدو أن كل من كان يسألهم يتهرب من الإجابة المباشرة. هل كان هذا بسبب احترامهم لخصوصية الآخرين، أم لأن هناك شيئاً كانوا يريدون إخفاءه؟
"أمي، هل هناك أي شيءٍ آخر عن هذه الشراكة؟ أي تفاصيل قد تكون مهمة؟"
نظرت والدته إليه بحنان. "يا فهد، لماذا هذا الاهتمام الكبير؟ لمياء مجرد فتاةٍ طيبة. وأنا أريدك أن تكون سعيداً. ولكن لا تتدخل في أمورٍ لا تعنيك."
"ولكنها تعنيني يا أمي. إذا كانت تعني لمياء، فهي تعنيني."
"حسناً يا ابني. سأحاول أن أتذكر. ولكن تذكر، الماضي قديمٌ جداً. وليس من المفيد أن نحفر فيه كثيراً."
كان فهد يشعر بأن هذه المحادثات كانت أشبه بلعبةٍ من الألغاز، حيث كانت الكلمات تُقدم كنقاطٍ مبعثرة، وكان عليه أن يجمعها ليصنع الصورة الكاملة.
في تلك الليلة، وصلته رسالةٌ نصيةٌ من خالد: "موعدنا غداً في المقهى القديم. أحتاج أن أتحدث معك في أمرٍ مهم."
ابتسم فهد. كان خالد دائماً ما يكون لديه أخبارٌ مهمة. ربما يستطيع خالد أن يمنحه بعض الإجابات.
في المقهى، وبينما كانا يحتسيان القهوة، بدأ خالد حديثه: "فهد، سمعتُ شيئاً عن عائلة والد لمياء."
"ماذا سمعت؟" سأل فهد باهتمام.
"سمعتُ أن والدها لم يكن مجرد موظفٍ بسيط. كان لديه بعض الاستثمارات، وكان له علاقاتٌ قوية في عالم المال. وهذا ما جعل البعض ينظر إليه بأعينٍ مختلفة."
"نعم، والدته ذكرت لي أنه كان لديه مشروعٌ تجاريٌ مع السيد فواز."
"فواز؟" قال خالد، وبدا عليه بعض الاستغراب. "نعم، أعرف فواز. إنه رجلٌ ذكي، ولكنه أيضاً… ماكرٌ بعض الشيء."
"ماكر؟"
"نعم. لقد كان يتخذ قراراتٍ جريئة، ولم يكن يخشى المخاطرة. وكان دائماً ما يسعى إلى التوسع."
"هل كانت هناك مشاكل بينه وبين والد لمياء؟"
"سمعتُ همساتٍ كثيرة. ولكن لم يتحدث أحدٌ عن تفاصيل. كل ما أعرفه هو أن الشراكة بينهما انتهت بشكلٍ غامض. وأن والد لمياء، بعد ذلك، أصبح أكثر حذراً في أموره المالية."
"أكثر حذراً؟"
"نعم. وكأن شيئاً قد حصل وأثر عليه."
"هل تعتقد أن السيد فواز له علاقةٌ بما حدث؟"
"لا أستطيع الجزم يا فهد. ولكن… في عالم المال، كل شيءٍ ممكن. وأحياناً، تكون الخلافات صغيرةً في البداية، وتكبر لتصبح مشاكل كبيرة."
كان فهد يشعر بأن كل ما يسمعه يؤكد شكوكه. والد لمياء كان يخفي سراً، وهذا السر كان له علاقةٌ بفواز وبمشروعهما المشترك.
"هل هناك أي شيءٍ آخر يا خالد؟"
"نعم. سمعتُ أيضاً أن والدك، رحمه الله، كان يعرف والد لمياء جيداً. وأن والدتك كانت قريبةً من عائلة والد لمياء."
"هذا صحيح."
"هل تعتقد أنهم كانوا على علمٍ بتفاصيل هذه الشراكة؟"
"ربما. ولكنهما لا يتحدثان كثيراً عن الماضي."
"حسناً يا فهد. أنا فقط أردتُ أن أقدم لك هذه المعلومات. أنت تعرفني، أنا لا أحب التدخل، ولكنني أهتم لأمرك."
"شكراً لك يا خالد. أنت دائماً ما تكون مصدراً جيداً للمعلومات."
عاد فهد إلى منزله، وهو يشعر بضبابٍ كثيفٍ يحيط به. لقد تجمعت لديه بعض قطع الألغاز، ولكن الصورة الكاملة ما زالت غامضة. كان السيد فواز، والشراكة التجارية، والخلافات المالية، كلها أمورٌ تبدو متشابكة.
هل كان والد لمياء قد تعرض لظلمٍ ما؟ وهل كان السر الذي يخفيه متعلقاً بهذا الظلم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو دور فواز الآن؟
تذكر فهد لمياء. كانت تبدو قلقةً، ولكنها كانت تحاول أن تكون قوية. وكان هو يريد أن يحميها، وأن يساعدها في كشف الحقيقة.
قرر فهد أنه يجب أن يواجه فواز. لم يكن يخطط للتهديد أو للمواجهة العنيفة، بل للحوار. كان عليه أن يسمع وجهة نظره، وأن يكشف ما كان يخفيه.
كانت هذه بداية مرحلةٍ جديدة. مرحلةٌ سيتم فيها كشف الحقائق، ومواجهة الماضي. وكانت لمياء، وربما فهد أيضاً، على وشك اكتشاف أن قصتهم لم تبدأ بمشاعرهما، بل كانت متجذرةً في تاريخٍ أعمق، وأكثر تعقيداً مما كانا يتخيلان.