أنت وحدك 155
همسات الماضي ونيران الحاضر
بقلم فاطمة النجار
انتابت سلمى موجة برد لم تكن بسبب انخفاض درجة الحرارة في قصر جدتها الفسيح، بل كانت نتيجة لما تسرب إليها من كلمات أختها الكبرى، ليلى، التي كانت تجلس مقابلها على طرف المائدة العائلية الممتدة، وتحت الثريا المتلألئة التي تكسر أشعتها الذهبية على قناديل الفضة. لم يكن حديثهما يدور حول أمور عادية، بل كان أشبه بزلزال يضرب أركان عالم سلمى الهادئ.
"لا أصدق ما أسمع، ليلى. هل هذا حقاً ما يدور في ذهنك؟" همست سلمى، وعيناها تتسعان في ذهول، بينما كانت أصابعها ترتجف وهي تعبث بقطعة خبز صغيرة أمامها.
ابتسمت ليلى ابتسامة باهتة، ابتسامة لم تصل إلى عينيها. "وماذا تتوقعين يا سلمى؟ هل ظننتِ أن الأمور ستسير على ما يرام إلى الأبد؟ الحياة ليست قصة خيالية نكتبها نحن، بل هي نهر جارٍ يحملنا معه حيث يشاء."
تنهدت سلمى بعمق، محاولة استيعاب الثقل الذي حط على صدرها. كانت ليلى، رفيقة دربها، وشريكة أحلامها، تفكر بطريقة بدت لسلمى مخالفة لكل ما تعلمته وترعرعت عليه. "ولكن... ولكن الحاج عبد الرحمن؟ وماذا عن وعده؟"
"وعد الحاج عبد الرحمن كان لزمن مضى، زمن كانت فيه الأشياء أبسط، والقلوب أصفى. أما الآن، فالأمور تعقدت. المال، المصالح، السمعة... كل هذه الأشياء تفرض نفسها." قالت ليلى، ثم استدركت فوراً، وكأنها تحاول أن تلطف من وقع كلماتها. "لا تفهميني خطأ يا حبيبتي. لا أقول أن الأمور سيئة تماماً، ولكن هناك... هناك مفاوضات، وتنازلات. أنتِ تعرفين كيف تسير الأمور في عالمنا."
لم تستطع سلمى إقناع نفسها. "مفاوضات؟ تنازلات؟ عن ماذا تتحدثين؟ عن مستقبلي؟ عن سعادتي؟ هل تسمح العادات والتقاليد والقيم التي تربينا عليها بهذه التنازلات؟"
"العادات والتقاليد تتغير يا سلمى، وتتكيف مع الزمن. الأهم هو أن نجد لنا مكاناً، وأن نحافظ على ما لدينا. أنتِ ذكية، وعاقلة، ولابد أن تدركي أن هذه فرصة لا يمكن تجاهلها." نظرت ليلى إلى أختها نظرة تحمل مزيجاً من الشفقة والواقعية القاسية.
"فرصة؟ أتقصدين الزواج من رجل لا أعرفه؟ رجل لا أعرف عنه سوى أنه ثري، وقوي، ولديه نفوذ؟ وأنا؟ ألا يحق لي أن أختار؟ ألا يحق لي أن أحب؟" سألت سلمى بصوت يرتجف، ودموع بدأت تتجمع في محجر عينيها.
"الحب يا سلمى ليس كل شيء. في النهاية، الزواج استقرار، وأمان. ومن يدري؟ قد تجدين معه سعادتك. ثم إن العائلة بحاجة إلى هذا الزواج. أنتِ لا تعيشين وحدك."
كلمة "العائلة" كانت كالمسمار الأخير في نعش أمل سلمى. كانت تعلم أن والديها، وكذا جدها، يعلقون آمالاً كبيرة على هذا الارتباط، ليس فقط من أجل سلمى، بل من أجل استعادة مكانة العائلة التي تراجعت قليلاً في السنوات الأخيرة. سمعت همسات عن صعوبات مالية تواجه جدها، وعن حاجته لمثل هذه الشراكة القوية.
"أنا أفهم الوضع، ليلى. أفهم ضغوطات العائلة. ولكن هل يعني هذا أن أتخلى عن قلبي؟ عن روحي؟ هل هذه هي الثقافة التي ربانا عليها جدي؟ ثقافة الأصالة والقيم؟"
"جدي يحبنا، وهو يريد لنا الأفضل. والأفضل الآن هو هذا الزواج." كررت ليلى، وكأنها تلقن نفسها. "المهم أن لا تظهر أي علامة ضعف. يجب أن تتصرفي بكياسة، وتجعلي الجميع يظن أنكِ سعيدة ومتحمسة."
ارتسم على وجه سلمى تعبير مختلط من الحزن والغضب. "أنا؟ أتظاهر بالسعادة؟ وأنا أشعر بأن قلبي يتصدع؟"
"هذا هو المطلوب يا سلمى. فقط لبضعة أشهر. وبعد ذلك، لكل حادث حديث." قالت ليلى، ثم أضافت بصوت أخفض، وكأنها تكشف سراً أعمق. "الرجل الذي يتحدثون عنه... هو نفسه الذي رأيتِه في حفل جدتك الأخير. الرجل الذي جلستِ معه قليلاً على الشرفة."
تجمد الدم في عروق سلمى. تذكرت ذلك الشاب الوسيم، ذي العينين الثاقبتين، والابتسامة الهادئة، الذي تحدث معها عن الشعر، وعن التاريخ، وعن الأحلام. كان رجلاً مختلفاً، شعرت تجاهه بشيء لم تشعر به مع أي رجل آخر. ولكنها كانت تظنه مجرد ضيف، أو صديق لأحد أفراد العائلة. هل يمكن أن يكون هو؟
"تتحدثين عن... السيد فيصل؟" سألت سلمى، وصوتها بالكاد خرج.
هزت ليلى رأسها ببطء. "نعم، فيصل. هو ابن السيد منصور، رجل الأعمال الكبير. الصفقة تمت، والوالد وافق. وبدورنا، نحن نتوقع منكِ أن توافقي على الخطبة. إنها مسألة أيام فقط."
شعرت سلمى بالدوار. لم يكن الأمر مجرد زواج تقليدي، بل زواج بشخص تعرفه، شخص أثارت فيه بعض المشاعر. ولكن هل كانت تلك المشاعر حب؟ أم مجرد إعجاب عابر؟ وهل كان فيصل يشعر بشيء تجاهها؟ وهل كانت ظروف العائلة أقوى من كل هذا؟
"متى؟ متى سيتم الإعلان؟" سألت سلمى، وصوتها أصبح أشبه بالخشخشة.
"خلال هذا الأسبوع. جدي يريد أن يعلن الخبر في حفل صغير للعائلة والأصدقاء المقربين. كن مستعدة، سلمى. هذا هو قدرك."
نظرت سلمى إلى ما وراء ليلى، إلى انعكاس صورتها الباهتة في سطح الطاولة المصقول. بدت غريبة، شاحبة، كأنها روح تتخلى عن جسدها. لم تكن تعلم كيف ستتحمل كل هذا. كان عليها أن تواجه قدراً يبدو أنه قد فرض عليها، قدراً يحمل معه ثقلاً من المسؤوليات، ومزيجاً غريباً من الأمل واليأس. لم تكن تعلم إن كانت ستجد طريقها وسط هذا الضباب، أو إن كانت ستضيع فيه إلى الأبد. كانت تعلم شيئاً واحداً فقط: حياتها لن تعود كما كانت أبداً.