حب في زمن الحرب 156

أصداءُ الماضي في أزقةِ الحاضر

بقلم مريم الحسن

كانَ الصباحُ يحملُ معه نداءً خافتاً للحياة. بقعٌ من نورِ الشمسِ، خجولةً، بدأتْ تتسللُ عبرَ الثقوبِ في السقفِ المتهدمِ لمنزلِ الحاجِّ محمد. استيقظتْ ليلى على صوتِ المؤذنِ، صوتٌ كانَ دائماً بمثابةِ بلسمٍ لروحها، يخبرها أنَّ اللهَ أكبرُ من كلِّ الظروف، وأنَّ رحمتهُ أوسعُ من كلِّ بلاء.

توضأتْ في إناءٍ صغيرٍ كانَ ماؤهُ بارداً، لكنَّ انعناعهُ على وجهها أيقظَ حواسها. ارتدتْ حجابَها، ودخلتْ إلى غرفةِ والدها. كانَ لا يزالُ نائماً، وجههُ يسترخي قليلاً بعيداً عن عبءِ الهمومِ الذي كانَ يرسمُ خطوطَهُ العميقة.

"أبي..." همستْ بلطف. فتحَ الحاجُّ محمد عينيهِ ببطء. "صباحُ الخيرِ يا ابنتي." "صباحُ النورِ والرضا. هل أنتَ بخير؟" "بخيرٍ ما دمتُ أراكِ. هل أعددتِ لنا شيئاً للفطور؟" "لقد وجدتُ بعضَ التمرِ والباقي من خبزِ الأمس. لن يكونَ فاخراً، لكنه يكفي." "كلُّ ما يأتي من يدكِ هوَ مباركٌ يا ليلى."

تناولا فطورهما بصمتٍ، يكسرُهُ صوتُ الحمامِ الذي يحطُّ على حافةِ النافذةِ المكسورة، أو صوتُ الأطفالِ الذينَ بدأوا يلعبونَ في مكانٍ بعيدٍ، صدى ضحكاتهم الهشةِ كانَ شبيهاً بعصافيرَ صغيرةً تحاولُ أن تعودَ إلى أعشاشها.

بعدَ الفطور، قررتْ ليلى أن تذهبَ إلى سوقِ الخضارِ المتواضعِ الذي تشكلَ في ساحةِ المدرسةِ الابتدائيةِ القديمة. كانتْ بحاجةٍ إلى بعضِ المؤنِ، ولعلها تلتقي ببعضِ الأهلِ والجيرانِ، وتسمعُ أخباراً جديدة.

"أنا ذاهبةٌ يا أبي. سأحاولُ أن أجدَ شيئاً لسدِّ جوعنا." "كوني حذرةً يا ابنتي. لا تتأخري." "إنْ شاءَ الله."

خرجتْ ليلى، والمشهدُ يتكررُ أمامها. أناسٌ يتجولونَ بينَ الأكشاكِ المؤقتة، بوجوهٍ شاحبةٍ، لكنَّ العزيمةَ لا تزالُ تلمعُ في أعينهم. بائعُ الخضارِ، السيدُ أبو أحمد، بابتسامتِهِ المعتادةِ رغمَ حزنهِ الظاهر. "أهلاً بليلى! كيفَ حالكِ يا ابنتي؟" "الحمدُ للهِ يا عمَّ أبو أحمد. كيفَ حالُكم؟" "الحمدُ لله. لقد نجا اللهُ بي وبأولادي. لكنَّ بيتي... آه. لا تسأليني." "اللهُ يعوضُكم خيراً. هل لديكَ بعضُ الطماطمِ والبصل؟" "بالتأكيد. تفضلي."

بينما كانتْ تختارُ الخضار، سمعتْ صوتاً مألوفاً يناديها: "ليلى! ليلى!" استدارتْ لترى "سارة"، صديقةَ طفولتها، تبتسمُ لها بلهفة. سارة، بفستانها الأزرقِ الباهتِ، وشعرها الأسودِ المنسدلِ على كتفيها. "سارة! يا لهُ من لقاءٍ جميل." "لقد اشتقتُ إليكِ كثيراً. هل أنتِ بخير؟" "الحمدُ لله. أرى أنكِ أيضاً بحالٍ جيد." "نعم، الحمدُ لله. أبي يعملُ في منظمةِ الإغاثةِ، يوفرُ لنا بعضَ الضروريات. لكنَّ الهمَّ لا يفارقُ قلوبنا." "أتفهم."

تحدثتا قليلاً، عن الأوضاعِ، عن الأهلِ، وعن الذكرياتِ الجميلةِ قبلَ الحرب. وفجأةً، سألتْ سارة بنبرةٍ خافتة: "هل سمعتِ شيئاً عن خالد؟" شعرتْ ليلى بتيارٍ باردٍ يسري في جسدها. "لا... لا شيء. لماذا؟" "لقد سمعتُ أنَّه كانَ في مهمةٍ ليلةَ الأمس، في منطقةِ القتالِ الجديدة. لقد أرسلوا دوريةً للبحثِ عنه. لم يعدْ حتى الآن." "لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله." تمتمتْ ليلى، وشعرتْ أنَّ ساقيها تخونانها. "يا ربِّ احفظهُ." "آمين. إنَّه شابٌ طيبٌ. الجميعُ يحبهُ."

نظرتْ ليلى بعيداً، نحو الأفقِ الذي كانَ يكتسي بضبابٍ رمادي. كانتْ تعرفُ أنَّ خالدٍ لا يخشى شيئاً، وأنَّ قلبهُ الكبيرَ لا يستطيعُ أن يرى مظلوماً إلا ناصرهُ. لكنَّ هذهِ الظروفَ... كانتْ أشدَّ قسوةً من أيِّ شيءٍ.

"يجبُ أن أذهبَ الآن. أبي ينتظرني." قالتْ ليلى، مودعةً سارةً بكلماتِ حزنٍ وأمل. عادتْ إلى منزلها، تحملُ في يدها الخضارَ، وفي قلبها همّاً إضافياً. لم يكنْ خالدٌ مجردَ جارٍ، لقد كانَ جزءاً من أحلامها الهادئةِ، جزءاً من مستقبلٍ كانتْ ترسمهُ في خيالها، مستقبلٍ بعيدٍ عن قسوةِ الحربِ والدمار.

في المساءِ، بينما كانتْ تجلسُ معَ والدها، وهم يتناولونَ عشاءً بسيطاً، سمعا صوتاً قادماً من الخارج. صوتُ سيارةٍ. ثم صوتُ رجلٍ ينادي: "الحاجُّ محمد! الحاجُّ محمد!" هرعَ الحاجُّ محمد إلى الخارج، ولحقتهُ ليلى. وجدا شاباً يرتدي ملابسَ عسكريةً ممزقة، يتكئُ على سيارةٍ رباعيةِ الدفع. كانَ وجههُ شاحباً، والدماءُ قد لطختْ ثوبه، لكنَّ عينيهِ كانتا لا تزالانِ تلمعانِ بنورٍ غريب.

"خالد!" هتفتْ ليلى لا شعورياً، ثم غطتْ فمها بيدها. "السلامُ عليكم." قالَ خالدٌ بصوتٍ ضعيفٍ. "لقد تعثرتُ قليلاً في مهمةٍ... وكدتُ أن أُصابَ. لكنَّ اللهَ سلّم." "الحمدُ لله! الحمدُ للهِ أنك بخير!" قالَ الحاجُّ محمد، وعيناهُ تلمعانِ بدموعِ الفرح. "كنَّا قلقينَ عليكَ جداً." "لقد كنتُ في منطقةِ كذا وكذا... وواجهتُ صعوبةً في العودة. لكنَّ شبابَ المقاومةِ ساعدوني."

اقتربتْ ليلى منهُ، وشعرتْ بقلبها يخفقُ بقوة. كانَ ينظرُ إليها، بعينيهِ اللتينِ كانتا تلمعانِ بشجاعةٍ وحنان. "هل أنتَ مصابٌ؟" سألتْ بصوتٍ مرتجفٍ. "بعضُ الكدماتِ والجروحِ السطحية." قالَ خالدٌ، وحاولَ أن يبتسم. "لكنَّ الأهمَّ هوَ أنني عدتُ سالماً." "تفضلْ بالدخولِ يا بني." قالَ الحاجُّ محمد. "سأحضرُ لكَ بعضَ الماءِ وضماداتٍ."

دخلَ خالدٌ المنزلَ، ودخلتْ ليلى خلفهُ، تتأملُ في وقفتهِ، في صمودهِ، وفي بريقِ الأملِ الذي كانَ يحملهُ. في تلكَ اللحظة، شعرتْ أنَّ الحربَ، بكلِّ ما فيها من قسوةٍ، لم تستطعْ أن تطفئَ جذوةَ الرجولةِ والنبلِ في قلبِ هذا الشاب. وأنَّ قصةَ حبٍّ قد بدأتْ تتشكلُ، بينَ أزقةِ هذا الحاضرِ المليءِ بالخوفِ، لكنَّها مشبعةٌ بعبقِ الماضي الجميلِ، وبنورِ المستقبلِ الذي لا يزالُ بعيداً، لكنه ليسَ مستحيلاً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%