الفصل 2 / 25

أنت وحدك 155

صوتٌ في زحامِ الحقيقة

بقلم فاطمة النجار

كانَ يومَ الجمعةِ، يومُ البركةِ والراحةِ، يومٌ يتنفسُ فيهِ قلبُ العائلةِ الصعداءَ بعدَ عناءِ الأسبوع. ولكنَّ "ليلى" لم تشعرْ براحةٍ حقيقيةٍ. منذُ ليلتها الهادئةِ المضطربةِ، كانَ شعورٌ غريبٌ يتملكها، شعورٌ بالانتظارِ، وبالترقبِ لما لا تعرفُه. كانتْ أمها، السيدةَ "فاطمة"، قدْ أعدتْ مأدبةَ غداءٍ فاخرةٍ، تجمعُ فيها الأقاربَ والجيرانَ المقربين. رائحةُ المنسفِ الشهيِّ والحلوياتِ الشرقيةِ تفوحُ في أرجاءِ المنزلِ، لكنَّ "ليلى" كانتْ تشعرُ وكأنَّ كلَّ هذهِ الأشياءَ تحدثُ في عالمٍ آخر.

جلستْ في زاويةٍ من المجلسِ الكبيرِ، تتأملُ وجوهَ القادمينَ. كانَ الحديثُ يدورُ حولَ أمورِ الحياةِ اليوميةِ، والأخبارِ الاقتصاديةِ، وزواجِ إحدى بناتِ العم. كانتْ "ليلى" تشاركُ ببعضِ الردودِ القصيرةِ، لكنَّ ذهنها كانَ شاردًا. كانتْ تبحثُ عن وجهٍ معينٍ، عن صوتٍ معينٍ، عن خبرٍ معينٍ.

"ليلى، يا ابنتي، ألمْ تتناولي شيئاً؟" نادها صوتُ أمها الحنونِ، الذي كانَ دائماً يحملُ دفءَ الأمان.

"بلْ تناولْتُ يا أمي، لكنَّني لستُ جائعةً." أجابتْ "ليلى" وهيَ تحاولُ رسمَ ابتسامةٍ طبيعية.

"لا أراكِ على طبيعتكِ اليوم. هل أنتِ بخير؟" سألتْ أمها وهيَ تقتربُ منها، وتضعُ يدها على جبينها، وكأنها تبحثُ عن حمى.

"بخيرٍ يا أمي، لا تقلقي." قالتْ "ليلى" وهيَ تمسكُ بيدِ أمها وتقبلها. "ربما هيَ مجردُ ضغوطاتِ العملِ."

"اللهُ يعينكِ. لكنْ صحتكِ أولاً." قالتْ السيدةُ "فاطمة" وهيَ تتجهُ لتفقدِ الضيوفَ الآخرين.

كانتْ "ليلى" تعملُ في مكتبةٍ عامةٍ كبيرةٍ، مهنةٌ اختارتها بشغفٍ، حيثُ تجدُ فيها ملاذها بينَ رفوفِ الكتبِ، وفي عبقِ الورقِ القديم. كانتْ تحبُّ مهنتها، لكنَّ بعضَ الكتبِ كانتْ تحملُ قصصاً لا تستطيعُ فصلها عن واقعها.

بعدَ انقضاءِ وقتِ الغداءِ، بدأَ الضيوفُ يتفرقونَ. بقيتْ بعضُ قريباتِ العائلةِ اللواتي يتجاذبنَ أطرافَ الحديثِ في أركانِ المنزل. وفجأةً، دخلَ شابٌ شابٌ يرتدي ثوباً أنيقاً، وابتسامةٌ واسعةٌ ترتسمُ على وجهه. كانَ "يوسف"، ابنُ عمِ والدها، الذي لم ترَ "ليلى" وجههُ منذُ سنواتٍ طويلة. كانَ يبدو أكثرَ نضجاً، وأكثرَ وسامةً.

"السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته." قالَ "يوسف" بصوتٍ جهوريٍّ، يحملُ نبرةَ ترحيبٍ صادق.

"وعليكم السلام." ردتْ عليهِ نساءُ العائلةِ بالترحيبِ.

مرَّتْ عينا "يوسف" على الوجوهِ، ثمَّ توقفتْ عندَ "ليلى". اتسعتْ ابتسامتهُ أكثر. "ليلى! سبحانَ الذي جمعنا! ما شاءَ الله، كبرتِ وأصبحتِ أجملَ."

شعرتْ "ليلى" بارتباكٍ طفيفٍ. لم تتوقعْ رؤيتهُ. "أهلاً بكَ يا يوسف. أنتَ أيضاً لم تتغير كثيراً. ما شاءَ الله."

"الحمدُ لله." قالَ "يوسف" وهوَ يقتربُ منها. "أينَ الوالدةُ؟"

"في المطبخِ، تساعدُ في جمعِ الأطباق." قالتْ "ليلى".

"سأذهبُ لألقي عليها التحيةَ. ثمَّ سنكملُ حديثنا." قالَ "يوسف" وعيناهُ ما زالتا مثبتتينِ عليها.

لم يفهمْ "يوسف" لماذا توقفتْ "ليلى" عن البحثِ عن زوجٍ بعدَ وفاةِ خطيبها الأول. هل كانَ الأمرُ يتعلقُ بحبٍّ عميقٍ؟ أمْ أنَّها تخشى تكرارَ الألم؟ كانَ يعرفُ قصتها، لكنَّه لم يكنْ يعرفُ التفاصيلَ التي دفعتها إلى هذا القرار.

مرَّتْ أيامٌ أخرى، وفي كلِّ يومٍ كانتْ "ليلى" تزدادُ قلقاً. بدأتْ تشعرُ وكأنَّ شيئاً ما يوشكُ أنْ يحدث، شيءٌ سيغيّرُ هدوءَ حياتها. في إحدى الأمسياتِ، وبينما كانتْ تفرزُ الكتبَ في المكتبةِ، أمسكتْ بكتابٍ قديمٍ، غلافهُ ممزقٌ، لكنَّ اسمهُ كانَ واضحاً: "مذكراتٌ من زمنٍ مضى". فتحتِ الكتابَ، وإذْ بها تجدُ بينَ صفحاتهِ رسالةً مخطوطةً بخطِّ يدٍ تعرفهُ جيداً.

تسمرتْ في مكانها، وقلبها بدأَ يخفقُ بعنفٍ. كانتْ الرسالةُ قصيرةً، لكنَّ كلماتها كانتْ كالصاعقة.

"إلى ليلى، حبيبتي، أتمنى أنْ تجديني يوماً ما. أنا ذاهبٌ بعيداً، لكنَّ قلبي سيبقى معكِ. لا تنتظريني، لكنْ تذكري دائماً أنَّكِ كنتِ أجملَ ما حصلَ لي. أحمد."

أغمضتْ "ليلى" عينيها، وأنفاسها تتسارعُ. لم تفهمْ. كيفَ؟ لماذا؟ بعدَ كلِّ هذهِ السنوات؟ هل كانَ قدْ تركَها دونَ أنْ يخبرَ أحداً؟ هل كانَ قدْ قررَ الهرب؟

انتهتْ نوبةُ الارتباكِ، وعادتْ إليها برودةُ الواقع. لقدْ قررَ أحمدُ الرحيلَ. وقدْ تركَ لها هذهِ الرسالةَ، ليُعلنَ عن نهايتهِ، عن نهايتهم. لكنَّها لم تفهمْ، لماذا الآن؟ ولماذا عبرَ هذا الكتابِ؟

في تلكَ اللحظةِ، سمعتْ صوتاً يناديها. "ليلى؟ هل أنتِ هنا؟"

كانَ "خالد"، أخيها.

"نعم، هنا." أجابتْ "ليلى" بصوتٍ مرتجفٍ، وهيَ تخفي الرسالةَ بسرعةٍ في جيبِ ثوبها.

دخلَ "خالد" وهوَ يحملُ كوبينِ من الشاي. "كنتُ أبحثُ عنكِ. الجوُّ باردٌ قليلاً، فقلتُ ربما تحتاجينَ لشيءٍ دافئ."

"شكراً لكَ يا خالد." قالتْ "ليلى" وهيَ تحاولُ استعادةَ رباطةَ جأشها.

جلسا معاً، وشربا الشايَ في صمتٍ. كانتْ "ليلى" تشعرُ بأنَّ عالمها قدْ انقلبَ رأساً على عقبٍ. هذهِ الرسالةُ، وهذا الكتابُ، كلُّ شيءٍ كانَ غريباً.

"هل أنتِ حقاً بخيرٍ؟" سألَ "خالد" بجديةٍ.

نظرتْ "ليلى" إلى شقيقها. لم تستطعْ أنْ تكذبَ عليهِ. "لا يا خالد. أنا لستُ بخيرٍ."

"ماذا حدثَ؟" سألَ "خالد" وهوَ يضعُ كوبَ الشايِ جانباً.

ترددتْ "ليلى" قليلاً. هل يجبُ أنْ تخبرَهُ؟ هل سيفهمُ؟

"لقدْ وجدتُ شيئاً." قالتْ "ليلى" ببطءٍ. "شيئاً كنتُ أعتقدُ أنَّه ضاعَ للأبد."

"وما هوَ هذا الشيء؟"

"رسالةٌ." قالتْ "ليلى" وعيناها تنظرانِ إلى الأرض. "رسالةٌ من أحمد."

تجمدَ "خالد" في مكانه. لم يتوقعْ هذا أبداً. "من أحمد؟ كيفَ؟"

"لا أعرفُ كيف. وجدتها في كتابٍ قديمٍ هنا في المكتبة."

"وماذا تقولُ الرسالة؟" سألَ "خالد" بلهفةٍ.

"إنَّها... إنَّها تقولُ إنَّه رحلَ." قالتْ "ليلى" وعيناها امتلاتْ بالدموع.

"رحلَ؟ منذُ متى؟"

"لا أعرفُ متى. لكنَّها تقولُ إنهُ لنْ يعود."

احتضنَ "خالد" أختهُ. "أنا آسفٌ جداً يا ليلى. أعرفُ أنَّكِ كنتِ متعلقةً بهِ، وأنَّ الأمرَ كانَ صعباً عليكِ. لكنْ تذكري، لقدْ مرَّ وقتٌ طويلٌ."

"الوقتُ لا يمحو كلَّ شيءٍ يا خالد." قالتْ "ليلى" وهيَ تبكي. "خاصةً عندما لا تعرفينَ الحقيقةَ كاملةً. هذهِ الرسالةُ، إنَّها تفتحُ جروحاً قديمةً، وتجعلني أتساءلُ عن كلِّ شيءٍ."

"وما الذي تتساءلينَ عنه؟"

"أتساءلُ عن سببِ رحيله. عن سببِ تركهِ لي هذهِ الرسالةَ بعدَ كلِّ هذهِ السنوات. هل كانَ يحبني حقاً؟ أمْ كانَ مجردَ وعدٍ عابرٍ؟"

"لا تقللي من شأنِ نفسكِ يا ليلى. أنتِ شخصٌ عظيمٌ، وكنتِ وستكونينِ دائماً كذلك. ما حدثَ كانَ مؤلماً، لكنَّه ليسَ خطأكِ."

"لكنَّني لم أحصلْ على إجاباتٍ يا خالد. ما زلتُ أعيشُ في دوامةِ الأسئلةِ."

كانَ "خالد" يشعرُ بحزنِ أختهِ، وبحيرتها. كانَ يعلمُ أنَّ هذهِ الرسالةَ قدْ أيقظتْ شيئاً عميقاً بداخلها. شيئاً كانتْ تحاولُ إخفاءه.

"لا تقلقي يا ليلى." قالَ "خالد" بحنان. "سنجدُ الحقيقةَ معاً. ومهما حدثَ، سأكونُ معكِ."

نظرتْ "ليلى" إلى أخيها، وابتسمتْ ابتسامةً صغيرةً، تحملُ بصيصَ أملٍ. ربما هذهِ الرسالةُ لم تكنْ نهايةً، بلْ بدايةً لشيءٍ جديد. بدايةً للبحثِ عن الحقيقةِ، والبحثِ عن السعادةِ التي طالما طمحتْ إليها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%