حب في زمن الحرب 156
19 — آهاتٌ تكشفُ المستور
بقلم مريم الحسن
كانت نسماتُ المساءِ تحملُ معها عبيرَ الياسمينِ الممزوجَ برائحةِ الأرضِ المروية، لكنّها لم تُجْدِ نفعاً في تهدئةِ قلبي الذي اعتراهُ اضطرابٌ لا يوصف. جلستُ في الفناءِ الداخلي، أراقبُ الظلالَ الطويلةَ وهي تتراقصُ على الجدرانِ العتيقة، وكلّما مرّتْ نسمةٌ قوية، شعرتُ كأنّها تهمسُ لي بكلماتٍ لم أستطعْ فكّ طلاسمها. مرتْ الأيامُ منذُ لقائي الأخيرِ بـ"ليلى"، ولم تتركْ لي سوى صوراً لشخصٍ غريبٍ بملامحَ عرفتُها، وبقلبٍ شعرتُ أنّهُ قد انفضحتْ أسرارُه.
في تلكَ الليلة، لم يكنْ للنومِ سبيلٌ إلى عيني. كنتُ أتقلبُ في فراشي، تتصارعُ في داخلي ذكرياتٌ ماضيةٌ وحاضرٌ مُربك. ما كانَ سرُّ والدتي؟ ولماذا اختفتْ بتلكَ السرعةِ الغامضة؟ ولماذا يربطُ "فارس" كلَّ هذا بمصيرِ "ليلى"؟ أسئلةٌ كالدبابيسِ تغرزُ في روحي، تجعلُني أتساءلُ عن حقيقةِ كلِّ ما عشتهُ، عن صدقِ كلِّ الوجوهِ التي عرفتُها.
في صباحِ اليومِ التالي، قررتُ أن أقتحمَ بابَ الحقيقة. توجهتُ نحو مكتبِ والدي، الذي لطالما كانَ ملاذاً للهدوءِ والسكينة، لكنّني اليومَ أراهُ كقبرٍ يخفي أسراراً دفينة. فتحتُ الأدراجَ بحثاً عن أيِّ دليل، أيِّ خيطٍ يوصلني إلى مبتغاي. وبينَ كومةٍ من الأوراقِ القديمة، وقعتْ عيناي على ظرفٍ بنيٍّ عتيق، يبدو أنّهُ لم يُفتحْ منذُ عقود. كانتْ خطّ يدِ والدتي تزينُ غلافَه، بخطٍّ رشيقٍ يحملُ دفءَ الذكريات.
بدأتُ أقرأُ الرسالةَ بقلبٍ مرتجف، كلُّ كلمةٍ كانتْ تنزلُ كصاعقةٍ على عقلي. لقد كشفتْ والدتي فيها عن سرٍّ عظيم، سرٍّ يتعلقُ بعلاقتها بـ"فارس"، وبدايةِ العداوةِ القديمةِ بينَ عائلتيهما. لم تكنِ العداوةُ مجردَ خلافٍ على المالِ أو الأرض، بل كانتْ أعمقُ من ذلك، تتجذرُ في أخطاءٍ قديمةٍ وأسرارٍ مروعة.
والمصيبةُ الكبرى، أنّ الرسالةَ كشفتْ عن ارتباطٍ وثيقٍ بينَ "ليلى" وهذا الصراع. لم تكنْ "ليلى" مجردَ فتاةٍ عادية، بل كانتْ تحملُ في طياتِها مفتاحَ الحلِّ أو الدمار. لقد أُرسلتْ إلى عائلتنا، كما يبدو، لأسبابٍ لا تزالُ غامضة، لكنّ ما هو مؤكدٌ أنّ وجودَها كانَ مرتبطاً بتسويةِ الحساباتِ القديمة.
وبينما كنتُ غارقاً في دهشةِ الرسالة، سمعتُ صوتَ طرقٍ على الباب. رفعتُ رأسي بذهول، فوجدتُ "فارس" يقفُ على الأعتاب، بملامحَ جامدةٍ وعينينِ تحملانِ بريقاً غريباً. بدا وكأنّهُ يعرفُ بالضبطَ ما كنتُ أبحثُ عنهُ.
"هل وجدتَ ما كنتَ تبحثُ عنهُ يا 'أحمد'؟" سألَ بصوتٍ هادئٍ مريب.
تلعثمتُ في الإجابة، لم أكنْ أعرفُ كيفَ أواجهُهُ، كيفَ أصفُ لهُ حجمَ المصيبةِ التي اكتشفتُها. وضعتُ الرسالةَ خلفَ ظهري، محاولاً جاهداً أن أخفيَ عنهُ ما قرأتُه.
"لا شيء، مجردُ بعضُ الأوراقِ القديمة،" قلتُ بصوتٍ حاولتُ أن أجعلهُ طبيعياً.
ابتسمَ "فارس" ابتسامةً باهتة. "أعلمُ أنَّكَ تبحثُ عن الحقيقة، يا 'أحمد'. ولكنَّ الحقيقةَ غالباً ما تكونُ مؤلمةً أكثرَ مما نتوقع."
اقتربَ مني بخطواتٍ بطيئة، وكأنّهُ يراقبُ ردودَ أفعالي. "والدتكَ تركتْ لكَ ما يكفي من الأسرارِ لتُغيّرَ مجرى حياتِكَ. ولكنَّ الأهمَّ من ذلك، هو أنَّ 'ليلى' ليستْ منْ تكونُ أنتَ تظنُّها. إنَّ وجودَها هنا ليسَ صدفةً."
شعرْتُ ببرودةٍ تسري في عروقي. "ماذا تقصدُ؟" سألتُ بصوتٍ مرتجف.
"أقصدُ أنَّ قصةَ حبِّكما، إنْ جازَ لنا تسميتُها كذلك، ما هي إلا فصلٌ من فصولِ صراعٍ قديم، فصلٌ كُتِبَ ليُدمّرَ أكثرَ مما يُبني."
نظرَ إلى الرسالةِ التي كنتُ أحملُها. "لقد قرأتَها، أليسَ كذلك؟ لقد رأيتَ ما فعلتْهُ بي العائلةُ التي تنتمي إليها 'ليلى'، وما فعلتْهُ عائلتُكَ بها."
ارتعشَ جسدي. لم يكنْ بإمكاني إنكارُ ذلك. كلُّ شيءٍ كانَ ينهارُ أمامي، كلُّ ما بنيتُهُ على أساسِ الثقةِ والحبِّ كانَ يتهاوى.
"لم أكنْ أعلمُ شيئاً،" همستُ بصوتٍ خافت.
"العلمُ وحدهُ لا يكفي، يا 'أحمد'. بل العملُ بما تعلمتَ، واتخاذُ القراراتِ الصحيحةِ في الوقتِ المناسب. إنَّ 'ليلى' في خطرٍ، وخطرُها يتجاوزُ حدودَ عائلتِها. إنَّها بيدِ منْ يسعون إلى إشعالِ فتيلِ الحربِ من جديد."
شعرْتُ باليأسِ يتغلغلُ في أعماقي. لقد أصبحتُ عالقاً بينَ نارين، بينَ ماضي عائلتي وبينَ مستقبلِ منْ أحببتُ. لم يكنْ هناكَ مجالٌ للتراجع. لقد انفتحتْ الأبوابُ على مصراعيها، وكشفتْ عن وجوهٍ قبيحةٍ لم أتخيلْ أبداً أنَّها يمكنُ أنْ تكونَ جزءاً من حياتي.
"ماذا يجبُ أنْ أفعلَ؟" سألتُ، صوتي مليءٌ بالضعف.
"يجبُ أنْ تقررَ، يا 'أحمد'. هل ستُواصلُ العيشَ في وهمٍ، أم ستُقاتلُ من أجلِ الحقيقةِ، مهما كلَّفَكَ الثمن؟ إنَّ 'ليلى' تنتظرُ منكَ قراراً."
نظرَ إليَّ "فارس" بعينينِ قاسيتين، وكأنّهُ يحكمُ على مصيري. شعرتُ بثقلِ العالمِ كلهُ على كتفي. لقد بلغتُ نقطةً لا عودةَ بعدها. كانتْ تلكَ اللحظةُ مفترقَ طرقٍ حقيقي، بدايةَ فصلٍ جديدٍ لم أكنْ مستعداً لهُ أبداً.
*
ارتجفتْ يداي وأنا أمسكُ بالرسالة. لقد قلبَ "فارس" عالمي رأساً على عقب، وبكلماتٍ قليلة، فضحتْ كلَّ الأوهامِ التي عشتُها. لم يكنْ حبُّ "ليلى" مجردَ شعورٍ بريء، بل كانَ جزءاً من خطةٍ معقدة، خطةٍ لم أفهمْ أبعادَها بعد، لكنّني شعرتُ بخطرِها يحيطُ بي.
خارجَ المكتب، كانتْ الشمسُ قد بدأتْ تغرب، تلقي بظلالٍ دراميةٍ على أرجاءِ المكان. شعرتُ وكأنَّ الظلامَ الذي بدأَ يكتنفُ حياتي انعكسَ على الطبيعةِ من حولي. عدتُ إلى غرفتي، والرسالةُ ما زالتْ في يدي، وكأنّها قطعةٌ من نار.
"ليلى"… اسمها يترددُ في ذهني كصدىً مؤلم. كيفَ أواجهُها الآن؟ هل أخبرها بكلِّ ما اكتشفتُ؟ هل أخبرها أنَّ حبَّنا قد يكونُ سبباً في كوارثَ أكبر؟ أم هل أحاولُ حمايةَ نفسي وحمايتَها، وأدفنُ الحقيقةَ في أعماقِ روحي؟
لم يكنْ لي خيارٌ سوى المواجهة. لم أستطعْ أن أتحملَ وزرَ الكذبِ والخداع. مهما كانَ الثمن، يجبُ أنْ أكونَ صادقاً معها، ومعَ نفسي.
خرجتُ من المنزلِ، وقلبي يخفقُ بقوة. كانتْ وجهتي نحو منزلِ "ليلى". كلُّ خطوةٍ كنتُ أخطوها كانتْ تزيدُ من حدةِ التوترِ والقلق. تخيلتُ وجوهَ أعداءِ عائلتِنا، تخيلتُ الشرَّ الذي قد يكمنُ خلفَ كلِّ ابتسامةٍ مزيفة.
عندما وصلتُ إلى بابِ منزلِها، ترددتُ للحظة. شعرتُ بأنّني أدخلُ عالماً موازياً، عالماً مليئاً بالأسرارِ والمخاطر. لكنَّ تفكيري في "ليلى"، وفي مصيرِها، دفعني للأمام.
قرعتُ الباب. فتحتْ "ليلى" بنفسها، بابتسامةٍ مشرقةٍ اعتادتْ أن تُضيءَ عالمي. لكنَّ تلكَ الابتسامةَ لم تصلْ إلى عينيها هذهِ المرة. لقد لاحظتْ التغييرَ في ملامحي، في طريقةِ وقوفي.
"ما بكَ يا 'أحمد'؟ تبدو شاحباً." قالتْ بصوتٍ مليءٍ بالقلق.
أخذتُ نفساً عميقاً. "ليلى، نحتاجُ أن نتحدثَ. وبجدية."
أدخلتني إلى الداخل. لم أستطعْ النظرَ في عينيها مباشرة. جلستُ على الأريكة، والرسالةُ لا تزالُ في جيبي، كخنجرٍ مسموم.
"لقد اكتشفتُ شيئاً،" بدأتُ أقول، صوتي يكادُ يكونُ مسموعاً. "شيئاً يتعلقُ بوالدتي، وبي، وبـ... وبكِ."
رفعتْ حاجبَيْها في دهشة. "ماذا تقصدُ؟"
"والدتي تركتْ لي رسالةً. رسالةٌ كشفتْ عن الكثيرِ من الأسرارِ القديمة."
نظرتْ إليَّ بفضولٍ وقلق. "أسرار؟ عن ماذا؟"
"عن عائلتِنا، وعن عائلةِ 'فارس'. وعن سببِ هذهِ العداوةِ القديمة."
بدأَ وجهُها يكتسي بلونٍ شاحب. "العداوة...؟"
"نعم. لم تكنْ مجردَ خلافٍ بسيط، يا 'ليلى'. لقد كانتْ دماءٌ سالت، وأرواحٌ ضاعت. وكانَ الأمرُ كلهُ مرتبطاً… مرتبطاً بوجودِكِ هنا."
سقطتْ عيناها في الأرض. صمتٌ رهيبٌ سادَ الغرفة. شعرتُ بأنَّ جداراً غيرَ مرئيٍّ قد ارتفعَ بيننا، جدارٌ من الشكِّ والخوف.
"لا أفهمُ،" همستْ.
"لقد علمتُ أنَّ والدتكِ، قبلَ وفاتِها، تركتْ لكِ وصيةً. وأنَّ هذهِ الوصيةَ هيَ التي جلبتكِ إلى هنا. لكنَّ الأمرَ أعمقُ من ذلك. إنَّ تاريخَ عائلتِكِ، تاريخَ والدتِكِ، مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بماضي عائلتي. هناكَ دماءٌ مشتركة، وأسرارٌ مدفونةٌ يجبُ أنْ تُكشف."
نظرتْ إليَّ بعينينِ مليئتينِ بالدموع. "هل هذا يعني أنَّ… أنَّ كلَّ هذا لم يكنْ حبّاً؟"
"لا، يا 'ليلى'. بل كانَ حبّاً. لكنَّ حبَّنا وُلدَ في أرضٍ ملوثةٍ بالصراع. وقد استُخدمَ كأداةٍ لتحقيقِ غاياتٍ أخرى."
فتحتُ جيبي، وأخرجتُ الرسالة. "هذهِ الرسالةُ… كشفتْ لي كلَّ شيء."
مددتُ يدي بها نحوها. ترددتْ قبلَ أن تأخذَها. بدأتْ تقرأُ، ودموعُها تنهمرُ على وجهِها. كلُّ كلمةٍ كانتْ تزيدُ من صدمتها.
"كيفَ… كيفَ حدثَ هذا؟" سألتْ بصوتٍ مختنق.
"لا أعرفُ كلَّ التفاصيلِ بعد،" قلتُ، وأنا أشعرُ بالإحباطِ يتزايد. "لكنَّ ما أعرفُهُ هو أنَّ هناكَ قوىً تسعى إلى استغلالِ حبِّنا، واستخدامِنا لتحقيقِ أهدافِها. وقوىً أخرى تسعى إلى تدميرِنا."
"فارس... هل هوَ جزءٌ من هذا؟" سألتْ.
"نعم. هوَ يحاولُ حمايتَنا، لكنَّ تاريخَ عائلتهِ معَ عائلتِنا… معقدٌ جداً."
شعرتُ بأنَّنا عالقان. لقد كشفنا عن الورقةِ السوداءِ، ولم يعدْ هناكَ مجالٌ للعودة. لقد دخلنا نقطةً لا عودةَ بعدها، نقطةً ستُغيّرُ مجرى حياتِنا إلى الأبد.
"ماذا سنفعلُ الآن؟" سألتْ، صوتُها ضعيفٌ جداً.
نظرتُ إليها، ورأيتُ الخوفَ والأملَ يتصارعانِ في عينيها. "سنُقاتلُ، يا 'ليلى'. سنُقاتلُ من أجلِ حبِّنا، ومن أجلِ الحقيقة. ولن نسمحَ لأحدٍ بأنْ يُدمّرَ ما بنيناه."
كانتْ كلماتي قويةً، لكنَّني لم أشعرْ بالقوةِ داخلي. كنتُ أدركُ أنَّ المعركةَ التي سنخوضُها ستكونُ شرسةً، وأنَّ الثمنَ قد يكونُ غالياً جداً. لكنَّ حبَّنا، وحقيقةَ ما كشفنا عنهُ، كانا دافعاً قوياً. لقد انفتحتْ أبوابٌ لم يكنْ لي أن أتخيلَ وجودَها، وأمامَنا الآنَ طريقٌ مظلمٌ مليءٌ بالمخاطر، لكنَّنا سنمضي فيهِ سوياً، ما دامَ لنا قرار.