حب في زمن الحرب 156

ظلال الأمس تقرع أبواب الحاضر

بقلم مريم الحسن

كانت الشمس تنسج خيوطها الذهبية الأولى على قمم الجبال التي تحيط بقرية "وادي الزيتون" الهادئة، ترسم لوحة بديعة تبعث الطمأنينة في القلوب. في منزل الحاج منصور، بدأت حركة الصباح تنتشر ببطء، كأنها تستجيب لدعوات الطيور المهاجرة التي جددت رحلتها فوق سماء الشام.

جلست "ليلى" على عتبة الدار، تتأمل بساتين الزيتون الممتدة أمامها، تحمل في يديها إبريقاً صغيراً من الماء وتغسل وجهاً تعلوه آثار سهاد لم تفارقه منذ أيام. لم تكن تلك السهاد قلقاً أو خوفاً، بل كانت مزيجاً من الشوق والتفكير العميق. فكرة "عمر" لم تفارقها، ولم تكن مجرد نزوة عابرة، بل أصبحت تتجذر في أعماق روحها، تحمل معها وعداً بمستقبل لم تكن تتخيله.

"صباح الخير يا ابنتي."

التفتت ليلى لتجد والدتها "أمينة" تقف خلفها، تحمل صينية صغيرة عليها كوب من الشاي وبعض التمرات. ابتسمت ليلى لأمها، ابتسامة لم تكن تخفي تماماً خيوط الحزن التي تعتلي حاجبيها.

"صباح النور يا أمي. هل تسمحين لي ببعض العزلة في هذا الصباح الباكر؟"

"بالتأكيد يا حبيبتي. ولكن انتبهي، فالعزلة الجميلة قد تصبح وحشة إذا طالت. هل ما زلت تفكرين في حديثك مع الحاج منصور؟"

تنهدت ليلى، وأخذت كوب الشاي من يد أمها. "أجل يا أمي. لم أكن أتوقع أن تتغير الأمور بهذه السرعة. كل شيء كان هادئاً، ومن ثم جاء 'عمر'، جاء معه كل هذا التغيير."

"التغيير ليس دائماً سيئاً يا ليلى. وأحياناً، قد يكون هو ما نحتاجه لنستيقظ من سبات عميق." وضعت أمينة يدها على كتف ابنتها، وتحدثت بصوت حنون. "لقد رأيت في عينيك شيئاً مختلفاً منذ أن رأيته. كأنك وجدتِ جزءاً مفقوداً منك."

"لكني خائفة يا أمي. خائفة مما سيحدث. الحرب لم تنتهِ بعد، والوضع هنا لا يبشر بالخير. وكيف لي أن أفكر في زواج أو ارتباط في مثل هذه الظروف؟"

"والحب يأتي في أوانه يا ابنتي. والحكمة تقتضي أن نؤمن بقضاء الله وقدره. الحاج منصور رجل حكيم، و 'عمر' يبدو شاباً طيباً. إذا كان الله يريد لكما الخير، فسييسر الأمور. المهم أن تكوني صادقة مع قلبك، وأن تستخيري الله في كل خطوة."

جلست أمينة بجوار ابنتها، وبدأت تتحدث عن تاريخ العائلة، عن كيف أن جديها التقيا في ظروف مشابهة، وكيف أن الإيمان والصبر كانا درعهما في وجه صعوبات الحياة. استمعت ليلى لأمها بانتباه، تشعر بأن كلماتها تهدئ من روعها، وتمنحها القوة.

في هذه الأثناء، كان "عمر" يجلس في مكتب الحاج منصور، يتناقشان في أمور القرية. ورغم أن حديثهما كان يدور حول شؤون الأرض والمياه، إلا أن عيني عمر كانت تنظران غالباً نحو الباب الذي قد تخرج منه "ليلى" في أي لحظة. لقد أصبح وجودها يمثل له شيئاً عميقاً، شغفاً لم يعرفه من قبل، إحساساً بالانتماء لم يكن يظنه ممكناً.

"الحاج منصور، أنا ممتن جداً لما فعلته." قال عمر بصوت خفيض، بعد لحظة صمت. "لم أكن أتوقع أن أجد هذه المساعدة وهذا الدعم في وقت كنت فيه بحاجة ماسة إليه."

ابتسم الحاج منصور، ونظر إلى عمر بعينين تفيضان بالحكمة والتقدير. "لا شكر على واجب يا بني. أنت شاب طيب، ومن الواجب علينا أن ندعم أمثالكم. والحياة تعلمني أن المحن هي التي تظهر معادن الرجال. ورأيت فيك معادن أصيلة."

"ولكن، يا عمي..." بدأ عمر، وتردد قليلاً. "لقد تحدثت مع 'ليلى' بالأمس، وهي... هي..."

"هي ابنتي. وأعرف قلبها جيداً." قال الحاج منصور، مقاطعاً إياه بلطف. "ولمست فيها شيئاً تجاهك أيضاً. ولكن، كما ذكرتِ، الحرب تلقي بظلالها. ولن أضغط عليها، ولا عليك. الأيام كفيلة بكشف ما في القلوب. وما يهم الآن هو أن تبني نفسك، وأن تجد طريقك. ألا تخشى أن يأتي يوم لا تستطيع فيه حماية من تحب؟"

شعر عمر بوخزة في قلبه. كان هذا هو الخوف الأكبر لديه. فكرة عدم القدرة على تأمين حياة كريمة لمن سيختارها. "أخشى ذلك كثيراً يا عمي. ولهذا السبب، أنا مصمم على بذل كل ما في وسعي."

"بارك الله فيك. إنني أرى فيك مستقبلاً زاهراً، ليس فقط لك، بل لقرية بأكملها. لو استطعنا أن نعيد بناء تلك المصانع القديمة، أن نوفر فرص عمل للشباب، أن نزرع الأمل في النفوس من جديد. ولكن كل هذا يتطلب جهداً جماعياً، وصبرًا، وإيماناً."

تحدث الحاج منصور عن خطط طموحة لإعادة إعمار المنطقة، عن مشاريع زراعية وصناعية يمكن أن تعيد للحياة رونقها. استمع عمر باهتمام بالغ، وبدأ يشعر بأن قلبه يتسع لهذه الأحلام الكبيرة. لم يعد الأمر متعلقاً بـ "ليلى" فقط، بل أصبح يتعلق بمستقبل هذه الأرض وأهلها.

بعد لقائه بالحاج منصور، خرج عمر من المكتب، ووجد "ليلى" تقف عند بئر الماء القديم، تتحدث مع بعض نساء القرية. رفعت وجهها إليه، فابتسمت ابتسامة خجولة، ابتسامة حب لم يعرف كيف يفسرها تماماً، لكنها أشعلت في قلبه شعلة دافئة.

"صباح الخير يا 'عمر'." قالت بصوت بالكاد مسموع.

"صباح النور يا 'ليلى'. هل تسمحين لي بالحديث معك لبضع دقائق؟"

"بالتأكيد."

ابتعدت ليلى عن نساء القرية، وسار عمر بجوارها في اتجاه بساتين الزيتون. كانت أشجار الزيتون تلقي بظلالها الطويلة على الطريق، كأنها تمنحهما بعض الخصوصية.

"كنت أفكر في حديثنا بالأمس." بدأ عمر، وكان صوته أكثر جدية. "لم أكن أريد أن أضعك في موقف صعب. ولكن، لابد أن تعرفي أنني... أنني أشعر تجاهك بشيء عميق. شيء لم أشعر به من قبل."

نظرت ليلى إلى الأرض، وشعرت بحرارة تتصاعد في وجهها. "وأنا أيضاً يا 'عمر'. لقد تغيرت حياتي منذ أن عرفتك. وكأنني كنت أعيش في عالم، ومن ثم فتحت عيني على عالم آخر."

"هل أنت مستعدة يا 'ليلى'؟ مستعدة لمواجهة التحديات؟ لمواجهة احتمالية أن يكون حبنا ذاك الذي يواجه ظروفاً قاسية؟"

"إذا كان الحب صادقاً، فلا شيء يمكن أن يهزمه يا 'عمر'. حتى لو كانت الحرب تدور حولنا."

مسك عمر بيدها بلطف، وشعر بأنها ترتجف قليلاً. "أنا أريد أن أحميكِ. أريد أن أبني لكِ مستقبلاً. ولكن، الأمر ليس سهلاً. الحاج منصور تحدث معي عن خططه، عن إمكانية إعادة إعمار المنطقة. وهذا يتطلب وقتاً، وجهداً، وصبراً."

"أنا أؤمن بك يا 'عمر'. وأؤمن بصدق نواياك. وسأكون معك، أياً كانت الظروف."

توقف الاثنان تحت شجرة زيتون عتيقة، كأنها شاهد صامت على بداية قصة حب جديدة. نظرت ليلى إلى عمر، ورأت في عينيه إصراراً وأملاً. ونظر عمر إلى ليلى، ورأى فيها قوة وصبراً. كانا على وشك أن يبدأا رحلة، رحلة حب في زمن حرب، رحلة تتطلب منهما الكثير، لكنها كانت رحلة تستحق المخاطرة.

ارتفعت أصوات بعيدة، أصوات تدل على اقتراب سيارة. نظرت ليلى إلى عمر بقلق. "يبدو أن هناك من جاء."

"لا تقلقي." قال عمر، وشد على يدها. "سنواجه كل شيء معاً. هذا وعد."

ابتسمت ليلى، ودخلت إلى بيت والدتها. لكن نظرتها الأخيرة إلى عمر كانت تحمل وعداً باللقاء، وعداً ببناء مستقبل، وعداً بحب حلال يتحدى كل الصعاب. كانت ظلال الأمس، ظلال الحرب والخوف، لا تزال موجودة، لكن شعلة الأمل التي أشعلها حبهما كانت أقوى.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%