الفصل 3 / 25

أنت وحدك 155

همساتُ الماضي في أروقةِ الحاضر

بقلم فاطمة النجار

لم تستطعْ "ليلى" النومَ تلكَ الليلة. ظلَّتْ الرسالةُ عالقةً في ذهنها، كلماتها تتراقصُ أمامَ عينيها، تثيرُ فيها خليطاً من المشاعرِ المتباينة. لم يعدْ الأمرُ يتعلقُ بحبٍّ ضائعٍ أو ذكرى مؤلمة، بلْ أصبحَ لغزاً يحتاجُ إلى حلٍّ. لماذا تركَ أحمدُ هذهِ الرسالةَ في كتابٍ؟ هل كانَ يعرفُ أنَّها ستبحثُ عنه؟ هل أرادَ لها أنْ تعرفَ أنَّه كانَ يفكرُ بها؟

في صباحِ اليومِ التالي، بدأتْ "ليلى" رحلةَ البحثِ. ذهبتْ إلى المكتبةِ قبلَ موعدِ العملِ بساعةٍ، وبدأتْ تتفحصُ الكتبَ القريبةَ من الكتابِ الذي وجدتْ فيهِ الرسالة. لم تجدْ شيئاً لافتاً. بدتْ الكتبُ عاديةً، لا تحملُ أيَّ علاماتٍ تشيرُ إلى صاحبها أو إلى أيِّ قصَّةٍ مميزة.

"يا ربِّ، كيفَ أجدُ الحقيقةَ؟" تمتمتْ "ليلى" وهيَ تمسحُ جبهتها.

في وقتِ الظهيرةِ، جاءَ "خالد" إلى المكتبةِ، يحملُ حقيبةً صغيرةً. "هل أنتِ مستعدةٌ؟" سألَها بابتسامةٍ.

"مستعدةٌ لما؟" سألتْ "ليلى" وهيَ تستغرب.

"للبحثِ عن الإجابات. لقدْ تحدثتُ مع بعضِ الأشخاصِ الذينَ قدْ يعرفونَ أحمد. ربما لديهم معلوماتٌ جديدة."

شعرتْ "ليلى" بامتنانٍ كبيرٍ تجاهَ أخيها. "شكراً لكَ يا خالد. لا أعرفُ ماذا كنتُ سأفعلُ بدونك."

"هيا بنا." قالَ "خالد" وهوَ يمدُّ يدهُ ليساعدها على النهوضِ.

كانَ أولُ من قابلا "عمَّتَهُما الكبيرةَ" السيدةَ "أمينة"، وهيَ والدةُ "يوسف". كانتْ تعرفُ تاريخَ العائلةِ جيداً، وتحتفظُ بالكثيرِ من الأسرارِ والقصصِ.

"السلامُ عليكم يا عمَّتي." قالَ "خالد" و"ليلى".

"وعليكم السلام. أهلاً بكنّ، يا أبنائي." رحبتْ بهما السيدةُ "أمينة" بحرارةٍ.

بعدَ تبادلِ التحياتِ، بدأتْ "ليلى" بالحديثِ. "عمَّتي، هل تتذكرينَ أحمد، ابنَ عمي منصور؟"

اتسعتْ عينا السيدةِ "أمينة" قليلاً. "أحمد؟ نعم، بالطبع. شابٌ طيبٌ، لكنَّه غريبٌ بعضُ الشيء."

"هل تعرفينَ لماذا سافرَ، ولماذا لم يعدْ؟" سألتْ "ليلى" بترقب.

تنهدتْ السيدةُ "أمينة". "لقدْ كانَ قراراً مفاجئاً. قالَ إنهُ ذاهبٌ ليكملَ دراستهُ في الخارجِ، لكنَّه لم يتحدثْ عن أسبابٍ أخرى. وبعدَ ذلكَ، اختفى. لم يعدْ يسمعُ عنه أحدٌ."

"لكنَّني وجدتُ رسالةً منهُ." قالتْ "ليلى" وهيَ تخرجُ الرسالةَ من جيبها. "إنَّها تقولُ إنَّه رحلَ."

قرأتْ السيدةُ "أمينة" الرسالةَ بتمعنٍ. "هذا غريبٌ جداً. لم أتوقعْ منهُ شيئاً كهذا."

"هل تعرفينَ أحداً كانَ قريباً منهُ في تلكَ الفترةِ؟" سألَ "خالد".

"لا أعتقدُ. كانَ دائماً شخصاً منعزلاً بعضُ الشيء. يحبُ القراءةَ، ويقضي وقتَهُ وحيداً."

"لكنَّهُ تركَ هذهِ الرسالةَ في كتابٍ. هذا يدلُّ على أنَّهُ أرادَ لها أنْ تجدها." قالتْ "ليلى" بيقينٍ.

"ربما. لكنْ أيَّ كتابٍ؟ وهل كانَ هذا الكتابُ خاصاً لكِ؟"

"لا، لقدْ وجدتهُ في المكتبةِ العامةِ. ولم يكنْ معروفاً لمنْ هوَ."

"هذا يزيدُ الأمرَ تعقيداً." قالتْ السيدةُ "أمينة" وهيَ تفكرُ. "ربما يجبُ أنْ تتحدثوا مع ابنِ عمي منصور، والده. لعلَّهُ يعرفُ شيئاً."

"لقدْ تحدثنا معهُ، لكنَّهُ لم يبدُ مستعداً للحديثِ عن الموضوع." قالَ "خالد".

"نعم، كانَ دائماً يخفي عن أحمدَ الكثيرَ من الأمورِ. وكانَ يشعرُ بالذنبِ تجاههُ."

"لماذا الذنب؟" سألتْ "ليلى" بانتباه.

"لا أعرفُ التفاصيلَ بالضبط. لكنَّني سمعتُ أنَّ منصورَ كانَ يعاملُ أحمدَ بقسوةٍ أحياناً، ولم يكنْ يقدرُ مواهبهُ. ربما كانَ أحمدُ يشعرُ بأنَّهُ غيرُ محبوبٍ."

شعرتْ "ليلى" بوخزةٍ في قلبها. هل كانَ هذا هوَ السببُ؟ هل كانَ أحمدُ يشعرُ بأنهُ غيرُ محبوبٍ، فهربَ بعيداً؟

بعدَ لقاءِ السيدةِ "أمينة"، توجهتْ "ليلى" و"خالد" إلى منزلِ "يوسف". كانَ "يوسف" طبيباً ناجحاً، ولهُ علاقاتٌ واسعةٌ.

"مرحباً بكم." استقبلهم "يوسف" بابتسامتهِ المعهودة. "ما الذي أتى بكما إلى هنا؟"

"نحنُ نبحثُ عن معلوماتٍ حولَ أحمد." قالَ "خالد" مباشرةً.

"أحمد؟" بدا "يوسف" متفاجئاً. "هل حدثَ شيءٌ؟"

"وجدنا رسالةً منهُ، تقولُ إنَّه رحلَ." قالتْ "ليلى" وهيَ تخرجُ الرسالةَ.

قرأَ "يوسف" الرسالةَ، ثمَّ وضعها جانباً. "لم أكنْ أعرفُ أنَّهُ تركَ رسالةً. حينَها، بدا الأمرُ وكأنَّهُ اختفى فجأةً. والدي كانَ حزيناً جداً، لكنَّه لم يكشفْ لي عن أيِّ تفاصيلَ."

"هل تعرفُ أيَّ مكانٍ كانَ يذهبُ إليهِ أحمدُ كثيراً؟ أو أيَّ شخصٍ كانَ قريبًا منهُ؟" سألتْ "ليلى".

"كانَ يحبُّ قراءةَ الكتبِ القديمةِ. وربما كانَ لديهِ صديقٌ سريٌّ. لم يكنْ لديهِ الكثيرُ من الأصدقاءِ، لكنَّهُ كانَ دائماً يذهبُ إلى المكتبةِ العامةِ. أتذكرُ أنَّهُ كانَ يقضي ساعاتٍ هناكَ."

"هذا ما قلناهُ." قالتْ "ليلى" بخيبةٍ أملٍ. "لكنَّنا لم نجدْ شيئاً."

"انتظروا." قالَ "يوسف" وهوَ يفكرُ. "والدي كانَ دائماً يتحدثُ عن مكتبةٍ قديمةٍ في وسطِ المدينةِ، كانتْ مليئةً بالكتبِ النادرةِ. ربما كانَ أحمدُ يذهبُ إلى هناكَ."

"هل تعرفُ عنوانها؟" سألَ "خالد".

"ربما. لابدَّ أنْ أبحثَ في أوراقِ والدي القديمةِ."

شعرتْ "ليلى" ببريقِ أملٍ جديدٍ. ربما هذهِ المكتبةُ القديمةُ هيَ المفتاحُ. ربما كانتْ هيَ المكانُ الذي تركَ فيهِ أحمدُ شيئاً يدلُّ عليها.

"شكراً لكَ يا يوسف. هذا قدْ يكونُ مهماً جداً." قالتْ "ليلى" بامتنان.

"سأبحثُ وأتصلُ بكما فوراً." قالَ "يوسف" وهوَ يودعهم.

خرجتْ "ليلى" و"خالد" من منزلِ "يوسف" وهما يشعرانِ بقليلٍ من التفاؤل. كانتْ كلُّ خطوةٍ يخطونها تقربهم أكثرَ من الحقيقةِ، تقربهم من فهمِ لماذا اختفى أحمدُ، ولماذا تركَ لها هذهِ الرسالةَ.

"هل تعتقدينَ أنَّنا سنجدُ شيئاً؟" سألَ "خالد".

"أتمنى ذلكَ يا خالد. أتمنى أنْ أجدَ نهايةً لهذا اللغزِ، ونهايةً لهذا الألمِ الذي أشعرُ بهِ منذُ سنواتٍ."

"وستجدينَها بإذنِ الله." قالَ "خالد" بثقة. "المهمُّ أنَّنا معاً."

نظرتْ "ليلى" إلى شقيقها، وشعرتْ بامتنانٍ عميقٍ. كانَ سندها، ورفيقها في رحلةِ البحثِ هذه. بدأتْ تشعرُ بأنَّها ليستْ وحدها في هذا الأمر، وأنَّ هناكَ من يساعدها على حملِ هذا العبءِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%