حب في زمن الحرب 156
همساتُ القدرِ في ليلٍ ساهر
بقلم مريم الحسن
انقضتْ أيامٌ قلائلُ، حملتْ معها تغييراً طفيفاً في وتيرةِ الحياةِ المدمرة. بدأتْ المساعداتُ الإنسانيةُ تتوافدُ بشكلٍ منظمٍ أكثر، وتأسستْ نقاطُ توزيعٍ آمنة. عادَ بعضُ الناسِ إلى محاولاتِ ترميمِ ما تبقَّى من بيوتهم، وكأنَّهم يحاولونَ استعادةَ خيوطِ الحياةِ المتناثرة.
كانَ خالدٌ يتعافى ببطءٍ تحتَ رعايةِ الحاجِّ محمدِ وليلى. كانتْ ليلى تحضرُ لهُ الأدويةَ، وتُغيرُ لهُ الضماداتِ، وتُعدُّ لهُ وجباتٍ خفيفةً، وكانَ كلُّ ذلكَ يتمُّ بنبرةٍ من الحياءِ واحترامٍ عميق. كانَ خالدٌ يراقبها، يتأملُ في لطفِها، وفي شجاعتها الهادئة. كانَ يرى في عينيها إصراراً قوياً، وقدرةً على تجاوزِ المحنِ، وهوَ ما زادَ من إعجابهِ بها.
في إحدى الليالي، وبعدَ أنْ استقرَّ النومُ في البيتِ، جلستْ ليلى في فناءِ المنزلِ الصغير، تتأملُ في النجومِ المتلألئةِ في سماءٍ صافيةٍ هذهِ المرة. كانَ الهواءُ عليلًا، محملاً برائحةِ الياسمينِ التي بدأتْ تتفتحُ في حديقةٍ صغيرةٍ مجاورة.
سمعتْ خطواتٍ تقتربُ، واستدارتْ لتجدَ خالدَ واقفاً عندَ بابِ الفناء، بملابسهِ المدنيةِ الجديدةِ، وعلى وجههِ ابتسامةٌ خفيفة. "هل أزعجتُكِ؟" سألَ بصوتٍ هادئ. "لا أبداً. فقط كنتُ أتأملُ النجوم." "جميلةٌ هذهِ الليلة." قالَ خالدٌ، وجلسَ بجوارها، محافظاً على مسافةٍ بسيطةٍ احتراماٌ للعادات.
سادَ صمتٌ مريحٌ بينهما، مليءٌ بكلماتٍ غيرِ منطوقة. "لقد استيقظتُ ولم أجدكِ في غرفتكِ." قالَ خالدٌ بعدَ لحظات. "أحبُّ هذهِ اللحظاتِ الهادئة. أشعرُ فيها بالسكينة." "أتفهم. هذهِ الأرضُ شهدتْ الكثيرَ من الاضطراب. الحاجةُ ماسةٌ إلى السكينة."
"هل تذكرُ الأيامَ قبلَ الحربِ يا خالد؟" سألتْ ليلى، ونبرةُ حنينٍ في صوتها. "بالتأكيد. كنا نجلسُ هنا، في هذا الفناء، نشربُ الشايَ معَ والدي. كنا نسمعُ ضحكاتِ الأطفالِ، وأصواتَ الباعةِ في السوق. كانتْ الحياةُ بسيطةً، لكنها كانتْ مليئةً بالبهجة." "كانتْ أجملَ الأيام." قالتْ ليلى، وشعرتْ بأنَّ شيئاً ما يضغطُ على صدرها.
"ليلى..." بدأَ خالدٌ، بترددٍ. "هل تسمحينَ لي بسؤالٍ شخصي؟" "تفضلْ." "لقد رأيتُكِ يومَ الانفجار، في وسطِ الدمار. تحملينَ سلتكِ، وتحاولينَ مساعدةَ الناس. من أينَ لكِ كلُّ هذهِ القوة؟"
نظرتْ ليلى إلى النجوم، ثم أجابتْ: "إنها قوةُ الإيمانِ يا خالد. وقوةُ الواجب. عندما ترى الناسَ يتألمونَ، لا تستطيعُ أن تبقى مكتوفةَ الأيدي. وإنَّ إيماننا بأنَّ اللهَ معنا، وبأنَّ كلَّ هذا سيمرُّ، هوَ ما يمنحنا الصبرَ والقوة."
"باركِ اللهُ فيكِ. لقد رأيتُ فيكِ ما لم أرهُ في كثيرين. أملاً قوياً، وقلباً رحيماً." شعرَتْ ليلى باحمرارٍ خفيفٍ يعلو وجنتيها. "هذهِ تعاليمُ ديننا يا خالد. أنْ نكونَ عوناً للضعيفِ، وسنداً للمحتاج."
"أعلمُ ذلك. لكنَّ تطبيقَها في ظلِّ هذهِ الظروفِ ليسَ سهلاً. أنتِ نموذجٌ يحتذى به." تحدثا لفترةٍ أطول، عن أحلامهما المؤجلة، وعن مخاوفهما، وعن الأملِ في مستقبلٍ أفضل. كانَ حديثهما أشبهَ بنهرٍ هادئٍ يجري بينَ ضفتينِ من الحجارةِ الصلبة، يروي أرضاً عطشى.
"هل ما زلتِ تحلمينَ بالطب؟" سألَ خالدٌ فجأةً. اتسعتْ عينا ليلى. "نعم. لطالما حلمتُ بأنْ أكونَ طبيبةً، لأساعدَ الناسَ وأعالجَ جروحهم." "أنا متأكدٌ أنكِ ستكونينَ طبيبةً رائعة. لديكِ كلُّ الصفاتِ اللازمة." "أتمنى ذلك. لكنَّ الظروفَ... لا أدري." "لا تدعي الظروفَ تقتلُ أحلامكِ يا ليلى. الأملُ هوَ أقوى سلاحٍ لدينا. وسنعملُ جميعاً لنجعلَ هذهِ الأحلامَ تتحقق."
كانَ في نبرةِ خالدٍ شيءٌ من الإلهامِ، شيءٌ من الثقةِ التي كانتْ معدية. شعرتْ ليلى بأنَّ حلمها، الذي كانَ يبدو بعيداً جداً، قد أصبحَ أقربَ قليلاً.
"خالد..." بدأتْ ليلى، وبدا عليها التردد. "هل تعرفُ أينَ أخو زوجةِ أبي؟ لقد فقدتُ الاتصالَ بهِ منذُ بدايةِ الحرب. إنهُ يعملُ في مجالِ توزيعِ المساعداتِ في مناطقَ بعيدة." "أعرفُ أنَّه كانَ يعملُ معَ منظمةِ الأملِ والإغاثة." قالَ خالدٌ. "لقد سمعتُ عن عملهم. سأحاولُ أن أسألَ عنهُ غداً. ليسَ لديَّ شكٌّ أنَّ لدينا معارفَ مشتركةً معَ العاملينَ في هذهِ المنظمة."
ازدادتْ سعادةُ ليلى. لم يكنْ خالدٌ مجردَ شابٍ يلتئمُ جرحهُ، بل كانَ نافذةً أملٍ جديدة، جسراً يربطها بما فقدتهُ. "شكراً لكَ يا خالد. هذا لطفٌ كبيرٌ منك." "لا شكرَ على واجبٍ يا ليلى. نحنُ الآنَ أسرةٌ واحدةٌ هنا."
في تلكَ الليلة، نامتْ ليلى وهي تشعرُ بقلبها يمتلئُ بالدفءِ والرجاء. لم يكنْ الأمرُ مجردَ لطفٍ بسيط، بل كانَ بدايةَ شيءٍ أعمق. كانتْ ترى في خالدٍ شاباً يحملُ قيماً رفيعة، ويؤمنُ بالفضيلةِ والكرامة. وكانتْ تتطلعُ إلى غدٍ يحملُ معه المزيدَ من لقاءاتهما، والمزيدَ من الهمساتِ التي تزرعُ الأملَ في قلبِ زمنٍ الحرب.