حب في زمن الحرب 156

20 — أشباحُ الماضي وحُلمُ المستقبل

بقلم مريم الحسن

جلستُ بجوارِ "ليلى"، ويداها ما زالتا ترتجفانِ وهيَ تمسكُ برسالةِ والدتي. كانتْ دموعُها تغسلُ وجهَها، وكأنَّها تُطهّرُه من آلامِ الماضي. حاولتُ أن أُمسكَ بيدِها، لأُطمئنَها، لكنَّ يديَّ لم تكونا ثابتتينِ تماماً. شعرتُ بأنَّ هذهِ اللحظةَ التي كنا نخشاها قد حانتْ، لحظةُ الحقيقةِ المُرَّةِ التي تهددُ بتدميرِ كلِّ شيء.

"يا 'أحمد'،" قالتْ بصوتٍ مُتقطّع، "هل هذا كلُّ ما تعرفُهُ؟ هل هذهِ هيَ كلُّ القصة؟"

"لا، يا 'ليلى'. أعتقدُ أنَّ هذا هوَ الجزءُ الأولُ فقط. هناكَ طبقاتٌ أكثرُ عمقاً، وأسرارٌ أشدُّ تعقيداً. والدتي لم تكنْ تملكُ كلَّ الحقيقة، أو ربما لم تكنْ تريدُ أن تُحمّلَني فوقَ طاقتِ. لكنَّ رسالتَها فتحتْ البابَ أمامَ كلِّ الاحتمالات."

"فارس؟ هل هوَ عدوٌّ لنا؟" سألتْ، ونبرةُ الخوفِ لم تفارقْ صوتَها.

"فارسُ… شخصٌ معقدٌ. هوَ يملكُ جزءاً من الحقيقة، وربما يسعى لحمايتِنا، لكنَّه أيضاً جزءٌ من هذهِ اللعبةِ القذرة. لقد سمعتُ منهُ ما يكفي لأدركَ أنَّ مصيرَنا لا يعتمدُ علينا وحدنا، بل على قراراتِ الآخرينَ أيضاً."

"أنا خائفةٌ يا 'أحمد'. خائفةٌ جداً."

"وأنا أيضاً، يا 'ليلى'. لكنَّ خوفَنا هوَ سلاحُ أعدائِنا. يجبُ أنْ نكونَ أقوياء. يجبُ أنْ نتذكرَ لماذا نحنُ هنا، ولماذا نقاتل."

"لكنَّنا لم نطلبْ كلَّ هذا. أردنا فقط… أن نحبَّ بعضنا البعض."

"وأنا أؤمنُ أنَّ حبَّنا هوَ أعظمُ سلاحٍ لدينا. لقد أُرسلَ لنا، أو وجدَ طريقَهُ إلينا، في زحمةِ هذا الصراع. هذا بحدِّ ذاتِهِ يجبُ أنْ يكونَ سبباً لنقاتلَ من أجلِهِ."

وقفتُ، وبدأتُ أتجولُ في الغرفة. "يجبُ أنْ نُفكرَ بمنْ يمكنُنا الوثوقُ بهِ. والدتي ذكرتْ في رسالتِها اسمَ شخصٍ قديم، صديقٍ لوالدها، ربما هوَ الوحيدُ القادرُ على مساعدتِنا في فهمِ ما حدث."

"من هوَ؟" سألتْ "ليلى" بترقب.

"شخصٌ يُدعى 'الشيخُ هاشم'. والدتي قالتْ إنَّهُ كانَ شاهداً على الكثيرِ من الأحداثِ التي أدتْ إلى هذا الصراع. وإنَّهُ يحملُ في ذاكرتِهِ مفاتيحَ كثيرة."

"لم أسمعْ بهذا الاسمِ من قبل."

"أنا أيضاً. لكنَّني سأبحثُ عنهُ. يجبُ أنْ نجدَهُ. لأنَّني أشعرُ بأنَّنا لسنا الوحيدينَ في هذا الصراع. هناكَ قوىً أكبرُ بكثيرٍ تلعبُ بهذهِ الأوراق."

نظرتْ "ليلى" إلى الرسالةِ في يدِها، ثمَّ إليَّ. "ماذا عنْ 'فارس'؟ ما الذي تركتُهُ والدتُكَ عنه؟"

"والدتي ذكرتْ أنَّ 'فارسَ' كانَ صديقاً مقرباً لوالدِها في فترةٍ من الفترات. وأنَّ هناكَ حادثةً أدتْ إلى انقلابِ صداقتِهما إلى عداوة.حادثةٌ مرتبطةٌ بشيءٍ حدثَ بينَ والديَّ ووالديْ 'ليلى'."

"يا إلهي. كلُّ شيءٍ متشابكٌ جداً."

"نعم، متشابكٌ. لكنَّنا سنفعلُ ما بوسعِنا لفكِّ هذا التشابك. أولاً، يجبُ أنْ نُطمئنَ أنفسَنا. لا تقلقي، سنكونُ معاً في هذا."

*

عادتْ "ليلى" إلى منزلِها، تاركةً إيايَ غارقاً في أفكاري. لم أكنْ أتصورُ أبداً أنَّ حياتي ستصلُ إلى هذا الحدِّ من التعقيد. لقد كانَ حبُّ "ليلى" بالنسبةِ لي بلسماً يداوي جراحَ الحرب، لكنَّ هذهِ الجراحَ نفسها بدأتْ تهددُ بتدميرِ هذا الحب.

توجهتُ نحو مكتبِ والدي مرةً أخرى، أبحثُ عن أيِّ معلومةٍ عن "الشيخِ هاشم". كانَ والدي رجلاً صامتاً، قليلَ الكلام، لكنَّهُ كانَ يحملُ في قلبِهِ حكمةَ الأجداد. لم أعرفْ إن كانَ يعرفُ عن "الشيخِ هاشم" شيئاً، لكنَّني كنتُ مضطراً للمحاولة.

فتحتُ ملفاتِ والدي القديمة، أبحثُ عن أيِّ إشارةٍ، أيِّ اسمٍ يمكنُ أنْ يقودني. وبينَ أوراقِ عقودِ البيعِ والشراءِ القديمة، وجدتُ رسالةً بخطِّ يدِ والدي، موجهةً إلى شخصٍ يُدعى "هاشم". كانتْ الرسالةُ تتحدثُ عن لقاءٍ سريٍّ مهم، وعن مخاطرَ قد تنجمُ عن هذا اللقاء.

"هاشم"… لا شكَّ أنَّهُ هوَ "الشيخُ هاشم" الذي ذكرتْهُ والدتي. لكنَّ رسالةَ والدي كانتْ تحملُ نبرةً من الخوفِ والتحذير. هل كانَ والدي على علمٍ بأنَّ "الشيخَ هاشم" يمكنُ أنْ يكونَ في خطر؟ أم كانَ يحذرُهُ من أطرافٍ أخرى؟

تذكرتُ كلماتِ "فارس". "الحقيقةُ غالباً ما تكونُ مؤلمةً أكثرَ مما نتوقع." لقد بدأتُ أدركُ ما كانَ يعنيه. كلُّ معلومةٍ جديدةٍ كانتْ تفتحُ أبواباً لأسرارٍ أعمق.

خرجتُ من المنزل، وشعرتُ بأنَّني أسيرُ في حقلِ ألغام. في الخارج، كانتْ أصواتُ الحربِ لا تزالُ تُسمعُ في الأفق، لكنَّ الحربَ الحقيقيةَ كانتْ تدورُ بداخلي، وفي قلبي، وفي تاريخِ عائلتي.

ذهبتُ إلى مكتبةٍ قديمةٍ في وسطِ المدينة، مكانٌ لطالما كانَ ملاذاً لعشاقِ الكتبِ والباحثينَ عن المعرفة. سألتُ عن أيِّ معلوماتٍ حولَ "الشيخِ هاشم"، وهوَ رجلٌ معروفٌ في الأوساطِ الثقافيةِ والمعرفيةِ بمدينةِ "حلب".

وجدْتُ بعضَ المعلوماتِ القليلةِ عنه. كانَ رجلاً ذا لحيةٍ بيضاءَ طويلة، وعينينِ تحملانِ بريقَ المعرفةِ والحكمة. كانَ معروفاً بحبِّهِ للتاريخِ والأدبِ العربي، ولهُ اهتمامٌ خاصٌّ بتاريخِ المدنِ القديمةِ والأسرارِ التي تخفيها.

لكنَّ المعلوماتِ كانتْ مجردَ قشور. لم تكنْ هناكَ أيُّ إشارةٍ إلى ارتباطِهِ بقصصِ عائلتي، أو بصراعاتِها.

شعرتُ بالإحباطِ يتسللُ إلى روحي. هل "الشيخُ هاشم" مجردُ أملٍ واهٍ؟ هل سيتمكنُ من مساعدتِنا حقاً؟

بينما كنتُ أجلسُ في المكتبة، أحاولُ استيعابَ كلِّ ما سمعتُهُ، دخلَ رجلٌ غريبٌ إلى المكتبة. كانَ يرتدي ملابسَ عادية، لكنَّ عينيهِ كانتا تحملانِ يقظةً غيرَ اعتيادية. نظرَ إليَّ بعينيهِ الثاقبتين، وكأنَّهُ يعرفُ ما أبحثُ عنهُ.

اقتربَ مني. "هل تبحثُ عن 'الشيخِ هاشم'؟" سألَ بصوتٍ خفيض.

ارتعشَ قلبي. "نعم. كيفَ عرفتَ؟"

ابتسمَ ابتسامةً غامضة. "أنا أعرفُ الكثيرَ مما لا تعرفُهُ أنت. والشيخُ هاشمُ… هوَ ليسَ مجردَ رجلٍ كبيرِ السن. هوَ يحملُ عبئاً ثقيلاً."

"ما هوَ هذا العبء؟" سألتُ بلهفة.

"عبءُ معرفةِ الحقيقة. حقيقةِ الماضي، وخطورةِ المستقبل. هوَ يعلمُ أنَّ قصتَكَ وقصةَ 'ليلى' ليستْ مجردَ قصةِ حب، بل هيَ مفتاحٌ لحلِّ نزاعٍ قديم، أو شرارةٌ لإشعالِ حربٍ جديدة."

"هل أنتَ… هل أنتَ تعرفُ 'فارس'؟" سألتُ، تذكرتُ تحذيراتِ "فارس" لي.

"أنا أعرفُ الجميعَ، يا 'أحمد'. وأعلمُ أنَّكَ في مأزق. وأنَّ 'ليلى' في مأزق. وأنَّ هناكَ منْ يسعى لاستغلالِ حبِّكُما."

"منْ هوَ؟" سألتُ، وأنا أشعرُ بأنَّ كلَّ خيطٍ جديدٍ يقودني إلى منطقةٍ أكثرَ غموضاً.

"هناكَ أيدي خفيةٌ تحركُ هذهِ اللعبة. أيدي تسعى إلى استعادةِ أمجادٍ قديمة، أو إلى تحقيقِ انتقامٍ قديم. 'الشيخُ هاشمُ' هوَ الوحيدُ الذي يمكنُهُ أنْ يُفسرَ لكَ كلَّ هذا."

"كيفَ يمكنُني أنْ أجدهُ؟"

"اتبعْ الأثرَ. والدتي ذكرتْ أنَّ لديهِ مكتبةً خاصةً في منزلِهِ القديم. وهوَ غالباً ما يقضي وقتَهُ هناك. لكنَّ الوصولَ إليهِ ليسَ بالأمرِ الهين. هناكَ منْ يحاولُ إبعادهُ عن الأنظار."

شعرْتُ بمسؤوليةٍ جديدةٍ تثقلُ كاهلي. لم تعدْ المسألةُ تتعلقُ بحبِّي لـ"ليلى" فقط، بل بمصيرِ مدينتِنا، وربما بتاريخِ أمةٍ بأكملِها.

"شكراً لكَ،" قلتُ للرجلِ الغريب. "سأذهبُ إليه."

"كنْ حذراً، يا 'أحمد'. ففي سبيلِ الحقيقة، قد تُواجهُ وحوشاً لم تتخيلْ وجودَها."

خرجتُ من المكتبةِ، وقلبي مليءٌ بالأسئلةِ وبالتصميم. لقد بدأتُ أرى الصورةَ بوضوحٍ أكبر، لكنَّ الصورةَ كانتْ مرعبةً ومليئةً بالظلال. كانَ "الشيخُ هاشمُ" هوَ الأملُ الوحيد، والبابُ الذي سيقودني إلى الحقيقةِ الكاملة. لكنَّ الوصولَ إليهِ لن يكونَ سهلاً. لقد انفتحتْ أبوابُ الماضي، وأنا على وشكِ الدخولِ إلى كهفٍ مظلمٍ تسكنهُ أشباحُ الماضي، لكنَّ حلمَ مستقبلٍ أفضلَ كانَ يدفعني للأمام.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%