أنت وحدك 155
بوحٌ متأخر وحساباتٌ معقدة
بقلم فاطمة النجار
في مساء ذلك اليوم، وبينما كانت أضواء القصر تتلألأ كأنها نجوم سقطت على الأرض، تلقت سلمى رسالة نصية قصيرة عبر هاتفها. لم تكن الرسالة من ليلى، ولا من والدتها، بل كانت من رقم غريب. فضول قاتل دفعها لفتحها. كانت الرسالة تتكون من سطرين فقط، ولكنها كفيلة بإحداث زلزال جديد في حياتها.
"أنا فيصل. نحتاج للتحدث. هل يمكننا اللقاء غداً، بعيداً عن أعين الجميع؟"
تجمدت سلمى في مكانها، تنظر إلى الهاتف وكأنه قطعة من نار. فيصل! هو نفسه فيصل الذي تحدثت عنه ليلى، والذي تحدثت عنه جدتها. هو نفسه الشاب الذي شعرت تجاهه ببعض الانجذاب. هل كان يعلم كل شيء؟ هل كان يشعر بنفس الضغط؟ أم أن الأمر كان مجرد خطوة أخرى في لعبته؟
شعرت بخوف شديد، ولكن أيضاً بشيء من الأمل. إذا كان يريد اللقاء، فهذا يعني أنه ربما كان لديه ما يقوله، ربما كان يشاركها نفس الشعور بالضيق، أو عدم الرضا.
ردت على الرسالة بكلمات مقتضبة: "متى وأين؟"
جاء الرد سريعاً: "غداً، بعد صلاة العصر. في المقهى القديم بالقرب من السوق. أعتقد أنه مكان مناسب."
"المقهى القديم." تذكرت سلمى ذلك المكان. كان ملاذاً هادئاً، بعيداً عن صخب المدينة، مكاناً يحلو فيه الحديث.
في صباح اليوم التالي، استيقظت سلمى بقلب يرقص بين الخوف والترقب. لم تخبر أحداً عن موعدها مع فيصل. كانت تعلم أن هذا اللقاء قد يكون نقطة تحول، إما للأفضل أو للأسوأ.
بعد صلاة العصر، ارتدت سلمى عباءة محتشمة، ووضعت نقاباً خفيفاً، وتوجهت نحو المقهى. كان المكان هادئاً كما اعتادت، تفوح منه رائحة القهوة العربية الأصيلة. جلست في زاوية بعيدة، تنتظر.
بعد دقائق قليلة، دخل رجل، طويل القامة، ذو بنية رياضية، يرتدي ملابس أنيقة. تقدم نحوها بخطوات واثقة. كان فيصل. رفع قناعه قليلاً، وألقى نظرة خاطفة عليها، ثم ابتسم.
"آهلاً بكِ يا سلمى. شكراً لحضوركِ." قال بصوت عميق وهادئ.
"أهلاً بك يا سيد فيصل." ردت سلمى، وهي تحاول أن تتجاوز ارتباكها.
جلس فيصل مقابلها، وطلب لنفسه فنجان قهوة. ثم نظر إليها مباشرة، وبعينين تحملان الكثير من الأسى.
"أنا آسف إذا كان هذا اللقاء مفاجئاً، ولكني شعرت بضرورة التحدث إليكِ." بدأ فيصل، وصوته كان محملاً بالجدية. "أنا أعلم أنكِ ربما تشعرين بالضيق، أو بالضغوط. وأن هذا الزواج لم يكن اختياركِ بالكامل."
فوجئت سلمى بجرأته وصدقه. "نعم، يا سيد فيصل. هذا صحيح. أنا... أنا أشعر ببعض التردد."
"تردد؟ هذا جيد. لأنني أشعر بنفس الشيء." قال فيصل، وهو ينظر إليها بنظرة تحمل تعاطفاً عميقاً. "عائلتي، خصوصاً والدتي، مصرة على هذا الزواج. يرون فيه صفقة ممتازة، وفرصة لتعزيز مكانتنا. ولكني... لم أكن أريد أن أفرض نفسي على أحد. لم أكن أريد أن أعيش مع امرأة لا تشعر بالرغبة في البقاء بجانبي."
"ولكن... لماذا وافقت أنت؟" سألت سلمى، وصوتها يرتفع قليلاً. "إذا كنت لا تريدني، فلماذا وافقت؟"
"لم أوافق تماماً، يا سلمى. لقد كان هناك ضغط كبير. أبي، وللأسف، الحاج عبد الرحمن. قد تعرفين مدى احترامي للحاج عبد الرحمن. له مكانة خاصة في قلبي. لقد كان حديثه معي مختلفاً. تحدث عن واجب العائلة، عن الحاجة، عن مستقبل مشرق لنا كلنا. لم يكن الأمر مجرد طلب، بل كان أشبه بتكليف."
"تكليف؟" كررت سلمى الكلمة، وكأنها صدمة جديدة. "هل كنت تعلم أنني لا أريد هذا الزواج؟"
"لقد شعرت بذلك. في تلك الليلة التي رأيتكِ فيها في حفل جدتك. تحدثنا قليلاً. رأيت في عينيكِ بعض الحزن، وبعض البحث. لم أكن متأكداً، ولكنني خفت من أن أكون سبباً في هذا الحزن."
"وماذا عن العائلة؟ ما هو الدور الذي تلعبه العائلة في كل هذا؟" سألت سلمى، وهي تحاول استيعاب كل هذه المعلومات المتضاربة.
"والدتي، كما قلت لكِ، ترى في هذا الزواج مصلحة كبيرة. وهي متصلة بشكل وثيق بوالدكِ وجدكِ. هناك ديون قديمة، وعلاقات تجارية معقدة. الأمر ليس بسيطاً كما يبدو. كلا العائلتين بحاجة لهذه الشراكة. ولكن الحاج عبد الرحمن، وبشكل خاص، يبدو أنه يعتمد على هذا الزواج كثيراً."
"يعتمد؟ كيف؟"
"لقد تحدث معي عن وضع مالي صعب يمر به. وعن أن هذا الزواج سيضع حداً لكل هذه الصعوبات. وبصراحة، يا سلمى، لم أجد في حديثه أي مجال للمقاومة. لقد أظهر لي صورة واضحة لواقع لا يمكن تجاهله."
شعرت سلمى بالدوار. لم تكن تعلم أن الوضع بهذه التعقيد. لم تكن تعلم أن جدها، رجلها القوي، كان في ضائقة مالية تستدعي مثل هذه الخطوة.
"إذن... ماذا نفعل؟" سألت سلمى، وهي تشعر بأنها عالقة في شبكة متشعبة.
"أنا لا أعرف، يا سلمى. ولكنني لا أريد أن أكون سبباً في تعاستكِ. ولا أريد أن أعيش مع امرأة تشعر بأنها مجبرة. هذا ليس زواجاً حقيقياً."
"ولكننا لا نملك خياراً." قالت سلمى، مستعيدة كلمات جدتها.
"ربما نملك خياراً. ولكن علينا أن نفكر بعمق. ماذا لو... ماذا لو تحدثنا مع جدكِ؟ مع والدكِ؟ بصراحة؟"
"هل تعتقد أن هذا ممكن؟" سألت سلمى، وهي تشعر ببريق أمل صغير.
"لا أعرف. ولكننا لا يمكن أن نعيش في كذب. إذا كنا سنتزوج، فيجب أن يكون ذلك برغبة منا، وليس مجرد التزام لا نريده. ما رأيكِ؟ هل لديكِ استعداد لمواجهة الأمر؟"
نظرت سلمى إلى فيصل. رأت في عينيه نفس الحيرة، ونفس البحث عن مخرج. لأول مرة، شعرت بأنها ليست وحدها في هذا الموقف.
"نعم، يا سيد فيصل. أنا مستعدة. أريد أن أفهم كل شيء. وأريد أن أحاول إيجاد حل."
ابتسم فيصل ابتسامة خفيفة، ابتسامة تحمل بعض الراحة، وبعض الحذر. "حسناً. إذاً، سنبدأ من هنا. ولكن يجب أن نكون حذرين. لا يمكن أن نظهر لأحد أننا نتآمر. يجب أن نبدو كأنهما نتحدث عن تفاصيل الزواج، بينما نحن في الواقع نبحث عن مخرج."
"مفهوم." أجابت سلمى، وشعرت بأن أولى خيوط الأمل قد بدأت تتكشف في سماء حياتها الملبدة.