حب في زمن الحرب 156

همسات القدر وصخب البارود

بقلم مريم الحسن

تسللت خيوط الشمس الذهبية الأولى لتداعَبَ جدرانَ البيتِ القديمِ في دمشق، ناشرةً دفئها على الأرائكِ المخمليةِ العتيقةِ وغبارِ الذكرياتِ المتراكمِ فوقَ رفوفِ الكتب. كانت ليلى، بقلبٍ مثقلٍ، تتقلبُ على فراشها، تتساءلُ عن قادمِ الأيامِ التي باتتْ تحملُ في طياتِها همومًا أثقلَ من أعباءِ الحربِ التي تئنُ تحتَ وطأتِها المدينةُ. رائحةُ الياسمينِ المتسربةِ من نافذتها المفتوحةِ قليلاً، كانتْ تذَكّرُها بعطرِ جدتها، ورائحةِ خبزِ التنورِ الساخنِ، ولحظاتِ الأمانِ التي أصبحتْ كالسرابِ.

في الغرفةِ المجاورةِ، كانَ أحمدُ يجلسُ على حافةِ سريرهِ، يتأملُ وجهَ النائمِ منْ شقيقتِهِ الصغيرةِ، سارة. كانَ خوفُهُ عليها هوَ المحركَ الأقوى لكلِّ قراراتهِ. كانتْ عيناهُ تتجولانِ في تفاصيلِ وجهِها البريءِ، وترسمانِ في مخيلتِهِ صورًا لمستقبلٍ آمنٍ، مستقبلٍ لم تعدْ تراهُ قريبًا. قلقٌ عميقٌ كانَ يعتصرُ قلبَهُ. رسالةُ والدهِ التي وصلتْ بالأمسِ، تحملُ في طياتِها ما لم يتوقعهُ، قرارٌ مفاجئٌ يهددُ استقرارَ العائلةِ بأكملِها.

"على أحمدَ أنْ يلتحقَ بقواتِ المقاومةِ في أقصى الشمالِ حالاً." كلماتٌ كانتْ تترددُ في أذنيهِ، كأنها جلجلةُ رعدٍ في سماءٍ صافية. والدهُ، الرجلُ الذي بنى سمعتَهُ على الحكمةِ والتدبيرِ، هلْ باتَ يتبعُ أهواءَ الحربِ العمياء؟ لم يكنْ أحمدُ يفهمُ دوافعَ هذهِ الخطوةِ. كانَ يعلمُ أنَّ والدهُ يحبُّهم، لكنْ هلْ كانَ حبهُ سيقودُهم إلى المجهولِ؟

نهضَ أحمدُ بخطواتٍ وئيدةٍ، وفتحَ الخزانةَ ليجدَ حقيبةَ سفرهِ القديمةَ. غبارٌ خفيفٌ يكسوها. تنهدَ بعمقٍ، وقررَ أنْ يتحدثَ معَ ليلى قبلَ أنْ تخرجَ للشمسِ. وجدها في المطبخِ، تعدُّ إفطاراً بسيطاً. رائحةُ القهوةِ العربيةِ الأصيلةِ ملأتِ المكان، لكنها لم تستطعْ أنْ تبددَ ثقلَ الجو.

"صباحُ الخيرِ يا ليلى." قالَ بصوتٍ يحاولُ أنْ يخفيهِ بالهدوء.

التفتتْ إليهِ، عيناها الزرقاوانِ الغائرتانِ قليلاً تعكسانِ قلقًا خفياً. "صباحُ النورِ يا أحمد. هلْ نمتَ جيداً؟"

"لا بأس. ليلى، يجبُ أنْ أتحدثَ معكِ في أمرٍ هام."

أدارتْ نحوهُ جسدها بالكامل، ووضعتْ ما بيدها. "ماذا هناك؟ تبدو قلقاً."

أخذَ نفساً عميقاً، وقالَ: "وصلتني رسالةٌ منْ أبي."

لمحتْ ليلى لمعةً منْ القلقِ في عينيهِ، فاقتربَتْ منهُ. "هلْ كلُّ شيءٍ على ما يرام؟"

"أبي قررَ أنْ أذهبَ إلى الشمالِ لِـ... لألتحقَ بالمقاومةِ."

اتسعتْ عينا ليلى بدهشةٍ، ثمَّ غطتْ فمها بيدها. "لكنْ... كيفَ؟ أنتَ لستَ مقاتلاً. أنتَ... أنتَ طبيبٌ."

"أعلم. وأبي يعلم. لكنه يصرُّ. يقولُ إنها مسؤوليةٌ وطنيةٌ، وإنَّ وقتَ الترددِ قدْ ولّى."

"ولكنْ يا أحمد، هذهِ الحربُ... إنها وحشية. الخطرُ كبيرٌ جداً. وماذا عنْ سارة؟ ماذا عني؟" صوتها اختنقَ بالبكاء.

"لا تقلقي. سأجدُ طريقةً. يجبُ أنْ أذهبَ. لا يمكنني عصيانُ والدي. لم يفعلْها قط. ولكني سأتواصلُ معكِ كلَّ يوم. سأحرصُ على سلامتكِ وسلامةِ سارة. والدي وعدني بأنَّ كلَّ شيءٍ سيكونُ مرتباً."

"مرتباً؟ كيفَ يمكنُ للحربِ أنْ تكونَ مرتبةً يا أحمد؟ هذهِ ليستْ كلماتُ رجلٍ يريدُ حمايةَ عائلتهِ."

"لا تجعلي الأمرَ يبدو أسوأَ مما هوَ عليهِ. سأكونُ حذراً. سأكونُ قوياً."

"القوةُ ليستْ دائماً في حملِ السلاحِ يا أحمد. أحياناً تكونُ في البقاءِ، في الحفاظِ على ما نحب."

"أعرفُ ذلك. ولكني مضطرٌ. هذهِ أوامرُ أبي، ولا يمكنني تجاهلها. سأذهبُ صباحَ الغدِ."

شعرتْ ليلى ببرودةٍ تسري في عروقها. صباحُ الغدِ؟ وكأنَّ كلَّ شيءٍ قدْ تقررَ بالفعلِ. "وهلْ تحدثتَ معَ والدكَ بهذا الشأن؟ هلْ شرحتَ لهُ مخاوفَنا؟"

"لقدْ تحدثتُ معه. قالَ إنَّ هذهِ فرصةٌ لي لأثبتَ ولائي لوطني، ولأحميهِ بنفسي. قالَ إنَّ الظروفَ أصبحتْ استثنائيةً، وأنَّ الواجبَ يقتضي التضحية."

"التضحيةُ... ولكنْ ليسَ بهذهِ الطريقةِ. ألا تذكرُ ما حدثَ لوالدِ جابر؟ وكيفَ فقدَ ابنهُ؟ هلْ يريدُ لنا نفسَ المصير؟"

ارتعشَ جسدُ أحمد. كانتْ هذهِ النقطةُ التي حاولَ تجنبَ الحديثِ عنها. "والدي لهُ منطقهُ الخاص. وهوَ يعلمُ أنَّ الأمورَ في الشمالِ أكثرُ تنظيماً. هناكَ تدريبٌ، وهناك قيادةٌ عليا."

"قيادةٌ عليا؟ منْ يدري؟ ربما تذهبُ إلى أرضٍ لا تعرفُ فيها أحداً. ربما تسقطُ ضحيةً لمؤامراتٍ أكبرَ منْ أنْ نفهمها."

"ليلى، رجاءً. لا تجعلي الأمرَ هكذا. أنا ذاهبٌ لأجلِ وطني. ولأجلِنا. لكي نعيشَ في سلامٍ يوماً ما."

"سلامٌ يأتي بثمنِ أغلى منْ أرواحِ أبنائنا؟" رفعتْ صوتها قليلاً، ونظرتْ إليهِ بعتابٍ. "لم أكنْ أتخيلُ أنَّ قراراً كهذا سيصدرُ منْ رجلٍ حكيمٍ كوالدكَ. هلْ نسى أنَّ لديهِ ابنتينِ يحتاجانِ إلى حمايةِ أخيهما؟"

"أعلمُ هذا. ولكني أتمنى أنْ تفهمي. لم أملكْ خياراً. لقدْ وافقتُ."

"إذاً، أنتَ ذاهبٌ. وأنا... ماذا أفعلُ أنا؟ أنتظرُ هنا، أعيشُ على أعصابي، أخشى كلَّ صوتٍ؟"

"سأكتبُ لكِ. سأتصلُ بكلِّ ما أملكُ منْ وسيلة. أرجوكي، كوني قويةً منْ أجلِ سارة."

"القوةُ تفرغُ عندما يرحلُ الأحباء. لستُ متأكدةً ما إذا كانتْ هذهِ مجردُ أوامرِ والدي، أمْ أنَّ هناكَ شيئاً آخرَ خفيٌّ وراءَ هذا القرار."

"لا شيءَ آخر. صدقيني. الأمرُ هوَ ما أقولُه. والدي يريدُني هناك."

"وهلْ سيسهلُ الأمرَ بالنسبةِ لكَ؟ هلْ ستكونُ آمناً؟"

"سأبذلُ قصارى جهدي. ولكنْ، لستُ الوحيدَ الذي يمرُّ بهذا. الكثيرُ منَ الشبابِ يمرونَ بنفسِ الظروفِ."

"الآخرونَ لا يملكونَ قلباً يرنو إلى امرأةٍ تنتظرُ عودتهُ، ولا يملكونَ أختاً صغيرةً تخافُ منْ فقدانِ سندها. يا أحمد، أخشى عليكَ. أخشى أنْ تكونَ هذهِ مجردُ بدايةِ نهايةٍ."

"لا تقولي هذا. منْ فضلكِ. أريدُ أنْ أراكِ قويةً. هذهِ الحربُ ستنتهي. وسنعودُ لِـ... سنعودُ لحياتنا."

"هلْ لا زلتَ تؤمنُ بذلك؟ هلْ لا زلتَ تؤمنُ بأنَّ هناكَ حياةً طبيعيةً بعدَ كلِّ هذا الدمار؟"

"يجبُ أنْ نؤمنَ. وإلا، فماذا بقيَ لنا؟"

وقفَ أحمدُ، وأخذَ نفساً عميقاً. "سأذهبُ الآنَ لأجهزَ بعضَ الأغراض. أحتاجُ إلى وقتٍ لأستوعبَ كلَّ شيء."

تركتهُ ليلى واقفةً وحدها في المطبخِ، وقلبها ينبضُ بخوفٍ لم تعرفهُ منْ قبل. لم تكنْ هذهِ مجردُ حربٍ بينَ دولتينِ، بلْ كانتْ حرباً تضربُ في صميمِ الأسرِ، تفرّقُ الأحبةَ، وتزرعُ بذورَ الشكِّ والقلقِ في النفوسِ. بدأتْ تدركُ أنَّ وراءَ قرارِ والدهِ شيئاً أكبرَ، شيئاً يهددُ ليسَ فقطْ سلامةَ أحمدَ، بلْ سلامةَ العائلةِ بأكملِها. شعرتْ بأنَّ القدرَ قدْ نسجَ شبكةً معقدةً، وأنَّ نقطةَ اللاعودةِ قدْ تمَّ تجاوزُها.

في تلكَ الأثناء، كانَ الحاجُّ إبراهيم، والدُ أحمدَ وليلى، يجلسُ في مكتبهِ المطلِ على ساحةِ المدينةِ. كانتْ يداهُ ترتجفانِ قليلاً وهوَ يمسكُ بسيجارهِ. لقدْ اتخذَ قراراً صعباً، قراراً لم يكنْ ليتخذهُ لولا الضرورةُ القصوى. كانَ يعلمُ جيداً حجمَ الخطرِ الذي سيتعرضُ لهُ ابنهُ، ولكنهُ رأى في ذهابِ أحمدَ ضرورةً لحمايةِ شيءٍ أكبرَ، شيءٍ يتعلقُ بماضيهِ، وبمستقبلِ العائلةِ.

تذكرَ الأيامَ الماضيةَ، أيامَ مجدِ عائلتِهِ، وأيامَ الخيانةِ التي عصفتْ بها. كانتْ هناكَ أسرارٌ دفينةٌ، أسرارٌ لم يفصحْ عنها لأحدٍ، أسرارٌ بدأتْ تطفو على السطحِ مجدداً، تهددُ كلَّ ما بناه. كانَ يعتقدُ أنَّ إرسالَ أحمدَ إلى الشمالِ، حيثُ يقودُ رجلٌ قديمٌ يعرفهُ، هوَ الطريقُ الوحيدُ لِـ... لِـ... للحفاظِ على ما تبقى.

"هلْ أنتَ متأكدٌ يا والدي؟" سألَ صوتٌ خفيضٌ منْ خلفِ الباب. كانَ جابر، صديقُ أحمدَ المقربُ، الذي جاءَ لزيارةِ منزلِهم.

استدارَ الحاجُّ إبراهيم، وقدْ ارتسمتْ على وجههِ علاماتُ التعبِ والقلق. "نعم يا جابر. الظروفُ تتطلبُ ذلك."

"لكنَّ أحمدَ طبيبٌ. دورهٌ في المشفى هنا لا يقدرُ بثمن."

"أعلم. ولكني أريدُهُ أنْ يكونَ آمناً. وأنْ يحميَ ما يجبُ حمايتُهُ."

"ولكنْ، هلْ الأمرُ يتعلقُ بالحمايةِ فقط؟ يبدو أنَّ هناكَ شيئاً تخفيهِ عنا يا عمي."

صمتَ الحاجُّ إبراهيمُ لبرهةٍ، ثمَّ قالَ: "هناك أمورٌ لا يمكنُ الحديثُ عنها الآن. ولكنْ، ثقْ بي يا جابر. سأفعلُ ما بوسعي لِـ... لِـ... لِـ... أضمنَ سلامتهم. وأتمنى أنْ تكونَ أنتَ بجانبِ ليلى وسارة. لا تتركهما."

"بالطبعِ يا عمي. لنْ أتركهما أبداً." قالَ جابرُ بصدقٍ، وقدْ شعرَ بثقلِ المسؤوليةِ التي تقعُ على عاتقِهِ. كانَ يحبُّ ليلى، وكانَ يتمنى لها ولعائلتِها كلَّ الخيرِ.

نظرَ الحاجُّ إبراهيمُ إلى جابرٍ، ثمَّ إلى النافذةِ، حيثُ تلوحُ ظلالُ الحربِ على أفقِ دمشق. شعرَ بأنَّ المعركةَ الحقيقيةَ ليستْ فقطْ في الساحاتِ، بلْ هيَ معركةٌ تدورُ في أعماقِ النفوسِ، معركةٌ ضدَّ الخوفِ، وضدَّ المجهولِ. لقدْ تجاوزَ كلُّ واحدٍ منهم نقطةَ اللاعودةِ، وكلُّ ما بقيَ هوَ مواجهةُ ما سيأتي.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%