أنت وحدك 155
ظِلالُ الهَزيمَةِ المُتَجَدِّدَة
بقلم فاطمة النجار
عاشتْ "ليلى" أيامَها التاليةَ في ضبابٍ كثيفٍ من الحزنِ واليأس. كلُّ زاويةٍ في غرفتِها، كلُّ كتابٍ في رفِّها، كلُّ أغنيةٍ سمعتها، كانتْ تُعيدُها إلى ذكرياتِ "يوسف". كانتْ تشعرُ بأنَّها فقدتْ جزءاً من روحِها، وأنَّ العالمَ قد فقدَ ألوانَهُ.
بدأتْ تفقدُ اهتمامَها بالعملِ والدراسة. كانتْ تجلسُ في مكتبِها، وعيناها شاردتانِ، تتخيلُ "يوسف" وهوَ يبتسمُ لها، أو يتحدثُ معها عن الكتبِ التي يحبُّانِها. كانَ الألمُ عميقاً، وكانَ الشفاءُ يبدو بعيدَ المنال.
في المنزل، حاولَ والداها ملاحظةَ التغييرَ الذي طرأَ على ابنتِهما، لكنَّها كانتْ تتظاهرُ بأنَّ كلَّ شيءٍ على ما يرام. لم تستطعْ أنْ تخبرَهُما بالحقيقة، خوفاً من أنْ تزيدَ من عبئِهما، أو أنْ تجلبَ لنفسِها المزيدَ من اللومِ والتوبيخ.
"ماذا بكِ يا ابنتي؟ تبدينَ شاحبةً ومتعبةً." سألَها والدُها بحنانٍ ذاتَ مساء. "لا شيءَ يا أبي، مجردُ بعضِ الإرهاقِ من العمل." أجابتْ "ليلى" بابتسامةٍ باهتة.
كانتْ تلكَ الكلماتُ كذباً، لكنَّها كانتْ أفضلَ من الحقيقةِ المرة. كانتْ تدركُ أنَّها يجبُ أنْ تكونَ قويةً، وأنْ تتجاوزَ هذهِ المحنة. لكنَّ قلبَها كانَ لا يزالُ ينبضُ بحبِّ "يوسف".
في هذهِ الأثناء، كانَ "يوسف" يعيشُ حياةً لا تختلفُ كثيراً عن حياةِ "ليلى". كانَ يشعرُ بالندمِ الشديدِ على قراره، وكانَ يتساءلُ باستمرارٍ عن مصيرِ "ليلى". كانَ يتذكرُ حديثَهُ معها، وكلماتِها التي كانتْ تعبرُ عن الألمِ والغضب، وكانَ يشعرُ بأنَّهُ قد خذلَها.
حاولَ أنْ يكلمَ "ليلى" عدةَ مراتٍ، لكنَّها لم تُجب. كانَ يشعرُ بأنَّهُ قد فقدَها إلى الأبد، وأنَّهُ لن يستطيعَ أبداً تعويضَ ما فعلَ.
"يا ليتني كنتُ شجاعاً أكثر." قالَ لنفسِهِ، والشعورُ بالأسىِ يملأُ قلبَهُ. "لو أنني واجهتُ والديَّ، ودافعْتُ عن حبِّي، لربما كانَ الأمرُ مختلفاً."
كانَ "يوسف" يشعرُ بأنَّهُ أصبحَ سجيناً لعالمِهِ، وللتقاليدِ التي تربى عليها. كانَ يدركُ أنَّهُ قد فقدَ سعادتَهُ الأبديةَ، وأنَّهُ اختارَ طريقاً لا يجلبُ لهُ سوى الألمِ والندم.
معَ مرورِ الوقت، بدأتْ "ليلى" تفكرُ في البحثِ عن طريقةٍ للخروجِ من هذا الوضع. أدركتْ أنَّها لا تستطيعُ أنْ تعيشَ حياتَها وهيَ غارقةٌ في أحزانِ الماضي. بدأتْ تحاولُ استعادةَ زمامِ حياتِها، واستعادةَ ثقتِها بنفسِها.
بدأتْ تعودُ إلى هواياتِها القديمة، إلى القراءةِ والكتابة. بدأتْ تكتبُ في دفترِها عن مشاعرِها، عن آلامِها، وعن آمالِها. كانتْ تلكَ الكتابةُ بمثابةَ terapia لها، تساعدُها على فهمِ ما حدث، وعلى المضيِ قدماً.
في أحدِ الأيام، وبينما كانتْ "ليلى" تتصفحُ إحدى رواياتِها المفضلة، وجدتْ قصيدةً قصيرةً عن الصبرِ والتحدي. أعجبتْها القصيدةُ كثيراً، وشعرتْ بأنَّها تحملُ رسالةً خاصةً لها.
"لا تيأسنَّ وإنْ طالَ البلاءُ فالصبرُ مفتاحٌ لكلِّ ضياءِ مهما قستْ عليكَ صروفُ دهرٍ تذكرْ بأنَّ الفجرَ بعدَ مساءِ"
تأثرتْ "ليلى" بهذهِ الكلمات، وبدأتْ تشعرُ ببعضِ الأمل. أدركتْ أنَّها يجبُ أنْ تكونَ قويةً، وأنْ تواجهَ الحياةَ بكلِّ ما فيها.
في هذهِ الأثناء، قررَ "يوسف" أنْ يواجهَ والدَهُ. كانَ يعرفُ أنَّهُ يجبُ عليهِ أنْ يتخذَ قراراً حاسماً، وأنْ لا يعيشَ حياتَهُ وهوَ يشعرُ بالندم.
"يا أبي، أرجو أنْ تسمعَني." قالَ "يوسف" لوالدهِ بجرأة. "لقد اتخذتُ قراراً. لا أستطيعُ أنْ أتزوجَ من هند. لا أحبُّها."
صدمَ الوالدُ من كلماتِ ابنِهِ. لم يتوقعْ منهُ هذهِ الجرأة. "ماذا تقولُ يا يوسف؟ أنتَ تعرفُ أنَّ هذهِ الخطبةَ ضروريةٌ لعائلتِنا." قالَ الوالدُ بغضب.
"يا أبي، أنا لا أريدُ أنْ أعيشَ حياةً زائفةً. أنا أحبُّ فتاةً أخرى، وأريدُ أنْ أتزوجَها. قد لا تكونُ من عائلتِنا، لكنَّها فتاةٌ طيبةٌ، وصادقةٌ." قالَ "يوسف"، والشعورُ بالصدقِ يغمرُهُ.
لم يستطعِ الوالدُ أنْ يفهمَ تصرفَ ابنِهِ. كانَ يرى أنَّهُ قد فقدَ عقله. "إذا كانَ هذا هوَ قرارُكَ، فلتذهبْ إلى حالِ سبيلِكَ. لن أكونَ أباً لكَ بعدَ الآن!" قالَ الوالدُ بلهجةٍ قاطعة.
شعرَ "يوسف" بالألمِ، لكنَّهُ في الوقتِ ذاتِهِ، شعرَ بالراحة. كانَ قد فعلَ ما يجبُ عليهِ فعله. كانَ قد اتخذَ قرارهُ، ومستعداً لمواجهةِ تبعاتِهِ.
بدأتْ "ليلى" تشعرُ ببعضِ التحسن. بدأتْ تعودُ إلى حياتِها الطبيعية. كانتْ لا تزالُ تتذكرُ "يوسف"، لكنَّ الألمَ لم يعدْ يسيطرُ عليها. كانتْ قد بدأتْ تتجاوزُ مرحلةَ الحزنِ، وتتجهُ نحو مرحلةِ الشفاء.
في إحدى الأمسيات، وبينما كانتْ "ليلى" تتناولُ العشاءَ معَ عائلتِها، وصلتها رسالةٌ قصيرةٌ على هاتفِها. كانتْ الرسالةُ من "يوسف".
"ليلى، لقد اتخذتُ قراراً. أريدُ أنْ أكونَ معكِ. أرجو أنْ تعطيني فرصةً أخرى."
قرأتْ "ليلى" الرسالةَ، وشعرتْ بشيءٍ غريبٍ يتغلغلُ في قلبِها. كانَ هناكَ مزيجٌ من السعادةِ، والخوف، والحيرة.
هل تعطي "يوسف" فرصةً