حب في زمن الحرب 156

شظايا الأمل على أرضٍ عطشى

بقلم مريم الحسن

ارتفعت أصواتٌ مكتومةٌ، مزيجٌ من الألم والدعاء، تتسرب من بين ثنايا الأنقاض المتناثرة. كان الهواءُ ثقيلاً، محمّلاً برائحةِ الغبارِ والبارودِ، وزهرةِ البرتقالِ الذابلةِ التي ما زالت تحاولُ أن تنشرَ عبقَها المتبقي. وقفت "ليلى" في وسطِ هذا الخرابِ، كأنها النخلةُ الشامخةُ في صحراءَ مجدبة، رغمَ أنَّ الرمادَ كان يغطي خمارَها الحريريَّ الأبيضَ، وشقَّ صغيرٌ أدمى جبينَها، لكنَّ عينيها الواسعتين، بلونِ الشفقِ القطبيِّ، ظلتا مشعتينِ بالإصرار. كانت تحملُ في يدها سلةَ قشٍّ متهالكة، بدتْ سخيفةً وسطَ هذا المشهدِ المروع، لكنها كانت تحملُ بداخلها كنوزًا لا تُقدّرُ بثمن: زجاجاتٍ صغيرةً من الماءِ النقي، وبعضَ قطعِ الخبزِ اليابسة، وعلبةَ إسعافاتٍ أوليةٍ بالكادِ تحتوي على ضماداتٍ.

كانت الشمسُ تغيبُ خلفَ سماءٍ رماديةٍ، تلوّنُ المشهدَ بظلالٍ طويلةٍ وغامضة. صوتٌ ضعيفٌ ناداها: "ليلى... هل أنتِ هنا؟" كانت "أمينة"، جارتها العجوز، التي نجا بها قدرُ اللهِ من هذا البلاء. هرعتْ ليلى نحو الصوت، تتعثرُ في الحجارةِ المبعثرة، وتتجنبُ الأسلاكُ الكهربائيةُ المتدليةُ كأفاعٍ خائفة.

"أنا هنا يا خالتي أمينة، لا تخافي!" قالتها بصوتٍ مرتجفٍ قليلاً، لكنه قويٌ بما يكفي ليطمئنَ روحَها المنهكة. وجدتها جالسةً على قطعةِ إسمنتٍ متهدمة، ترتدي ثُلثَ ثوبِها الممزق، ويداها ترتجفانِ وهي تحاولُ لمسَ خدها الشاحب.

"الحمدُ للهِ أنكِ بخير يا ابنتي. لقد رأيتُ الانفجار... وكان قلبي سيلقى روعتَهُ." قالت أمينة بصوتٍ خافتٍ، ثم سعلتْ سعالاً عميقاً هزَّ جسدها النحيل.

"الحمدُ للهِ دائمًا وأبدًا." أجابت ليلى وهي تجلسُ بجوارها، تمسحُ الغبارَ عن وجهها بلطف. "هل أنتِ مصابةٌ؟ هل تحتاجينَ شيئاً؟"

"لا شيء يا ابنتي، سوى أن أرى وجهكِ المشرقَ بينَ هذهِ الظلمات. لقد فقدنا كلَّ شيءٍ... لكنَّ اللهَ لم يتركنا." رفعتْ يدها لتمسحَ دمعةً شاردةً على خديها.

لمعتْ عينا ليلى بدمعةٍ مقابلة. كانت تعرفُ هذا الشعورَ جيداً. بيتُهم، ذكرياتُهم، كلُّ ما بنوهُ بجهدٍ وعرقٍ، تحولَ إلى كومةٍ من الركامِ في لحظةٍ غادرة. لكنها كانت تؤمنُ بقضاءِ اللهِ وقدرِهِ، وبأنَّ بعدَ العسرِ يسراً.

"سوفَ نبني من جديدٍ يا خالتي." قالتها بثقةٍ، رغمَ أنَّ الضعفَ كان يتسللُ إلى أطرافِها. "غداً، عندما تهدأُ الأمورُ قليلاً، سنجدُ مكاناً آمناً. وسنجدُ من يساعدنا."

"اللهُ في عونِ العبدِ ما دامَ العبدُ في عونِ أخيه." ردتْ أمينة، ثم أضافتْ بترددٍ: "هل سمعتِ عن الحاجِّ عبدُ الله؟ لقد ذهبَ ابنهُ خالدٌ ليلقيهِ في المستشفى الميداني... ولم يعدْ حتى الآن."

تجمّدَ الدمُ في عروقِ ليلى. خالد. اسمٌ كان يترددُ في أرجاءِ حيِّهم القديم، اسمٌ يرتبطُ بالشهامةِ والمروءةِ، وبنبرةِ صوتٍ دافئةٍ، وابتسامةٍ لا تغيبُ عن محياهُ. خالدٌ كان بالنسبةِ لها أكثرَ من مجردِ جارٍ. كان شيئاً آخرَ، شيئاً لا تسمحُ بتقاليدِ العائلةِ ولا بعاداتِ المجتمعِ بالبوحِ بهِ صراحةً.

"خالدٌ؟" تمتمتْ، وارتعشَ صوتُها قليلاً. "لقد ذهبَ مبكراً هذا الصباح. هل سمعتِ شيئاً؟"

"لا شيء. لكنَّ القلقَ ينهشُ قلبَ الحاجِّ عبدِ الله. لقد كانَ متخففاً من ملابسهِ الرسميةِ، يبدو أنَّه كانَ في مهمةٍ عاجلةٍ."

نهضتْ ليلى ببطء، رغمَ ألمٍ خفيفٍ في ساقها. "عليَّ الذهابُ إلى والدي. قلقُهُ سيكونُ بالغاً."

"باركِ اللهُ فيكِ يا ابنتي. كونِي حذرةً." قالت أمينة وهي تشدُّ على يدها.

في الشارعِ الرئيسيِّ المهجور، كانت آثارُ الدمارِ أشدَّ وضوحاً. سياراتٌ محترقةٌ، وحطامٌ لمبانٍ، وصمتٌ مطبقٌ يكسرُهُ أحياناً أنينٌ خفيٌّ أو صوتُ طائرةٍ بعيدةٍ. كانت ليلى تسيرُ بخطواتٍ ثابتة، تركّزُ عقلها على وجهِ والدها، وعلى وجهِ خالها الذي كانَ دوماً يحثها على الصمودِ والإيمان.

وصلتْ إلى منزلِها. أو بالأحرى، ما تبقى منه. البوابةُ الحديديةُ ملتفةٌ كقصاصةٍ من ورق، والجدارُ الأماميُّ شبهُ منهار. كانَ والدها، الحاجُّ محمد، جالساً على عتبةِ البابِ المكسور، ورأسُهُ بينَ يديهِ، وملامحُ وجههِ تعكسُ حزناً عميقاً.

"أبي! أنا هنا." نادتْ ليلى بصوتٍ عالٍ.

رفعَ الحاجُّ محمد رأسَهُ، ورأى ابنتهُ واقفةً أمامهُ، وإنْ كانتْ غبارَ الحربِ قد لطخَ ثوبَها، فإنَّ بريقَ الحياةِ كانَ لا يزالُ في عينيها. ابتسامةٌ خافتةٌ ارتسمتْ على شفتيهِ المتشققتين.

"ليلى! ابنتي! الحمدُ للهِ أنكِ سالمة." هرعَ إليها، واحتضنها بقوةٍ، كأنهُ يحاولُ أن يحبسَ كلَّ خوفٍ وقلقٍ بينَ ذراعيه.

"أنا بخيرٍ يا أبي. كنتُ عندَ خالتي أمينة." قالتْ ليلى، واستندتْ على كتفهِ. "ماذا عن خالتي فاطمة؟ وعن عمي؟"

"الحمدُ للهِ. لقد نجوا بأعجوبة. لكنَّ قلوبنا معَ كلِّ من فقدَ عزيزاً، أو تضررتْ بيوتهم." قالَ الحاجُّ محمد، ثم تنهدَ وقالَ بصوتٍ منخفضٍ: "لقد فقدتُ بعضَ أملاكي، لكنَّ أهمَّ شيءٍ هوَ بقاءُ الأرواح. لكنَّ القلقَ يساورني على خالد. ذهبَ ليساعدَ والدهُ ولم يعدْ."

لمعتْ عينا ليلى مرةً أخرى. "سمعتُ عن ذلكَ من خالتي أمينة." قالتْ، وحاولتْ إخفاءَ اضطرابها. "أتمنى أن يكونَ بخير."

"أتمنى ذلكَ يا ابنتي. خالدٌ شابٌ نبيّلٌ، لهُ قلبٌ كبيرٌ. إنَّ هذا البلاءَ قاسٍ على الجميع."

نظرتْ ليلى حولها، إلى بقايا منزلهم، إلى الأنقاضِ المنتشرةِ في كلِّ مكان. شعرتْ بثقلِ المسؤوليةِ يقعُ على كتفيها. لم تكنْ مجردَ فتاةٍ صغيرةٍ فقدتْ منزلها، بل كانتْ جزءاً من مجتمعٍ منهكٍ، يبحثُ عن بصيصِ أملٍ ليوقدَ شعلةَ الحياةِ من جديد.

"سنعتني ببعضنا البعض يا أبي." قالتْ، ثم نظرتْ إلى السماءِ الملبدةِ بالغيوم، ودعتْ في سرها: "اللهمَّ فرّجْ كربَنا، وارحمْ موتانا، وأعدْ الأمانَ إلى ديارنا."

شعرتْ بيدِ والدها تربتُ على كتفها. "أعلمُ ذلكَ يا ابنتي. ما زالَ فينا خيرٌ، وما زالَ في هذهِ الأرضِ متسعٌ للحياةِ والأمل."

لكنَّ ليلى، في أعماقِ قلبها، كانتْ تعلمُ أنَّ الحربَ لم تنتهِ بعد، وأنَّ العودةَ إلى الحياةِ الطبيعيةِ ليستْ سهلةً، وأنَّ القلوبَ، مثلَ البيوتِ، قد تحتاجُ إلى وقتٍ طويلٍ لتلتئمَ جروحها. وفي خضمِّ هذا الخرابِ، كانَ هناكَ خيطٌ رفيعٌ من الفرحِ المختلطِ بالحزنِ ينسجُ قصةً جديدةً، قصةَ حبٍّ قد تزهرُ بينَ شظايا الأملِ، على أرضٍ عطشى للعزاءِ والسلام.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%