حب في زمن الحرب 156

معركة الصبر والإيمان

بقلم مريم الحسن

بعد رحيل "فؤاد" المفاجئ، ساد صمت ثقيل بين "ليلى" و "عمر". كانت أشجار الزيتون تتراقص في نسمات الهواء، وكأنها تشهد على التوتر الذي خيّم على المكان. رفعت "ليلى" عينيها إلى "عمر"، ورأت فيه خليطاً من الغضب والقلق.

"أنا آسفة يا 'عمر'." قالت بصوت خفيض. "لم أكن أتوقع أن يحدث هذا."

"لا بأس يا 'ليلى'." أجاب عمر، محاولاً أن يكبح جماح غضبه. "لم يكن خطأك. 'فؤاد' هو من اختار هذا الطريق."

"لكنه... لكنه كان يبدو مختلفاً. أكثر قوة. وأكثر تهديداً."

"القوة قد تكون في الأفعال، وليست في الكلمات." قال عمر. "ولكن، الأهم الآن هو أن نفكر فيما يجب فعله. الحاج منصور حذّرني من 'فؤاد'. يبدو أنه ليس مجرد شاب يحاول استعادة حب قديم. بل يريد السيطرة."

"وماذا يعني ذلك؟" سألت ليلى، وقد بدأت تشعر بالخوف الحقيقي.

"يعني أنه قد يحاول أن يضع العراقيل أمامنا. أمام علاقتنا، وأمام خطط الحاج منصور لإعادة الإعمار. لقد تحدثنا عن مشاريع، وعن مستقبل. و 'فؤاد' قد يرى في ذلك تهديداً لنفوذه، أو لسيطرته على القرية."

"ولكن... كيف؟"

"لا أعرف بالضبط. ربما يستخدم علاقاته مع بعض العسكريين. ربما يحاول نشر الشائعات، أو خلق البلبلة. لقد رأيته اليوم، وشعرت بأن وراء كلماته شيئاً أكبر. شيئاً أعمق."

تنهدت ليلى. "كل هذا كثير جداً. الحرب، والقلق، والآن 'فؤاد'."

"نعرف أن الأمر صعب يا 'ليلى'. ولكن، لدينا قوة أكبر منا. لدينا إيماننا. ولدينا بعضنا البعض." مسك عمر بيدها، وشعر بأنها ترتجف. "لن أسمح له بأن يؤذيكِ. ولن أسمح له بأن يدمر أحلامنا."

"ولكني خائفة يا 'عمر'."

"أعلم. والخوف طبيعي. ولكن، هل تتذكرين ما قلته لكِ؟ الحب يزداد قوة عندما يواجه التحديات. والآن، علينا أن نكون أقوى من أي وقت مضى."

عاد الاثنان إلى المنزل، حيث كان الحاج منصور وأمينة ينتظرانهما بقلق. سرد عمر ما حدث، وكيف أن "فؤاد" حاول تهديده.

نظر الحاج منصور إلى عمر بعينين تحملان حكمة السنين. "كنت أعلم أن 'فؤاد' لن يسكت. إنه يحب السيطرة، ويكره أن يرى الآخرين يحصلون على ما يريد. لقد كان يوماً ما شاباً طموحاً، ولكنه ضل الطريق. وبسبب علاقاته، أصبح يشكل خطراً."

"وماذا يمكننا أن نفعل؟" سألت أمينة، وعيناها مليئة بالقلق على ابنتها.

"علينا أن نكون حذرين." قال الحاج منصور. "وأن نواصل عملنا. لا يجب أن ندع هذه الأمور توقفنا. 'فؤاد' يعتمد على الخوف والبلبلة. وإذا لم نعطهما له، فسيخسر."

"ولكن، هل يمكنه أن يؤثر على 'ليلى'؟" سأل عمر، وشعر بأن قلبه يغص.

" 'ليلى' امرأة قوية." قال الحاج منصور، ونظر إلى ابنته. "وقد أظهرت ذلك اليوم. لقد واجهته بشجاعة. وهذا هو الأهم. إذا استمرت في ذلك، وكنتَ أنتَ بجانبها، فلن يستطيع 'فؤاد' فعل الكثير."

"ولكن، يا عمي." قال عمر. "هل هناك طريقة لمعرفة ما يخطط له؟"

"هذا صعب. إنه يتحرك في الظل. ولكنه يحب التباهي. قد نجد من خلال بعض معارفنا في القرى المجاورة من يمكنه أن يخبرنا بشيء."

"سأقوم ببعض التحريات." قال عمر. "ولن أقف مكتوف الأيدي."

في الأيام التالية، بدأت الأمور تتغير ببطء. لم يعد "فؤاد" يظهر بشكل مباشر، ولكنه كان يترك بصماته. بدأت بعض إمدادات الطعام تتأخر عن الوصول إلى القرية. وانتشرت شائعات عن هجمات وشيكة. شعر الجميع بالقلق، وبدأ التوتر يتزايد.

كانت "ليلى" تحاول أن تكون قوية، ولكن رؤيتها للهموم على وجه والدتها، وعلى وجه الحاج منصور، كان يؤثر عليها. كانت تقضي وقتاً أطول في العبادة، وفي قراءة القرآن، تبحث عن السكينة.

في أحد الأيام، بينما كانت "ليلى" تساعد والدتها في تجهيز الطعام، دخلت "أم حسن"، جارتهم، المنزل وهي وجهها شاحب.

"هل سمعتِ؟" قالت بصوت مرتجف. "لقد تم اعتقال بعض الشبان من القرية. بتهمة التعاون مع جماعات معادية."

"ماذا؟!" صرخت أمينة. "ومن هم؟"

"لا أعرف بالتحديد. ولكن، يقال إنهم من الشباب الذين كانوا يبدون ميولاً للتمرد. وسمعت أن 'فؤاد' هو من أشار إليهم."

شعرت ليلى ببرودة تسري في جسدها. كان هذا هو الأسلوب الذي يعرفه "فؤاد". استخدام الخوف، والترهيب، وإلقاء التهم على الآخرين.

"لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً." قالت ليلى. "هؤلاء الشباب لم يفعلوا شيئاً."

"لا أعرف يا ابنتي. ولكن، الأقاويل تنتشر. والخوف يسيطر على القلوب. ويبدو أن 'فؤاد' يريد أن يجعل الجميع يخاف منه، ويتبع ما يقول."

عاد "عمر" إلى المنزل في ذلك المساء، وشعر بالقلق يتصاعد. أخبرته "ليلى" بما سمعت.

"هذا هو هدف 'فؤاد'." قال عمر بغضب. "أن يخلق حالة من الفوضى، وأن يجعلنا نفقد الثقة ببعضنا البعض. وأن يعزلنا."

"ولكن، ماذا عن هؤلاء الشبان؟ هل يمكن أن نساعدهم؟" سألت ليلى.

"الحاج منصور يحاول. لديه اتصالات. ولكنه أمر صعب. 'فؤاد' له يد في كل هذا. ويبدو أنه يريد أن يضعف عزيمتنا."

بدأت "ليلى" تشعر بأنها جزء من معركة لا تعرف كيف تخوضها. كانت معركة لا بالسلاح، بل بالكلمات، وبالشائعات، وبالخوف.

في اليوم التالي، قررت "ليلى" أن تقوم بشيء. ذهبت إلى منزل "أم حسن"، وسألتها عن أسماء الشبان الذين تم اعتقالهم. اتضح أنهم ثلاثة شبان، كانوا يعملون مع "عمر" في ورشة صغيرة كان يحاول تأسيسها.

"لماذا تم اعتقالهم؟" سألت ليلى "أم حسن" بقلق.

"يقولون إنهم كانوا يتلقون تعليمات من الخارج. ولكن، أنا لا أصدق ذلك. إنهم شباب طيبون. وربما 'فؤاد' أراد أن يضايق 'عمر'."

"هذا ما أخشاه." قالت ليلى. "اريد أن أتحدث إلى الحاج منصور. يجب أن نفعل شيئاً."

ذهبت ليلى إلى الحاج منصور، وشرحت له الأمر. استمع إليها بعناية، وقال: "يا بنيتي، 'فؤاد' يحاول أن يلعب لعبته. ولكنه لا يعرف أنكِ لستِ مجرد فتاة ضعيفة. لديكِ قلب قوي، ولديكِ إيمان."

"ولكن، كيف يمكننا أن نثبت براءتهم؟"

"علينا أن نجمع الأدلة. وعلينا أن نتوكل على الله. 'عمر' رجل شجاع، وسيقف بجانبك. ولكن، يجب أن تكوني حذرة. 'فؤاد' لا يرحم."

بعد حديثها مع الحاج منصور، شعرت "ليلى" ببعض الأمل. لم تعد تشعر بالعجز. شعرت بأن لديها هدفاً، وأنها تستطيع أن تفعل شيئاً.

في تلك الليلة، ذهبت "ليلى" إلى "عمر". وجدته يعمل بجد في ورشته الصغيرة، محاولاً إصلاح بعض الأدوات.

"عمر." قالت بصوت حنون. "ماذا تفعل؟"

"أحاول أن أبقي الأمور تسير. ولكن، يبدو أن كل شيء أصبح صعباً."

"لا تيأس يا 'عمر'." قالت ليلى، وجلست بجانبه. "لقد تحدثت إلى الحاج منصور. وهو مستعد للمساعدة. وسنثبت براءة الشبان. وسنواجه 'فؤاد'."

نظر إليها "عمر"، وشعر بأن قوته تعود إليه. رأى في عينيها إصراراً، وشجاعة، وحباً. "هل أنتِ مستعدة لهذا يا 'ليلى'؟"

"أنا مستعدة. ما دمتَ بجانبي."

شعر عمر بأن قلبه يمتلئ بالدفء. لم تعد الحرب هي التحدي الوحيد. كان هناك "فؤاد"، كان هناك الخوف، كان هناك عدم اليقين. ولكن، كان هناك أيضاً حب صادق، وإيمان لا يتزعزع. وكانت معركة الصبر والإيمان قد بدأت للتو.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%