أنت وحدك 155
بريق الأمل وتحديات الحياة
بقلم فاطمة النجار
عادت ليلى إلى منزلها في تلك الليلة، وقلبها يعج بالأحداث المتلاحقة. لقاء بدر الثاني، وتلميحه إلى القصيدة، جعلها تشعر بأن هناك خيطًا غامضًا يربط بينهما. هل كان بدر قد وجد قصيدتها حقًا؟ ومن أين؟ لم تكن قد ألقت بها في أي مكان عام. تذكرت أنها كتبتها في دفتر ملاحظاتها الخاص، الذي كانت تحتفظ به في غرفتها. ثم، تذكرت كيف كانت تتصفح بعض أوراقها القديمة في أحد الأيام، بحثًا عن معنى لكلمة ما، ولم تنتبه حينها إلى سقوط ورقة منها. ربما سقطت عندما كانت في المكتبة العامة، ووجدها أحد الموظفين، ثم وصلت إلى بدر بطريقة ما.
في صباح اليوم التالي، استيقظت ليلى وهي تشعر بالفضول يلتهمها. قررت أن تتحدث مع والدتها عن لقائها ببدر.
"صباح الخير يا أمي." قالت ليلى وهي تدخل غرفة المعيشة.
"صباح النور يا حبيبتي. تبدين مبتهجة اليوم."
"اممم، ربما. أمي، هل يمكنني أن أسألكِ عن رأيكِ في بعض الأمور؟"
"تفضلي يا ابنتي. أنا مستعدة للاستماع."
بدأت ليلى تحكي لوالدتها عن لقائها ببدر في المكتبة، وعن إعجابها بشخصيته، وعن تلميحه للقصيدة. استمعت أمينة بانتباه، وكانت عيناها تلمعان بالاهتمام.
"يا ليلى، إن الله يضع الأسباب لعباده. إذا كنتِ تشعرين بارتياح لهذا الشاب، ورأيتِ فيه صلاح الدين والخلق الطيب، فليس هناك ما يمنع من الاستزادة في التعرف عليه. ولكن دائمًا، يا ابنتي، خذي الأمور بتؤدة، واستخيري ربك في كل خطوة."
"ولكن كيف يمكنني أن أعرف أكثر عن أهله، وعن وضعه؟"
"هذا طبيعي. في حال تطورت الأمور، يمكن لوالدك أن يتواصل مع والده، أو أن تقوموا بزيارة لبيتهم للتعارف الرسمي. لا تستعجلي الأمور، دعيها تسير في مجراها الطبيعي."
شعرت ليلى براحة بعد حديثها مع والدتها. شعرت بأنها ليست وحدها في هذا الطريق.
من ناحية أخرى، كان بدر يفكر كثيرًا في ليلى. كان يرغب في التواصل معها مرة أخرى، ولكن كيف؟ هل يذهب إلى المكتبة كل يوم على أمل لقائها؟ هل يطلب رقم هاتفها؟ كان مترددًا في البداية، ولكنه رأى أن هذا التردد قد يضيع عليه فرصة حقيقية.
قرر أن يذهب إلى المكتبة العامة حيث التقى بها. وصل في وقت مبكر، وجلس في ركن هادئ، يقرأ كتابًا، وعينه ترقب الباب. بعد فترة، دخلت ليلى. كاد قلبه يتوقف. كان جمالها يزداد كلما رآها.
"السلام عليكم." قال بدر وهو يقترب منها.
"وعليكم السلام. لم أتوقع رؤيتك مرة أخرى بهذه السرعة." قالت ليلى بابتسامة.
"لم أستطع الانتظار. أردت أن أتحدث معكِ أكثر. ولكن بعيدًا عن جو المكتبة. هل تسمحين لي بدعوتك لتناول كوب من الشاي في مقهى قريب؟"
شعرت ليلى ببعض التردد، ولكن إصرار بدر وهدوءه كانا مطمئنين. "لا أعرف... هل هذا مناسب؟"
"بالتأكيد. سنكون في مكان عام، وحديثنا سيكون بعيدًا عن أي شيء لا يرضي الله. إنها مجرد فرصة للتعارف أكثر، ولإكمال حديثنا."
بعد لحظة تردد، وافقت ليلى. "حسناً. سأتصل بوالدتي لأخبرها."
"أتفهم. خذي وقتك."
بعد مكالمتها لوالدتها، والتي وافقت على الفور، توجه بدر وليلى إلى مقهى هادئ في حي مجاور. كان المكان بسيطًا، وزينته عبارات عربية قديمة. جلسا في زاوية بعيدة، وبدآ حديثهما.
"إذًا، أخبريني عن اهتماماتك. ما الذي يشغل وقتك عادة؟" سأل بدر.
"أحب القراءة بالطبع، واستمتع بالخياطة والتطريز. وأحب مساعدة والدتي في المنزل. باختصار، حياتي بسيطة وهادئة."
"وهل تشعرين بالرضا عن هذه البساطة؟"
"جدًا. البساطة هي أساس السعادة الحقيقية. التعقيدات هي التي تزيد الهموم."
"أتفق معكِ تمامًا. وأنتِ، هل لديكِ فضول لمعرفة المزيد عني؟" سأل بدر بابتسامة.
"بالتأكيد. أنتَ تعمل في مكتبة، أليس كذلك؟"
"نعم. أنا مسؤول عن قسم الكتب النادرة والمخطوطات. إنها مهمة تتطلب صبرًا ودقة."
"يبدو أنك تحب عملك."
"أحبه كثيرًا. إنه عالمي الخاص. وأنتِ، ما هي طموحاتك المستقبلية؟"
"أتمنى أن أكمل دراستي في مجال تصميم الأزياء، وأن أبدأ مشروعي الخاص يومًا ما. ولكن كل شيء بيد الله. أهم شيء هو أن أكون راضية عن حياتي، وأن أسعى دائمًا لإرضاء خالقي."
استمع بدر إلى كلماتها بانبهار. كانت تتحدث عن أحلامها بطريقة متوازنة، تجمع بين الطموح والرضا.
"وماذا عن القصيدة؟" سأل بدر فجأة.
نظرت إليه ليلى بارتباك. "أي قصيدة؟"
"القصيدة التي وجدتها في مكتبتي. كانت تتحدث عن الوحدة والأمل. أعتقد أنها لكِ."
احمر وجه ليلى خجلًا. "لقد... لقد سقطت مني بالخطأ. كنت أكتبها في دفتر ملاحظاتي."
"إنها جميلة جدًا. هل هي من تأليفك؟"
ترددت ليلى قليلاً، ثم أومأت برأسها. "نعم."
"إنها تحمل روحًا رقيقة. أتساءل، لماذا تبحثين عن الشعر؟ هل أنتِ تشعرين بالوحدة؟"
"أحيانًا. الوحدة ليست دائمًا سيئة. إنها تتيح لنا فرصة للتفكير، وللتأمل في أنفسنا. الشعر هو وسيلتي للتعبير عن هذه المشاعر."
"وهل تعتقدين أن الوحدة هي الطريق الوحيد للتأمل؟"
"ربما لا. ولكنها تسهل الأمر. أحيانًا، نحتاج إلى الابتعاد قليلًا عن ضجيج الحياة لنسمع صوت قلوبنا."
"أفهم. ولكنني أؤمن بأن الرفقة الصالحة، والأسرة الداعمة، هي أيضًا مفاتيح للتأمل العميق، بل وللسعادة."
"أتفق معك. ولذلك، عندما أشعر بأن الوحدة تصبح ثقيلة، ألتجئ إلى عائلتي، أو إلى صديقتي سارة."
"وماذا عن سارة؟ كيف حالها؟" سأل بدر، يتذكر أنها صديقة مقربة لليلى.
"سارة... إنها على وشك السفر إلى دبي. تلقت عرض عمل ممتاز."
"يا لها من أخبار سارة لها. ولكنني أتفهم أنكِ ستشعرين بالفراغ بغيابها."
"بالفعل. إنها فراق صعب."
"ولكن كل فراق هو بداية لشيء جديد. ربما هذا الفراغ سيفتح لكِ أبوابًا جديدة، ويكشف لكِ عن جوانب في نفسك لم تكوني تعرفينها."
كان حديثهما يتطور بشكل طبيعي، يكشف كل منهما عن جوانب من شخصيته. شعرت ليلى بأن بدر رجل حكيم، يفهم الحياة بعمق. وبدر، كان يشعر بأن ليلى هي الفتاة التي يبحث عنها، فتاة تجمع بين الرقة والقوة، بين الحكمة والجمال.
عندما حان وقت المغادرة، تبادلا أرقام هواتفهما. كان ذلك خطوة جريئة، ولكنهما شعرا بأن هناك قوة دافعة تسمح بذلك.
"شكرًا لكِ على هذه الجلسة الرائعة." قال بدر.
"الشكر لك. لقد استمتعت بالحديث معك كثيرًا." قالت ليلى، تشعر بدفء جديد يتسلل إلى قلبها.
"أتمنى أن نلتقي قريبًا. وربما، إذا سمحتِ، يمكنني أن أزوركم في منزلكم يومًا ما، لنتحدث مع والديكِ؟"
توقفت ليلى قليلاً، تفكر في طلب بدر. كان طلبًا رسميًا، ولكنه يحمل الكثير من الدلالات. "سأتحدث مع والدتي. وأبلغك بالخبر."
"سأكون في انتظار ردك بفارغ الصبر."
عندما عادت ليلى إلى المنزل، كانت تشعر بقلبها يغني. شعرت بأن هناك بارقة أمل قد ظهرت في حياتها، وأن التحديات التي كانت تواجهها، مثل غياب سارة، قد تبدو أقل وطأة. أدركت أن الحياة مليئة بالمتغيرات، وأن عليها أن تتقبلها بحكمة وصبر.