أنت وحدك 155
همسات الليل وخواطر القلب
بقلم فاطمة النجار
كان الليل قد أرخى سدوله على مدينة جدة، ونثر نجومه كحبات لؤلؤ متناثرة على بساط مخملي داكن. في جناحها الهادئ، جلست ليلى تنظر إلى القمر الفضي المعلق في السماء، ترسمه في مخيلتها بألوان أحلامها الوردية. لم تكن تلك الوحدة التي اعتادتها في غرفتها، بل كانت وحدة تحمل في طياتها ألف حكاية لم تُروَ بعد، وألف شعور تغلغل في أعماق قلبها. منذ لقاء بدر، تغيرت أشياء كثيرة داخلها. كانت تفكر فيه باستمرار، في ابتسامته الواثقة، وفي عينيه اللتين تحملان دفئًا غريبًا، وفي حديثه الذي ينم عن رجل رزق الحكمة في سن مبكرة.
في بداية الأمر، كانت ترى في لقائهما مجرد مصادفة عابرة، ولكن الأيام أثبتت لها أن هناك خيطًا رفيعًا بدأ يُنسج بينهما، خيطًا من الاحترام المتبادل، ومن الإعجاب الصامت الذي يتسلل إلى النفس بهدوء. في بيتهم، كان كل شيء هادئًا كالمعتاد. والدتها، أمينة، كانت منهمكة في ترتيبات زيارة خالتها القادمة من مكة، ووالدها، السيد عبد الرحمن، كان يقرأ جريدته المسائية بتركيز. لم يكن أحد يدري بما يجول في خاطر ابنته الشابة.
في أحد الأيام، وصلتها رسالة من صديقتها المقربة، سارة. كانت الرسالة تحمل أخبارًا مفاجئة: سارة، التي كانت على وشك إنهاء دراستها الجامعية، قد تلقت عرض عمل ممتاز في دبي، وكانت تفكر جدياً في قبوله. هذا الخبر صدم ليلى، فهي لم تكن تتخيل فراق سارة. سارة كانت بمثابة أختها، شريكة أسرارها، ورفيقة دربها في أشد لحظاتها.
"كيف يمكنني أن أكون وحدي هنا إذا رحلتِ يا سارة؟" تمتمت ليلى وهي تقلب الرسالة بين يديها.
قررت أن تتحدث مع والدتها. دخلت المطبخ حيث كانت أمينة تعجن العجين، رائحة الهيل والخميرة تملأ المكان.
"أمي، هل يمكنني التحدث معكِ قليلاً؟"
رفعت أمينة رأسها، ومسحت يديها المبللتين بالدقيق. "تفضلي يا حبيبتي. هل هناك ما يقلقك؟"
حكت ليلى لأمها عن عرض سارة، وعن شعورها بالحزن العميق لفراقها. استمعت أمينة بصبر، ثم وضعت يدها على كتف ليلى.
"يا ابنتي، الحياة هكذا. الأصدقاء يرحلون ويأتون. سارة لم تذهب بعيدًا، ودبي ليست كوكبًا آخر. الأهم أنكما ستبقيان على اتصال. ولعل هذا التغيير في حياة سارة سيكون فرصة لكِ أيضًا لتوسيع دائرة معارفك، أو لتعزيز علاقتك بمن حولك."
"لكنني سأفتقدها كثيرًا يا أمي."
"وأنا أعرف ذلك. ولكن تذكري، كل تجربة تمر بها هي فرصة للتعلم والنمو. ربما في رحلة سارة، تجدين أنتِ أيضًا خطوتك القادمة."
فكرت ليلى في كلام والدتها. كانت دائمًا ما تلجأ إلى أمها عندما تشعر بالضياع، ودائمًا ما تجد لديها حكمة وصبراً لا ينفدان.
في تلك الأثناء، كان بدر يواصل عمله في المكتبة. كان يشعر بشيء من التغيير يطرأ على حياته. منذ لقائه بليلى، وجد نفسه يفكر في أمور كان يتجاهلها سابقًا. لطالما كان ملتزمًا بدينه، محافظًا على فروضه، ولكنه لم يكن يضع في حسبانه أمر الزواج بهذه الجدية. الآن، بدأت صورة عائلية مستقبلية ترتسم في ذهنه، صورة لبيت هادئ، يعمه السكينة والمودة، ورفيقة تشاركه رحلة الحياة.
كانت ليلى تثير في نفسه فضولاً ممزوجًا بإعجاب. لم تكن مجرد فتاة جميلة، بل كانت تملك روحًا طيبة، وعقلاً مفكرًا، وأدبًا جميلاً. كان يتذكر كيف تحدثت معه عن الكتب، وكيف كانت عيناها تلمعان شغفًا وحيوية.
في أحد الأيام، وبينما كان يتصفح بعض الكتب القديمة في قسم التاريخ، وجد ورقة مطوية بعناية. فتحها ليجد قصيدة مكتوبة بخط أنيق. كانت القصيدة تتحدث عن الشوق، عن الوحدة، وعن أمل يلوح في الأفق. قرأها عدة مرات، وشعر بأنها تعبر عن حالة نفسية معينة. تساءل لمن قد تكون هذه القصيدة.
في المساء، اتصل به صديقه المقرب، خالد. خالد، شاب مرح، يعيش حياة اجتماعية نشطة، ولكن كان دائمًا ما يسأل بدر عن استقراره العاطفي.
"يا بدر، متى سنراك متزوجًا؟ أصبحتَ أشهر الأعزب في عائلتنا!" قال خالد مازحًا.
ابتسم بدر. "الأمر ليس بهذه السرعة يا خالد. الأمر يحتاج إلى اختيار، وإلى استخارة."
"أتفهم. ولكن هل هناك من في بالك؟"
تردد بدر قليلاً. لم يكن يرغب في الكشف عن كل شيء، ولكن خالد كان شخصًا يثق به. "هناك فتاة رأيتها مؤخرًا... إنها مختلفة."
"آه، إذًا بدأت الأمور تأخذ منحى جديًا! أخبرني عنها."
حكى بدر لخالد عن ليلى، عن لقائهما الأول، وعن إعجابه بها. لم يذكر التفاصيل، ولكنه أشار إلى طبيعتها الهادئة، وثقافتها، وأدبها.
"يبدو أنها تستحق العناء يا صديقي. ولكن تذكر، الزواج ليس مجرد إعجاب، بل هو توافق وتفاهم."
"بالتأكيد. ولكنني أشعر بأنها قد تكون هي."
كانت هذه الكلمات تحمل وزنًا كبيرًا بالنسبة لبدر. لم يكن يطلقها بسهولة.
في اليوم التالي، قرر بدر أن يزور مكتبة أخرى في حي قريب، يبحث عن كتاب نادر. وبينما كان يتجول بين الأرفف، رأى ليلى مرة أخرى. كانت تقف أمام رف كتب الشعر، تتأمل أحد الدواوين. شعر بقلبه يخفق بقوة.
"السلام عليكم." قال بصوت هادئ.
رفعت ليلى رأسها، وارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهها. "وعليكم السلام. يا له من لقاء غير متوقع."
"الصدف الجميلة غالبًا ما تكون تحمل في طياتها حكمة. هل تبحثين عن كتاب معين؟"
"كنت أتصفح بعض القصائد. أبحث عن بعض الكلمات التي تعبر عن مشاعر تتجول في خاطري."
نظر إليها بدر، وشعر بأنها قد تكون هي صاحبة القصيدة التي وجدها. "هل تحبين الشعر؟"
"جدًا. الشعر هو مرآة الروح أحيانًا."
"بالفعل. ولكن هل يعكس الشعر دائمًا ما في الروح؟ أم أنه يفتش عنه؟"
تلاقت عيناهما للحظة، وفي تلك اللحظة، شعرت ليلى بشيء غريب. كان هناك حديث غير مباشر يدور بينهما، حديث لا يتطلب الكلمات، حديث تفهمه القلوب.
"ربما يفتش عنه، وربما يجد فيه ما يخشى البوح به." أجابت ليلى بهدوء.
"أتفق معكِ." قال بدر، وفي ذهنه سؤال يتردد: "هل أنتِ من كتبتِ هذه القصيدة؟" لم يستطع أن يطرح السؤال. كان يخشى أن يكسر هذه اللحظة الهادئة.
"لقد وجدتُ في مكتبتي قصيدة جميلة مؤخرًا، تتحدث عن الوحدة والأمل. هل هي لشاعر معروف؟" سأل بدر، وهو يتذكر الورقة المطوية.
نظرت ليلى إليه بارتباك خفيف. "قصيدة؟ ربما. هل تتذكرين اسم الشاعر؟"
"للأسف لا. ولكنها تركت أثرًا في نفسي."
شعر بدر بأنها هي. هذه الحيرة في عينيها، وهذا التردد في إجابتها. كان ذلك كافيًا له.
"عليّ الذهاب الآن. ولكن أتمنى أن نلتقي مرة أخرى قريبًا." قال بدر، وهو يعتذر عن المغادرة.
"بالتأكيد. والسلام عليكم."
بعد أن غادر بدر، بقيت ليلى واقفة مكانها، تشعر بتيارات من المشاعر المتناقضة. هل كان بدر يقصد قصيدتها؟ وكيف اكتشفها؟ شعرت بأن هناك شيئًا غريبًا يحدث، شيء يتجاوز مجرد الصدف.
في تلك الليلة، لم تستطع ليلى النوم. كانت تفكر في بدر، وفي عينيه، وفي كلماته. وفي الوقت نفسه، كانت تفكر في سارة، وفي مستقبل صداقتهما. شعرت بأن عالمها يتغير، وأن هناك قوى خفية تعمل على تشكيل مصيرها، قوى تحمل في طياتها تحديات وأسرارًا. كانت تعرف أن الأيام القادمة لن تكون هادئة كما كانت، وأن عليها أن تستعد لكل ما قد يأتي.