حب في زمن الحرب 156

عواصف مفاجئة وعقبات غير متوقعة

بقلم مريم الحسن

تعمق الظلام أكثر في جنبات منزل الحاج منصور، وازداد الصمت خشونة مع مرور ساعات الليل. في غرفته، كان "عمر" يحدق في السقف، تتصارع في ذهنه أفكار متشابكة. لم يعد الأمر يتعلق فقط بشعوره تجاه "ليلى"، بل امتد ليشمل المسؤولية تجاهها، وتجاه أهل القرية. كان يدرك تماماً أن طريق بناء المستقبل ليس مفروشاً بالورود، وأن الحرب لم تترك ندوباً في الأرض فحسب، بل في النفوس أيضاً.

استدعى الحاج منصور "عمر" مرة أخرى في صباح اليوم التالي، ولكن هذه المرة لم يكن الحديث في مكتبه، بل في حديقة المنزل الخلفية، حيث كانت رائحة الياسمين تفوح في الهواء، وتتمايل أزهار الرمان بخجل.

"لقد تلقيت اتصالاً هاماً بالأمس." بدأ الحاج منصور، وعيناه تتجهان نحو الأفق البعيد. "يبدو أن هناك حركة غير اعتيادية في المنطقة الحدودية. تقارير عن قدوم جماعات مسلحة جديدة، وتغييرات في الخطوط الأمامية."

شعر عمر ببرودة تسري في عروقه. لم يكن يتوقع أن تتأثر حياتهم الهادئة بهذا القرب. "هل يعني هذا أن الخطر يقترب يا عمي؟"

"الخطر دائماً موجود يا بني. ولكنه يزداد حدة عندما تتغير معطيات الحرب. لقد تحدثت مع بعض الأعيان في القرى المجاورة، وهناك قلق متزايد. يتطلب الأمر منا أن نكون يقظين، وأن نحتاط."

"ماذا يمكننا أن نفعل؟" سأل عمر، وشعر بأن كل خططه تبدو واهية أمام هذا الواقع الجديد.

"علينا أن نؤمن قوت يومنا، وأن نحمي أهلنا. وأن نواصل العمل على مشاريعنا، لأن التوقف يعني الاستسلام. ولكني خشيت أن يؤثر هذا الخبر على 'ليلى'. هل تحدثت معها؟"

"نعم يا عمي. إنها قوية، وتدرك خطورة الوضع. ولكن... هي أيضاً تخشى."

"الخوف طبيعي يا بني. ولكن الإيمان أقوى. لقد تحدثت مع والدتها، 'أمينة'. وهي تفهم طبيعة الأمور. ولكن، هناك أمر آخر أود أن أتحدث معك فيه."

صمت الحاج منصور لبرهة، وكأنما يجمع كلماته. "لقد علمت أن 'فؤاد'، ابن عم 'ليلى' الذي كنت تحدثنا عنه سابقاً، قد عاد إلى القرية. وهو يحاول التقرب منها مرة أخرى."

شعر عمر بقلبه يرتجف. كان قد سمع عن "فؤاد" هذا، الشاب الذي كانت "ليلى" مخطوبة له قبل أن تنتهي الخطوبة لأسباب لا يعرفها بالتفصيل. "فؤاد؟ هل هو هنا؟"

"نعم. ويبدو أنه سمع عن اهتمامك بـ 'ليلى'. وهو رجل له نفوذ في بعض الجهات، وله علاقات مع بعض العسكريين. وهو لا يزال يحتفظ بمشاعر تجاه 'ليلى'، أو ربما فقط يريد أن يستعيد ما يراه ملكاً له."

"هذا... هذا يزيد الأمر تعقيداً." قال عمر، وشعر بثقل المسؤولية يزداد. "لم يكن لدي أدنى فكرة عن وجوده."

"علمت أنه يبدو مختلفاً الآن. أكثر قوة، وأكثر شراسة. ويريد أن يستعيد 'ليلى'. وهو لا يتقبل فكرة أن تكون مع شخص آخر، خاصة شخص مثلك، جاء من خارج القرية."

"هل هو خطر؟" سأل عمر، وشعر بأن القلق يتملك روحه.

"ليس بالضرورة خطر جسدي مباشر. لكنه يريد أن يلعب بأوراق مختلفة. وقد يستخدم نفوذه لتأخير أي ارتباط لك بـ 'ليلى'. أو ليضع العراقيل أمام مشاريعنا. لديه طموحات لا تتناسب مع أخلاقنا. وكان يوماً ما واعداً، ولكنه انحرف."

"وماذا علينا أن نفعل؟"

"علينا أن نكون صادقين، وأن نعمل بجد، وأن نتوكل على الله. 'ليلى' امرأة حرة، وقرارها هو ما يهم. ولكن، يجب أن تكون مستعداً لمواجهة أي شيء. 'فؤاد' ليس شخصاً يستهان به. وعلاقته بـ 'ليلى' كانت قديمة، وقد يحاول استغلال ما تبقى من مشاعر لديها، أو يضغط على عائلتها."

شعر عمر ببرودة تسري في جسده. كانت ظلال الحرب لا تزال تتراقص على مشارف القرية، والآن، تضاف إليها ظلال الماضي، وظلال رجل آخر يسعى لقلب "ليلى".

في هذه الأثناء، في منزلها، كانت "ليلى" تشعر بقلق غير مبرر. منذ الأمس، وهي تشعر وكأن شيئاً ما يثقل صدرها. والدتها، "أمينة"، لاحظت ارتباكها.

"ما بك يا ابنتي؟ تبدين قلقة."

"لا أدري يا أمي. أشعر وكأن هناك شيئاً قادماً. شيئاً سيغير كل شيء."

"كل شيء يتغير يا ليلى. هذه هي سنة الحياة، وخاصة في زمن الحرب. ولكن، هل الأمر متعلق بـ 'عمر'؟"

"لا أدري. ولكن، سمعت أن 'فؤاد' قد عاد."

تجمدت أمينة للحظة. "فؤاد؟ متى؟"

"لا أدري بالضبط. لكن سمعت ذلك من جارتنا 'أم حسن'. وهي تقول إنه يسأل عني."

تنهدت أمينة، وأخذت بيد ابنتها. "أعلم أن 'فؤاد' كان جزءاً من ماضيك. ولكن، ذلك الماضي انتهى. وعمر رجل طيب، وأراه في عينيك ما لا أراه في عيني 'فؤاد'. لا تدعي الماضي يعكر صفو مستقبلك."

"لكني خائفة يا أمي. 'فؤاد' كان قوياً، وكان الجميع يهابه. وأعلم أنه كان متعلقاً بي."

"المشاعر ليست دوماً حب يا ليلى. وأحياناً تكون امتلاكاً. وأنتِ لستِ ملكاً لأحد. إذا كان قلبك مع 'عمر'، فكوني قوية. وتذكري أن الله معكِ. وهذا 'فؤاد' إذا حاول التدخل، فلن نسمح له بذلك."

بعد حديثها مع والدتها، خرجت "ليلى" إلى البستان. كانت الشمس قد ارتفعت، وتدفئ الأرض. جلست تحت شجرة تفاح، وبدأت تقرأ آيات من القرآن. كانت تبحث عن سكينة، وعن قوة.

وفجأة، سمعت صوت خطوات قوية تقترب. رفعت رأسها، فوجدت "فؤاد" يقف أمامها. كان يبدو أكثر طولاً، وأكثر وسامة، وملابسه أنيقة. كان يحمل بيده وردة حمراء.

"ليلى. أخيراً رأيتك." قال بصوت فيه مزيج من القوة واللامبالاة. "لم أصدق أنك ما زلت هنا في هذا المكان البدائي."

صدمت ليلى. لم تتوقع رؤيته بهذه السرعة. "فؤاد. ماذا تفعل هنا؟"

"أتيت لأراكِ. لأرى ما إذا كنتِ قد تغيرت. وما إذا كنتِ قد تغيرتِ كثيراً." ثم قدم لها الوردة. "هذه لكِ. تذكيراً بأيامنا الجميلة."

رفضت ليلى أخذ الوردة. "لا أحتاج لوردتك يا 'فؤاد'. وماضينا قد انتهى."

"انتهى؟ هل أنتِ متأكدة؟" ابتسم بسخرية. "سمعت أن هناك شاباً جديداً قد ظهر في حياتك. شاب من خارج القرية. هل هو أفضل مني؟ هل يملك ما أملك؟"

شعر عمر، الذي كان يبحث عن "ليلى" في البستان، ببرودة تسري في عروقه. رأى "فؤاد" يقف أمامها، ورأى نظرة الغضب تتسلل إلى عينيه. لم يكن يعلم ما يدور بينهما، لكنه شعر بالتهديد.

"عفواً." قال عمر، وهو يقترب منهما. "هل هناك ما يمكنني مساعدتك فيه؟"

نظر "فؤاد" إلى عمر بنظرة ازدراء. "ومن أنت؟ هل أنت من يحرس 'ليلى' الآن؟"

"أنا 'عمر'. وأنا هنا لأتحدث مع 'ليلى'."

ضحك "فؤاد" ضحكة عالية. "أنت 'عمر'؟ الشاب الذي يدعي أنه يحب 'ليلى'؟ أعرف من أنت. ولكن اعلم يا 'عمر'، أن 'ليلى' لي. وأن هذا المكان لي. وأن أي شيء يتعلق بـ 'ليلى' يعنيني."

"هذا غير صحيح. 'ليلى' ليست ملكاً لك. وقرارها هو ما يهم." قال عمر، وشعر بأن أعصابه بدأت تتلف.

"وماذا عن قرارها؟ هل طلبت منك أن تأتي؟ هل طلبت منك أن تتدخل؟" اقترب "فؤاد" من عمر، وكأنما يريد أن يهدده.

"توقف يا 'فؤاد'." قالت ليلى بصوت عالٍ. "ما تفعله غير لائق. أنت تسيء إلى نفسي وإلى 'عمر'."

"وأنتِ يا 'ليلى'؟ هل تسيئين إليّ؟ هل تفضلين هذا الرجل الغريب علينا؟"

"أنا أحب 'عمر'. وهو رجل أصيل. وأنت... أنت لم تعد الرجل الذي عرفته."

كلمات "ليلى" كانت كالصاعقة على "فؤاد". شعر بالإهانة، وبالغضب. تقدم خطوة نحو عمر. "هل سمعت؟ تقول إنها تحبك! وهل تعتقد أن حبك هذا سينقذك؟ اعلم يا 'عمر'، أن الحرب ليست هي الوحيدة التي ستجعل حياتك صعبة هنا. هناك أمور أخرى كثيرة."

شعر عمر بالعجز. كان يعلم أن "فؤاد" يحاول استفزازه. ولكن، لم يستطع أن يكبح جماح غضبه. "إذا كنت رجلاً حقاً، فاذهب. ودع 'ليلى' وشأنها."

"سأذهب. ولكن، تذكر يا 'عمر'. هذا ليس آخر لقاء بيننا." ثم التفت إلى "ليلى" بنظرة تحمل تهديداً، وغادر بسرعة.

وقفت "ليلى" وعمر في صمت. كانت عواصف الماضي قد بدأت تهب، تحمل معها رياحاً عاتية، تهدد بتدمير كل ما كانا يبنيانه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%