أنت وحدك 155
ظلال الماضي في عيون المستقبل
بقلم فاطمة النجار
في صباح اليوم التالي، استيقظت سلمى على أشعة الشمس التي تسللت عبر ستائر غرفتها الأنيقة، محاولة إضفاء بعض الدفء على برودة الليل الذي استقر في قلبها. لم يكن النوم قد زارها كثيراً، فكلمات أختها ليلى كانت تدوي في أذنيها كأنها صدى لأحلام مكسورة. "هذا هو قدرك." كلمة واحدة، ولكنها حملت ثقل عالم بأكمله.
نهضت من فراشها، متجهة نحو خزانة ملابسها، تتأمل الأقمشة الفاخرة، والألوان الزاهية. كيف لها أن ترتدي ملابس السعادة والتفاؤل، وقلبها مثقل بالغمام؟ اتخذت قرارها. لا يمكن أن تستمر في العيش في وهلة، وأن تتظاهر بما لا تشعر. يجب أن تعرف الحقيقة كاملة، وأن تواجهها بشجاعة، حتى لو كان الثمن غالياً.
نزلت سلمى إلى صالة القصر، حيث كانت جدتها، السيدة فاطمة، تحتسي فنجان قهوتها الصباحي، وتتصفح إحدى المجلات الفاخرة. كانت السيدة فاطمة امرأة ذات هيبة، وجمال لا يزال باقياً رغم سنوات العمر. لطالما كانت سلمى أقرب إلى جدتها، تشاركها أسرارها، وتستمد منها القوة.
"صباح الخير يا جدتي." قالت سلمى بصوت هادئ، ثم جلست بجانبها، محاولة ألا تظهر ما يعتمل في صدرها.
ابتسمت السيدة فاطمة، ورفعت بصرها عن المجلة. "صباح النور يا حبيبتي. تبدين شاحبة قليلاً. هل نمتِ جيداً؟"
"لم أنم كثيراً، يا جدتي." أجابت سلمى بصدق، ثم توقفت قليلاً، تجمع شتات أفكارها. "هل يمكنني أن أسألكِ شيئاً، يا جدتي؟ شيئاً مهماً جداً."
"بالطبع يا سلمى. أنتِ تعلمين أني أذن صاغية لكِ دائماً."
"أنا... أنا سمعت عن خطبة قادمة. خطبة لي." بدأت سلمى، وصوتها يرتعش قليلاً. "هل هذا صحيح؟"
نظرت السيدة فاطمة إلى حفيدتها بعينين تفيضان حناناً. "نعم يا حبيبتي. نحن نسعد بهذه الخطبة كثيراً. إنها فرصة ممتازة لكِ وللعائلة."
"ولكن... من هو العريس؟" سألت سلمى، وهي تتظاهر بالفضول، بينما كان قلبها يعزف سيمفونية من الخوف.
"إنه السيد فيصل. ابن السيد منصور. تعرفينه، أليس كذلك؟ شاب واعد، وذو أخلاق رفيعة. والده رجل ذو مكانة مرموقة، وعلاقات قوية. هذه الشراكة ستكون مفيدة جداً لعائلتنا في هذه المرحلة."
"علاقات قوية... منفعة للعائلة..." كررت سلمى الكلمات، وكأنها تستعيد ما قالته ليلى. "ولكن هل يعلم السيد فيصل؟ هل هو سعيد بهذه الخطبة؟"
ترددت السيدة فاطمة قليلاً. "هو؟ بالطبع هو سعيد. العائلتان اتفقتا، والصفقة تمت. إنه أمر يعود بالنفع على الجميع."
"ولكن هل سأل عن رأيي؟ هل سأل عن قلبي؟" سألت سلمى، وبدأت الدموع تنهمر من عينيها. "أنا... أنا لا أريده يا جدتي. أنا لا أريد هذا الزواج."
احتضنت السيدة فاطمة حفيدتها بحنان، وربتت على ظهرها. "سلمى يا حبيبتي، أنا أفهم مشاعرك. ولكن أحياناً، يجب علينا أن نضحي ببعض رغباتنا من أجل سعادة أكبر، ومن أجل مستقبل أفضل. أنتِ لا تزالين صغيرة، ولا تدركين كل الأبعاد. هذه الخطبة هي الحل للكثير من المشاكل التي تواجهنا."
"أي مشاكل يا جدتي؟ مشاكل مالية؟ هل سيتم بيعي لإنقاذ العائلة؟" سألت سلمى بنبرة تحمل مزيجاً من السخرية والألم.
"لا تقولي هذا يا سلمى. هذه ليست صفقة بيع. هذه شراكة. شراكة تضمن لنا الاستقرار. ثم إن فيصل شاب طيب، وأنا واثقة من أنه سيجعلكِ سعيدة."
"ولكن لم أحبه يا جدتي. هل تتوقعين مني أن أعيش مع رجل لا أحبه؟ أن أدعي أمامه الحب؟"
"الحب يأتي مع الأيام يا سلمى. يبدأ بالاحترام، وبالتفاهم. والأهم من ذلك، بالرغبة في بناء حياة مشتركة. فيصل رجل جدير بالثقة، وسيمنحكِ الأمان الذي تحتاجينه."
"الأمان؟ أم القيود؟" تمتمت سلمى، وشعرت بأن صوتها قد اختفى.
"أرجوكِ يا سلمى، لا تكوني طائشة. لقد رأيتِ فيصل من قبل، أليس كذلك؟ في حفلتي الأخيرة؟"
"نعم، رأيته." أجابت سلمى بصوت خافت. "ولكن..."
"إنه شاب مهذب، وذو تربية ممتازة. لم يكن مجرد لقاء عابر، بل كانت هناك أحاديث بين العائلتين قبله. والدته أعجبت بكِ كثيراً، وقد أبدت رغبتها الشديدة في أن تكوني زوجة لابنها."
"هل هي رغبتها أم رغبة والدته؟" سألت سلمى، وهي تشعر بأن خيوط الأمل تتبدد. "أنا... أنا رأيت السيد فيصل في مناسبة أخرى قبل ذلك، وتحدثت معه. كان... كان لطيفاً."
"هذا جيد. هذا يبشر بالخير." قالت السيدة فاطمة، وهي تشعر ببعض الارتياح. "أنا متأكدة أنه سيحبكِ، وأنكِ ستحبينه. فقط امنحيه فرصة."
"ولكن ماذا لو لم أحبه؟ ماذا لو اكتشفت أننا لا نتوافق؟"
"سنرى ذلك حينها. المهم الآن هو أن توافقي على الخطبة. إنها خطوة أولى ضرورية. ثم إن جدي، الحاج عبد الرحمن، قد اتخذ قراره، ولا يمكننا أن نخيب ظنه."
كلمة "الحاج عبد الرحمن" كانت كالسيف الذي يقطع كل حجة. كانت تعلم أن جدها، شيخ العائلة، يحظى باحترام كبير، وأن كلمته لا تعصى. وأن رغبته في هذه الخطبة، لم تكن مجرد رغبة شخصية، بل كانت مرتبطة بشيء أكبر، شيء يتعلق بمكانة العائلة، وربما بتعهدات قديمة.
"أنا... أنا لا أملك خياراً، أليس كذلك؟" سألت سلمى، وعيناها مليئتان بالأسى.
"الحياة لا تخلو من الخيارات يا سلمى. ولكن بعض الخيارات أفضل من غيرها. وهذا الخيار هو الأفضل الآن. ثقي بي، أنا أعرف ما أتحدث عنه." ربتت السيدة فاطمة على يد سلمى. "أنا أريدكِ سعيدة، وهذا الزواج هو طريقكِ للسعادة والاستقرار. ستكونين زوجة لرجل نبيل، وسيتم تقديركِ واحترامكِ."
غادرت سلمى غرفة جدتها، وقلبها أثقل من ذي قبل. لقد علمت الحقيقة، ولكنها لم تجد فيها عزاءً. كل ما سمعته أكد لها أن الأمر قد تجاوز مجرد رغبة شخصية، وأنها أصبحت جزءاً من خطة أكبر، خطة أعدت لها قبل أن تدرك معنى الحياة. بدا مستقبلها كسماء ملبدة بالغيوم، لا تعلم متى ستنقشع، أو إن كانت ستنقشع أصلاً.