حب في زمن الحرب 156

ظلالُ الماضي وجرحٌ لا يندمل

بقلم مريم الحسن

مرَّتْ أيامٌ أخرى، لكنَّ الهدوءَ النسبيَّ الذي سادَ لم يخفِّفْ من وطأةِ الذكرياتِ المؤلمة. وبينما كانَ خالدٌ يتعافى جسدياً، كانتْ روحهُ تحملُ ندوباً عميقةً من الأهوالِ التي رآها. كانَ غالباً ما يُرى شاردَ الذهنِ، وعيناهُ تنظرانِ إلى الفراغ، كأنَّه يسترجعُ صوراً لا يريدُها أنْ تُرى.

في إحدى الأمسيات، وبينما كانتْ ليلى تُعدُّ الشايَ لوالدها وخالد، سمعتْ صوتاً قوياً يأتي من الشارع. صوتُ جدالٍ وصراخ. ثم صوتُ بكاءٍ. هرعَ الحاجُّ محمدُ إلى الخارج، ولحقتهُ ليلى، وقلبها يخفقُ بالقلق.

وجدوا رجلاً مسناً، كانَ وجههُ مغطى بالدماء، وشكلهُ يوحي بالذعر. كانَ يصرخُ: "لقد سرقوا كلَّ شيء! كلَّ ما أملك! سيارتي... أغلى ما عندي!" كانَ الرجلُ قد حاولَ أن يدافعَ عن سيارتهِ التي كانتْ واقفةً عندَ مدخلِ الحيِّ، فقامَ بعضُ اللصوصِ المسلحينَ بسلبها بالقوة.

شعرَ خالدٌ بغضبٍ دفينٍ يتصاعدُ فيه. لم يكنْ يتحملُ رؤيةَ الأبرياءِ يُستغلونَ ويُهانونَ. اقتربَ من الرجلِ المسنِّ، وربتَ على كتفهِ. "لا تقلقْ يا عمي. سنساعدكَ." "كيفَ تساعدونني؟ لقد أخذوا كلَّ شيء!" قالَ الرجلُ بصوتٍ يائس.

"سنسألُ عنهم. وسنجدُ سيارتكَ. إنَّ اللهَ معنا." قالَ خالدٌ، وعيناهُ تلمعانِ بإصرارٍ قاتم. لم يستطعْ الحاجُّ محمدُ أن يخفيَ قلقه. "خالد! كنْ حذراً. هؤلاءِ ليسوا مجردَ لصوصٍ عاديين. ربما يكونونَ عصاباتٍ منظمة." "لا تقلقْ يا عمي. سأكونُ حذراً. لكنَّ العدلَ يجبُ أن يُقام."

ذهبتْ ليلى إلى الداخل، أحضرتْ لها علبةَ الإسعافاتِ الأوليةِ، وعقمتْ جراحَ الرجلِ المسنِّ وربطتْ لهُ الضمادات. كانتْ ترى في عيني خالدٍ شيئاً مختلفاً عن شجاعةِ الأمس. كانَ هناكَ لمعانٌ يشبهُ الرغبةَ في الانتقام، أو ربما استعادةَ شيءٍ مفقود.

في وقتٍ لاحقٍ من تلكَ الليلة، وجدَتْ ليلى خالدَ واقفاً عندَ النافذةِ، ينظرُ إلى الظلام. "هل أنتَ بخير؟" سألتْ بلطف. "نعم. لكنَّ ما رأيتهُ اليوم... يذكرني بما حدثَ لي. يذكرني بما فقدتُه." "ماذا تقصد؟" تنهدَ خالدٌ بعمق. "كانَ لديَّ أخٌ أصغر. كانَ كلَّ شيءٍ بالنسبةِ لي. فقدتُه في حادثٍ مؤسفٍ قبلَ الحربِ بسنوات. لم يكنْ حادثاً عادياً. كانتْ هناكَ شبهةٌ... لكنَّنا لم نجدْ دليلاً. ومنذُ ذلكَ الحين، وأنا أحملُ شعوراً بالذنبِ، وبأنَّني لم أكنْ قوياً بما يكفي لحمايته."

كانتْ هذهِ المرةَ الأولى التي يتحدثُ فيها خالدٌ عن هذا الموضوع. شعرتْ ليلى بأنَّ قلبهُ ينزفُ ألماً. "أنا آسفةٌ جداً لسماعِ ذلكَ يا خالد." قالتْ، واقتربتْ منهُ قليلاً. "لكنَّ ما حدثَ قد حدث. وعليك أن تسمحَ لنفسكَ بالشفاء." "كيفَ أشفى وأنا أشعرُ بأنَّ هناكَ ألماً لم يُعالج؟" قالَ بنبرةٍ يائسة. "ورؤيةُ هذا الرجلِ اليوم... جعلني أشعرُ بأنَّ هناكَ الكثيرَ من الظلمِ في هذا العالم، وأنَّني لم أفعلْ شيئاً كبيراً لمواجهته."

"أنتَ تفعلُ الكثيرَ يا خالد. لقد ساعدتَ الكثيرينَ منذُ وصولكَ. وشجاعتُكَ، وشهامتُكَ، هيَ ما نحتاجُ إليهِ في هذهِ الأيام." "لكنَّ الشجاعةَ لا تكفي أحياناً. قد تحتاجُ إلى حكمةٍ... وقد تحتاجُ إلى قوةٍ لمواجهةِ الشرِّ حيثُما كان."

نظرتْ ليلى إلى عينيهِ، ورأتْ فيهما صراعاً داخلياً عميقاً. كانتْ تخشى أنْ يقودَهُ هذا الشعورُ بالذنبِ والرغبةُ في الانتقامِ إلى سلوكٍ يضرُّ به. "خالد، استمعْ إليّ. ما حدثَ لأخيكَ أمرٌ مؤلمٌ جداً. لكنَّ حملَ هذا الألمِ إلى الأبدِ لن يعيدَهُ. ولن يجعلَ الظلامَ يختفي. الأفضلُ هوَ أنْ تستخدمَ قوتكَ وشجاعتُكَ لإنارةِ الطريقِ للآخرين، وللمساهمةِ في بناءِ عالمٍ أفضل، عالمٍ خالٍ من الظلمِ الذي رأيتَهُ اليوم."

"لكنَّ الظلمَ يحيطُ بنا من كلِّ جانب. والقلوبُ الظالمةُ لا تتوقف." "ولكنَّ القلوبَ الصالحةَ لا تستسلم. أنتَ شابٌ طيبٌ يا خالد. لا تدعْ الظلامَ يتغلبُ عليك. استخدمْ قوةَ قلبكَ في الخير."

مرَّتْ لحظاتٌ من الصمتِ، ثم التفتَ خالدٌ إلى ليلى، ونظرَ إليها ملياً. رأى في عينيها حكمةً وصلاحاً، ورأى فيها أملاً لم يفقدهُ حتى الآن. "شكراً لكِ يا ليلى. ربما... ربما أنتِ على حق." قالَ بصوتٍ خافت. "لقد حملتُ هذا الثقلَ طويلاً."

"كلُّنا نحملُ أثقالاً يا خالد. لكنَّ القوةَ تكمنُ في أنْ نعرفَ كيفَ نتخلصُ منها، أو كيفَ نحملها بشكلٍ يخدمُنا، لا يدمرُنا." "سأحاولُ." قالَ خالدٌ، وبدا عليهِ بعضُ الارتياح. "سأحاولُ أن أجدَ القوةَ في الداخل، وأنْ أستمرَّ في مساعدةِ الناسِ، وليسَ الانتقامَ."

شعرتْ ليلى بأنَّها قد نجحتْ في الوصولِ إلى شيءٍ مهم. لقد استطاعتْ أنْ ترى خلفَ غضبِ خالدٍ الخفيِّ، وتقتربَ من روحهِ المعذبة. وأنَّ هذهِ اللحظةَ، وإنْ كانتْ مليئةً بالحزنِ، فقد كانتْ أيضاً بدايةَ لفهمٍ أعمقَ بينهما، وبدايةً لرحلةٍ قد تكونُ مليئةً بالصعوبات، لكنها ستكونُ رحلةً مشتركةً نحو الشفاءِ والأمل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%